مقالات

انتظروا ميلاد الحكومة المشلولة

05/11/2020, 09:27:25

قريباً، ستُولد حكومة يمنية جديدة في الرياض، مكان الميلاد سيعطيك انطباعا دقيقا عنها، لا يبدو أن اليمنيين يكترثون لهذا الحدث، هم لا يشعرون بغياب الحكومة حتى ينتظروا ميلادها، لم يلتمسوا وجودها؛ حتى يفتقدوها. لا يعني هذا أن اليمنيين لا يعانون جراء غياب الحكومة؛ لكنهم فقدوا الأمل بأي تغييرات حقيقية بسبب معايشتهم حكومات متعددة دون أن يستشعروا أي تحسن في حياتهم الملموسة. 

فمنذ حدوث الإنقلاب الحوثي، واليمنيون يعيشون حياة اللادولة واللاحكومة، يسيّرون حياتهم بأنفسهم، وحضور الحكومة الهامشي ليس له أثر كبير في واقع الناس، ذلك أنها "حكومة منفى"، منزوعة الصلاحية الفعلية على الأرض، لا تملك من زمام أمرها شيئا، عدا صلاحيات شكلية، تتحقق بوجود الحكومة وبغيابها. 

كل التغيرات الحكومية، طوال الفترة الماضية ومنذ بداية الحرب، حدثت لأسباب لا علاقة لها بخدمة المعركة الحقيقية لليمنيين، باستثناء إقالة بحاح، الذي أظهر ميولا خاصة لا تخدم معركة استعادة الدولة. 

قبل أربع سنوات، أقال رئيس الدولة رئيس وزرائه خالد بحاح، لأسباب تتعلق بطموحات الأخير الشخصية ورغبته بوراثة هادي، لجانب مواقفه المشبوهة تجاه بعض القضايا، وقبل سنتين أُقيل رئيس الوزراء السابق، أحمد عبيد بن دغر، لأسباب تتعلق بمواقفه الصلبة تجاه الإمارات، وكنوع من التسوية معها، وهذه المرة أبقى على رئيس الوزراء الحالي، استجابة لضغوط السعودية ورغبتها بالإبقاء عليه. 

في المرة السابقة، أقيل بن دغر بسبب ثباته الداخلي ووضوح موقفه، وهذه المرة أُبقيَ معين عبدالملك بسبب تمالؤه مع التحالف ومواقفه الناعمة تجاه سلوكياتهم. في كلا الحالتين، الأمر لا علاقة له بجوهر المشكلة اليمنية الداخلية. مهما أخذت الأمور طابعا يتعلق بمعالجة مشكلة داخلية بين الشرعية، وهذا الطرف أو ذاك. 

هذه المرة بالتحديد، يمكن القول إن الحكومة التي ستُولد هي "حكومة السفير السعودي" بلا منازع، وهو بمثابة الدينامو المحرّك لها، كما أن استبعاد كل الشخصيات ذات الموقف المناهض للتحالف من داخل الحكومة هو تصفية سياسية لها من قبل التحالف لضمان سيطرته الكاملة عليها. 

هذا ليس اكتشافا جديدا، فالشرعية بكاملها مسلوبة الفاعلية، وأشبه بكرت ضمان شخصي للسعودية، كرت تضمن به سيطرتها على الداخل وتتحرك تحت غطائه لتصنع ما تشاء، دون سؤال من أحد. 

إنها الحكومة الثالثة منذ بداية الحرب، وكل حكومة تأتي أسوأ من سابقاتها، أما التغيرات الشكلية في الحكومة تأتي كتسوية فوقية بين الأطراف السياسية المتصارعة، وأحيانا تلبية لضغوطات خارجية أكثر منها استجابة حقيقية للمشكلات الواقعية للناس، أو رغبة بإعادة تشكيل الجهاز التنفيذي للدولة، وبما يضاعف فاعليته ويتجاوز مشكلاته الداخلية. 

مهما تغيرت جلود الوزراء وأجريت عشرات التبديلات لرأس الحكومة أو أعضائها لا يمكن أن تُحدث فارقا كبيرا في الواقع العملي للحكومة، هذا ليس حكما سوداويا مسبقا، بل تأكيدٌ على جوهر الخلل المتمثل في غياب أي خطة منهجية شاملة للحكومة؛ لاستعادة زمام المبادرة والإمساك بالواقع "السائل"، تلك هي مشكلتها، أكثر منه مشكلة في الأسماء والوجوه. 

يبدو أن الشرعية تهرب من مشكلتها الداخلية وعدم سيطرتها الفعلية على الأراضي المحررة لجانب فقدانها عنصر الاستقلال في قرارها السيادي، وتناقض فريق عملها، تهرب من تسوية هذه المشاكل المضمونية نحو إعادة هيكلة شكلية للحكومة ووزرائها، بغرض مراضاة هذا الطرف أو ذاك. 

يأتي تشكيل الحكومة الجديدة كأحد بنود اتفاق الرياض بين "الشرعية" و"الانتقالي"، غير أن إدراج "الانتقالي" في الحكومة لن يحل المشكلة، بل سيضاعف من صراعها الداخلي، وسيجعلها مشلولة أكثر مما هي عليه، وبدلا من عرقلته عملها من خارجها، سيعمل على إرباكها من الداخل هذه المرة. 

لا يتبنّى "الانتقالي" مطالب حقوقية، كي يكون دخوله في الحكومة تهدئة له، هو فصيل يرفع شعارات تقوِّض الدولة، ويتخذ من الاتفاقيات حيلة لتحقيق طموحه بالتدريج، يقاتل ضد الحكومة في الميدان، ينتزع المدن من تحتها بيد ويفاوضها على مكاسب سياسية باليد الأخرى. 

إن فصيلا مسلحا يماطل في تنفيذ الشق الأمني والعسكري منذ شهور ويصر على تطبيق الشق السياسي قبل كل شيء، هو بلا شك يضمر نوايا عسكرية وليس صادقا في قبوله بتسوية سياسية مقابل تخليه عن أجندته الخاصة في السيطرة على الأرض وتقويض سلطة الدولة والحكومة، التي يشارك فيها. 

الخلاصة: نحن أمام ملهاة جديدة تمارسها النّخبة السياسية اليمنية دون خجل، وكأن جوهر المشكلة، التي يعاني منها البلد، هو البحث عن صيغة مُرضية لتقاسم الحقائب الوزارية الفارغة لبلد ضائع؛ بدلا من توجيه الجهد والعمل لاستعادة الدولة أولا. 

الأطراف، التي تتصارع على مكاسب ظرفية وتلهث خلف تحصيل الامتيازات الشخصية والحزبية في بلد يتعرض للانهيار كل يوم، لا يمكن التعويل عليها لتحرير هذا البلد أو تحقيق الخلاص لشعبه، نحن أمام انكشاف تاريخي وجماعي للنخبة اليمنية الرثة والعاطلة.

مقالات

من يملك بندقية الدولة؟

ثمة قواعد في السياسة تحتمل الاستثناء، وقاعدة في بناء الجيوش تكاد لا تحتمله: القوة العسكرية التي ينشئها الخارج من خارج خزينة الدولة وسلسلة قيادتها لا يبقى قرارها وطنيًا عند أول تعارض جدي بين مصلحة الممول ومصلحة البلد الذي تحمل علمه.

مقالات

أي جيش يُبنى في اليمن ؟!

لقد أثار المقطع المتداول والمنشور عبر المنصة الرسمية لقوات "درع الوطن"، والذي يهاجم فيه أحد مشائخ التوجيه المعنوي الناشطة اليمنية الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان أمام أفراد القوة العسكرية ، سؤالًا يتجاوز الشخص إلى الدولة نفسها: أي عقيدة عسكرية تُبنى اليوم؟ في لحظة يفترض أن تنصرف فيها جهود الجيش إلى استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي، يجري توجيه البوصلة نحو خصومات سياسية وفكرية لا علاقة لها بوظيفة المؤسسة العسكرية.

مقالات

لماذا تتعثر الدولة في اليمن دائما؟

كلما اشتدت الأزمات في اليمن، وكلما بدا أن الدولة تقترب من الانهيار، يظهر في الأفق من يَعِد الناس بالخلاص. مرةً يكون شيخ قبيلة، ومرة قائدًا عسكريًا، ومرة حزبًا سياسيًا، ومرة جماعة دينية، ومرة قوةً إقليمية.

مقالات

ريان الجوف.. هل ولدت «القبيلة الوطنية»؟

ليست بعض المقالات تعليقاً على حدث، بل محاولة لالتقاط الفكرة التي تختبئ خلفه... ومن هذا المنطلق، جاءت الملاحظات التسع التي دوّنها الدكتور مروان الغفوري الروائي والطبيب اليمني المهاجر منذ ٢٧ سنة فهو ليس من أولئك الذين يكتبون عن الأحداث وهي تمضي، بل من القلة التي تلتقط ما تخفيه الأحداث من تحولات قبل أن تتحول إلى حقائق سياسية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.