مقالات
من يملك بندقية الدولة؟
جيوش بلا سيادة: ملكية السلاح والمنبر المسلح في اليمن (1-2)
الحلقة الأولى: من يملك بندقية الدولة؟
ثمة قواعد في السياسة تحتمل الاستثناء، وقاعدة في بناء الجيوش تكاد لا تحتمله: القوة العسكرية التي ينشئها الخارج من خارج خزينة الدولة وسلسلة قيادتها لا يبقى قرارها وطنيًا عند أول تعارض جدي بين مصلحة الممول ومصلحة البلد الذي تحمل علمه.
وملكية القوة معنى محدد قابل للقياس، لا استعارة بلاغية: أن تكون الدولة هي التي تجنّد بمعاييرها، وتدفع من موازنتها وبعملتها، وتنتهي إليها الأوامر الفعلية في الميدان. وما لم تجتمع هذه العناصر الثلاثة، احتفظت الدولة من القوة بالاسم والعلم، وذهب القرار الفعلي فيها إلى غيرها. ولا يحتاج الحكم إلى افتراض سوء نية في المقاتلين ولا خيانة في القادة؛ البنية وحدها تكفي. فالقوة المسلحة لا تعيش يومًا واحدًا بلا إمداد، من راتب الجندي إلى ذخيرته ووقود آلياته؛ ومن يتحكم في هذا الإمداد يتحكم في بقائها وحركتها، وسيستعمل هذا التحكم عند أول افتراق جدي للمصالح، عاجلًا أو آجلًا.
يعود أصل ذلك إلى موقع الجيش من فكرة الدولة ذاتها. فالدولة، في تعريفها الأكثر رسوخًا منذ ماكس فيبر، هي الكيان الذي يحتكر العنف المشروع داخل إقليمه؛ والجيش ليس أداة من أدوات هذا الاحتكار بل تجسيده المادي. قد تُدار عملة بلدٍ من الخارج أو تُرتهن دبلوماسيته فيبقى، على اعتلاله، دولة؛ فإذا خرج قرار السلاح من يده خرجت السيادة نفسها من التعريف، لأن القضاء والجباية والقانون تستند جميعًا، في نهاية السلسلة، إلى قوة تفرضها. من هنا كان سؤال «من يدفع رواتب الجنود؟» أدق مقياس للسيادة من كل مقاييسها الدستورية.
على أن هذا الحكم يحتاج حدًّا فاصلًا يميز الدعم العسكري المشروع من صناعة القوة الوكيلة؛ فليس كل جيش تلقى دعمًا أجنبيًا جيشًا مستأجرًا، وأغلب جيوش العالم النامي بُنيت بمساعدات خارجية في التدريب والتسليح والتمويل ولم تتحول إلى أذرع.
العبرة بثلاثة أسئلة، لا بمصدر المال: من يختار المجندين وعلى أي أساس؟ ومن يدفع الرواتب وعبر أي قناة؟ وإلى من تعود الكلمة الأخيرة في أوامر الميدان؟ فإذا كانت الدولة هي التي تجنّد وفق معايير وطنية عامة، وكان المال الأجنبي يدخل خزينتها ثم يُصرف من موازنتها وبعملتها، وكانت الأوامر تصدر عن وزارة دفاعها وهيئة أركانها، فالمساعدة، مهما كبرت، تبني جيشًا وطنيًا. أما إذا كان الممول هو الذي يختار المقاتلين وفق اعتبارات المذهب أو المنطقة أو الولاء، ويدفع لهم رواتبهم مباشرة بعملته دون المرور بوزارتي المالية والدفاع، وكانت الأوامر الفعلية تصدر عن غرفة عملياته، فالحاصل قوة تتبع الخارج وإن كان جنودها من أبناء البلد، مهما حملت من أسماء وطنية وأختام رسمية.
الشواهد المقارنة تتوزع على أنماط، أنقاها القوة الوكيلة الصريحة. جيش لبنان الجنوبي أنشأته إسرائيل ومولته وسلّحته ذراعًا محلية في الشريط الحدودي المحتل، فلما قررت تل أبيب الانسحاب في مايو 2000 لم يصمد بعد قرار صانعه أيامًا؛ تفكك خلال ساعات، وسلّم عتاده، وفرّ نحو 7,000 بين عناصر وقادة وعائلاتهم إلى داخل إسرائيل، وسلّم قرابة 1,500 آخرين أنفسهم للسلطات اللبنانية خلال الأيام الثلاثة الأولى. وأبطأ منه انهيارًا جيوش الدول المعترف بها التي بُنيت على اعتماد خارجي مفرط: بُني الجيش الوطني الأفغاني على مدى عشرين عامًا بنحو 90 مليار دولار من المساعدات الأمنية، وظلت رواتبه وإسناده الجوي وصيانته حتى آخر يوم تُدار عبر المتعاقد الأجنبي لا عبر خزينة كابل، فلما سُحب هذا الشريان صيف 2021 انهار جيش الثلاثمئة ألف في أسابيع، وقد وثّق المفتش الأمريكي العام لإعمار أفغانستان أن الانهيار بدأ من انقطاع الرواتب والإسناد قبل المعارك الفاصلة. وسبقه بعقود جيش فيتنام الجنوبية، قوة ضخمة فُصّلت على مقاس عقيدة الراعي، ففقدت القدرة على القتال بمنطقها الخاص حين تخلى عنها، وسقطت سايغون بعد عامين من خروج آخر جندي أمريكي. يقابل هذا السجل مساران ناجيان. الأردن استرد الملكية انتزاعًا: بنت بريطانيا الفيلق العربي ومولته وقادته بضباطها، ولم يصبح الجيش أردنيًا لأنه نضج، بل لأن الملك حسين أقال غلوب باشا وكبار ضباطه البريطانيين في 1 مارس 1956 — وشغلت الإقالة مجلس العموم البريطاني بعدها بأيام — ونقل القوة إلى قيادة أردنية وموازنة أردنية، في قرار عُدّ يومها مجازفة وجودية. وكوريا الجنوبية قبلت المساعدة داخل قناة وطنية: بنت واشنطن الجيش فعلًا، لكن سيول أمسكت منذ البداية بالتجنيد الإلزامي الوطني الذي يجعل الجيش عينة من المجتمع كله، وبالرواتب من خزينتها وبعملتها. ومن الحالتين معًا يُستخلص شرط النجاة الوحيد: لا تصير القوة المولودة بمساعدة أجنبية وطنية إلا إذا امتلكت الدولة قيادتها وموازنتها وتجنيدها، ولو بالصدام مع الممول.
عند هذا المحكّ تُحاكم القوى اليمنية التي تمولها السعودية والإمارات، فلا تجتاز منه سؤالًا واحدًا. فالممول هو الذي يحدد أساس التجنيد: مذهبي في قوات درع الوطن وقوات الطوارئ، مناطقي في قوات الحزام الأمني وقوات النخبة الحضرمية والشبوانية؛ وقد عُرفت درع الوطن منذ نشأتها قوةً ممولة سعوديًا بقيادة سلفية أُلحقت شكليًا بإمرة رشاد العليمي مباشرة، فيما أشرفت الرياض على تنظيمها قبل صدور القرار الرئاسي نفسه. والمال يتجاوز خزينة الدولة كليًا: رواتب بالريال السعودي والدرهم الإماراتي تُصرف للمقاتلين مباشرة بنظام البصمة، حتى صار استمرار الصرف بالعملة الأجنبية أداة التشكيلات نفسها لرفض الاندماج في وزارة الدفاع. وسلسلة القيادة الفعلية تنتهي، بما ترجحه ثلاث قرائن متضافرة، إلى غرف العمليات السعودية والإماراتية. أولاها أن قوات درع الوطن، بإفادة مصادر مطلعة، تُدار عبر هيئة لإدارة القوات اليمنية تقودها القوات المشتركة السعودية، دون ارتباط عملياتي أو لوجستي بوزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان. وثانيتها تسجيل صوتي متداول لقائد القوة عقب إعادة انتشار ديسمبر 2025 يشكر فيه وزارة الدفاع السعودية ولا يأتي على ذكر رئيس مجلس القيادة الرئاسي، قائده الأعلى بنص قرار التشكيل. وثالثتها سلوك القوى في جولة ديسمبر 2025 – يناير 2026: انسحبت من مطار الغيظة تحت ترتيبات التهدئة، ثم تقدمت بعد إنذار وزير الدفاع السعودي للانتقالي بمهلة 72 ساعة وما أعقبه من ضربات جوية، وحُسمت المواجهة حين حسمت الرياض خلافها مع أبوظبي، لا قبل ذلك.
والأدلّ من التوصيف كله أن قناة الدولة كانت متاحة وعاملة في التوقيت نفسه، وما تزال. فالرياض تعرف طريق المؤسسات اليمنية معرفة الممارس: أودعت ملياري دولار في البنك المركزي اليمني مطلع 2018 فرفعت احتياطياته من 900 مليون إلى 2.5 مليار دولار، وشاركت الإمارات وديعة بملياري دولار ضمن حزمة أُعلنت يوم إعلان نقل السلطة ذاته في أبريل 2022، ثم أودعت مليارًا كاملًا في فبراير 2023، وقدمت في أغسطس 2023 حزمة بقيمة 1.2 مليار دولار خُصص جزء منها صراحةً لدعم رواتب الموظفين وأجورهم ونفقات التشغيل عبر الموازنة اليمنية، تلتها حزمة بنصف مليار دولار في ديسمبر 2024 جمعت وديعة للبنك المركزي ودفعة لعجز الموازنة. وقدّر صندوق النقد الدولي أن الدعم السعودي خلال عامي 2023 و2024 ناهز ملياري دولار وأسهم في كبح الانهيار وخفض عجز الموازنة إلى 1.9% من الناتج المحلي في 2024. ثم جاء ما بعد جولة يناير 2026 ليحسم الحجة: دعم عاجل تجاوز 300 مليون ريال سعودي في يناير 2026 خُصص للمساهمة في صرف مرتبات موظفي الدولة المدنيين والعسكريين، فاتفاقية بمليار و300 مليون ريال وُقعت مطلع مارس 2026 بالتزامن مع إقرار أول موازنة عامة يمنية منذ 7 سنوات ونصت على انتظام صرف المرتبات والأجور للقطاعين الإداري والعسكري عبر الموازنة، فدفعة تجاوزت 224 مليون ريال في يونيو 2026 لتغطية رواتب موظفي الدولة، أعلنها السفير السعودي بمتابعة من وزير الدفاع خالد بن سلمان نفسه — أي أن الرجل الذي يدير ملف القوى الموازية هو من يشرف على تمويل الجيش عبر الموازنة، فالقناتان تُداران من جهة واحدة، وبقاء التشكيلات خارجها اختيار لا تعذُّر.
وتفصيل دالّ بذاته: المجاميع الكلية لهذا الدعم لا تصدر إلا عن الجانب السعودي — آخرها رقم 11.2 مليار دولار حتى 2023 بإعلان البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن — ولا يقابلها حساب رسمي يمني منشور، فيما لا تتجاوز الودائع الموثقة بندًا بندًا في البنك المركزي 4 مليارات دولار حتى 2022 بنص الوكالة الرسمية اليمنية، ولا تنشر الحكومة اليمنية حسابًا يقابل حساب ممولها. وهكذا يمر راتب الجندي في الجيش الوطني، منذ موازنة 2026، عبر خزينة بلاده بمال سعودي؛ فيما يُصرف راتب المقاتل في التشكيلات الموازية بالريال السعودي من خارجها. يسقط بذلك عذر «تعذّر المرور عبر مؤسسات منهارة»، ويصير معيار الهيكلة الجارية قابلًا للقياس المباشر: إن هاجرت كشوف التشكيلات الموازية إلى الموازنة التي تمولها الرياض نفسها فالدمج جاد، وإن بقيت خارجها فالتمييز اختيار معلن.
غير أن ملكية القوة لا تُختزل في المال وسلسلة الأوامر. فتحت هذه الطبقة طبقة أعمق تملكها التشكيلات ذاتها لغير الدولة: خطابها — شيوخ برتب عسكرية، ومعاهد تخرّج قادة فرق، وتعبئة تقدّم الدين على الدولة — وهي الطبقة التي تلتقي فيها هذه القوى بنموذج خصمها الذي بُنيت لمواجهته. تلك مادة الحلقة الثانية.