تقارير

وزير الثقافة: حماية التراث تواجه تحديات غير مسبوقة بعد سنوات الحرب

02/06/2026, 07:48:20
المصدر : صحيفة ذا آرت نيوزبيبر

يعد مطيع أحمد قاسم دماج وزير الثقافة المعيّن حديثًا في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا في جنوب البلاد. وتواجه اليمن عمليات نهب واسعة، ومواقع تراثية بلا حماية، ومجتمعًا أنهكته أكثر من عشر سنوات من الحرب.

 لكن دماج بدا متفائلًا خلال مقابلة مع صحيفة "ذا آرت نيوزبيبر"، معتبرًا أن التفاؤل بحد ذاته يمثل عنصرًا مهمًا.

وقال دماج: "عندما أقرأ الأخبار عن اليمن، فإنها تُظهر الوضع السيئ فقط، لكنها لا تعكس الحقيقة، ولا تراثنا، ولا ثقافتنا. نحن بلد غني جدًا بالموسيقى، والشعر، والروايات، والتاريخ، والمواقع الأثرية. وعندما أقول إننا نحاول استعادة الموارد، فأنا لا أقصد المال فقط، بل أيضًا استعادة الرواية الحقيقية. اليمن يمر بمرحلة حرجة جدًا، ونحن بحاجة إلى صوت العالم".

وبالنسبة لدماج، كما هو الحال لدى عدد متزايد من اليمنيين، فإن التراث الثقافي أصبح وسيلة لمواجهة الصورة الدولية التي تنظر إلى البلاد باعتبارها دولة منهارة أو ممزقة بالحرب بلا أمل. ويشير إلى فعاليات تستمر دون أن تحظى باهتمام خارجي، مثل القمة الثقافية الأخيرة في حضرموت، ووادي الواحات الداخلي المحاذي للسعودية، وأسبوع الثقافة في عدن، ومؤتمر التراث في تعز الذي أُقيم بمناسبة اليوم العالمي للتراث في 18 أبريل.

كما تستعد سينما عدن، التي يعود تاريخ إنشائها إلى ثلاثينيات القرن الماضي، لإعادة افتتاحها قريبًا، فيما يعمل دماج على جذب استثمارات من القطاع الخاص.

الروح والعقل والهوية

وقالت سميرة عبد المولى قائد القباطي، وهي عالمة آثار ومديرة التخطيط في الهيئة العامة للآثار: "من الصعب أن نتوقع من شخص يكافح لتأمين لقمة العيش أن يخصص وقتًا وجهدًا كبيرين لترميم وصيانة المباني والمعالم التاريخية الخاصة به. نحن نهتم بالتراث لأننا نؤمن بأن البقاء لا يتعلق بالطعام والشراب فقط، بل أيضًا بالحفاظ على الروح والعقل والهوية التي تجعلنا يمنيين".

ويتمثل أحد أوائل مهام دماج في تأمين اتفاقيات دولية مع الدول التي هُرّبت إليها القطع الأثرية اليمنية بشكل غير قانوني. وهو يجري حاليًا مفاوضات مع ألمانيا والولايات المتحدة وسويسرا وفرنسا، إلا أن هذه الاتفاقيات تُبرم على مستوى الحكومات، ما يعني أنه مطالب أولًا بإقناع حكومته بأن هذه الملفات تمثل أولوية.

كما أن المتاحف في اليمن بحاجة إلى أن تكون مؤمنة بشكل كافٍ لاستقبال القطع الأثرية، وهو أمر صعب في ظل أن ميزانية إدارة المتاحف في الوزارة تقل عن ألف دولار شهريًا، بحسب دماج. وحتى مع وجود النوايا الحسنة، قد يستغرق عودة الآثار إلى اليمن وقتًا طويلًا.

ومنذ اندلاع الحرب الأهلية في اليمن عام 2014، تعرضت البلاد لغارات صاروخية ومعارك ميدانية استهدفت بشكل عشوائي مواقع مدنية وعسكرية. كما أدى الفقر الواسع إلى زيادة عمليات تهريب الآثار من المواقع التراثية غير المحروسة المنتشرة في البلاد.

وقال المخرج السينمائي برينت إي. هوفمان، الذي ساهم في تنظيم مؤتمر التراث في تعز: "لقد عملت في أماكن عديدة مثل أفغانستان وباكستان والصين ودول إفريقية، لكن اليمن تمثل العاصفة المثالية من التهديدات المدمرة للتراث الثقافي. فبسبب العزلة، ونقص التمويل، وضعف الرقابة، وغياب الوعي الدولي، وتهديدات التغير المناخي، والنهب، والحرب، فإن كل هذه المخاطر تحدث في الوقت ذاته وفي جميع المواقع".

آثار الحصار المستمر

وتحمل مدينة تعز، المعروفة بالعاصمة الثقافية لليمن، آثار الحصار المستمر منذ عقد من الزمن. إذ تفصل متاريس الركام غير المنتظمة بين المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين والحكومة الجنوبية، في مشهد يُشبه جدار برلين.

وكان حجم الأضرار التي لحقت بالمدينة هائلًا؛ ففي عام 2015، تسببت غارتان جويتان للتحالف السعودي في أضرار جسيمة لقلعة القاهرة، الحصن المهيب الذي يعود إلى القرن الثاني عشر ويطل على مدينة تعز. وتتولى القبّاطي حاليًا الإشراف على جهود إعادة الإعمار.

كما أُحرقت محتويات المكتبة الوطنية، ودُمّر أحد القباب التاريخية في المدينة، وهو ضريح الشيخ عبد الهادي السودي العائد إلى القرن السادس عشر. ولم تسلم أي منطقة تقريبًا في البلاد من الدمار، سواء في عدن أو حضرموت، أو في مدينة صنعاء القديمة المدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو في شمال اليمن.

أما محافظة مأرب، الواقعة شرق صنعاء، فقد كانت موطنًا لمملكة سبأ، القوة الإقليمية التي استمرت من نحو 1000 قبل الميلاد وحتى عام 275 ميلادي، والتي ما تزال حاضرة في المخيال الشعبي من خلال الملكة بلقيس التي يُعتقد أنها كانت إحدى حاكماتها.

ولا تزال البقايا الأثرية لمعابد المملكة ومستوطَناتها وتحصيناتها غير مكتشفة بالكامل حتى اليوم. وهي الآن محاطة بأسوار معدنية تظهر فيها فجوات واضحة، ما يجعلها عرضة للنهب والنزاعات والعوامل البيئية.

ورغم تراجع حدة القتال بعد هدنة توسطت فيها الأمم المتحدة عام 2022 بين شمال اليمن وجنوبه، فإن شمال البلاد ما يزال يتعرض لغارات إسرائيلية ردًا على دعم الحوثيين لغزة.

وفي سبتمبر 2025، تسببت غارات جوية إسرائيلية في أضرار بالمتحف الوطني ومناطق أخرى في صنعاء، ما أدى إلى مقتل العشرات. ومن بين المواقع التي تعرضت للقصف حي صلاح الدين ومسجده العائد إلى القرن السابع، والذي يتميز بمئذنته المزخرفة الشهيرة من الحقبة العثمانية.

وأصيبت الجهة الشرقية من المسجد بأضرار خلقت تشققات تهدد بانهيار المبنى بالكامل إذا لم تُعالج سريعًا. ووفقًا لما ذكرته الصحيفة، فإن هذه الأضرار لم تُنشر حتى الآن في أي وسيلة إعلام ناطقة بالإنجليزية، في ظل تراجع الاهتمام الإعلامي بالحرب في اليمن، والقيود المشددة التي يفرضها الحوثيون، ما أدى إلى خروج القليل جدًا من المعلومات من داخل البلاد.

وقالت نُهى عون، المتخصصة في التراث الثقافي في صنعاء، عبر مترجم: "الغارات الجوية تمزق النسيج التاريخي لصنعاء، والاهتزازات تُحطم هياكل مآذنها القديمة. لكننا نقف أيضًا أمام جدار من الصمت والعجز. فمعاناة اليمنيين اليوم لا تكمن فقط في حجم الدمار، بل أيضًا في قمع الحقيقة والعجز عن إيصال الواقع اليمني إلى العالم".

المرأة عنصر أساسي

كانت عون المشاركة الوحيدة من شمال اليمن في مؤتمر أبريل، بعدما قطعت نحو 160 ميلًا جنوبًا للوصول إلى تعز عبر نقاط التفتيش العسكرية.

وشهد المؤتمر، الذي استمر يومين ونظمته منظمة «التراث من أجل السلام» الإسبانية بالتعاون مع الهيئة العامة للآثار والمتاحف في اليمن، مشاركة مختصين في مجال التراث لتبادل المعلومات حول سبل حماية التراث اليمني.

وكما هو الحال مع عون والقباطي، كانت نسبة كبيرة من المشاركين في المؤتمر من النساء. فبينما كانت النساء في اليمن يقتصرن تقليديًا على الأعمال المكتبية، بدأت النساء منذ برامج اليونسكو مطلع العقد الحالي، الهادفة إلى تحقيق توازن بين الجنسين في سوق العمل، بالإشراف على العمال والتعاون مع المهندسين المعماريين والمهندسين الميدانيين.

وقال هوفمان، الذي يركز في فيلمه الجديد على دور النساء اليمنيات في حماية التراث: "بسبب غياب أشكال الدعم الأخرى، أصبحت النساء وسيلة لنقل المعرفة إلى الأجيال القادمة. سواء تعلق الأمر بالممارسات الثقافية غير المادية أو بالممارسات الجديدة التي تتعلمها النساء، فإن النساء اللواتي التقيتهن في هذا المشروع يفكرن دائمًا في الجيل القادم. ليس في اليمن فقط، بل في أماكن كثيرة، غالبًا ما تكون النساء هن من يُبقين هذه الأمور حيّة".

وعون، وهي مهندسة بالتدريب، تعمل على إعادة تأهيل المنشآت اليمنية التقليدية مثل «المرنع»، وهو نظام قديم لجلب المياه كان منتشرًا في معظم الأحياء اليمنية.

ويتكون المرنع من منحدر مرتفع وبئر مجاور له، حيث يُربط حبل بحيوان، غالبًا جمل أو بقرة، وعندما ينزل الحيوان على المنحدر يقوم بسحب المياه من أعماق الأرض، لتتدفق بعد ذلك عبر القنوات إلى أحواض يستخدمها السكان.

وقالت عون: "المرنع من المعالم التاريخية التي تميز اليمن إلى جانب البيوت والمباني. إنه معلم أثري كان له دور وظيفي مهم في الماضي، ويُعد جزءًا من هويتنا وذاكرتنا الجماعية".

تحديات التغير المناخي

لا تزال السيطرة على الموارد المائية تمثل مشكلة إنسانية مستمرة في اليمن. وتأتي هشاشة البلاد أمام التغير المناخي من جانبين؛ إذ أدى التصحر إلى زيادة قوة الرياح وتسارع تآكل النقوش والجدران التاريخية، في حين شهدت البلاد أيضًا أمطارًا غزيرة ألحقت أضرارًا كبيرة بالعمارة الطينية.

وقالت عون: "الفيضانات تدمر البنية التحتية للمواقع التراثية والبيوت الطينية. ويتم ترميمها من قبل أشخاص يفتقرون إلى الخبرة والمعرفة اللازمة لإعادة تأهيل العمارة التقليدية. الناس يستخدمون أي مواد متاحة مثل الأسمنت الحديث، وهو لا يناسب هذه المباني وقد يزيد الوضع سوءًا".

ومن بين أبرز التحديات أيضًا ضعف الوعي والتعليم لدى السكان المحليين. فالمشاريع الدولية كانت تركز في السابق على بناء القدرات داخل اليمن، لكن وجود المنظمات غير الحكومية تراجع في السنوات الأخيرة، نتيجة للحرب من جهة، ولأسباب خارجية من جهة أخرى.

وكانت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية "USAID" من أبرز الجهات الداعمة لليمن، حيث قدمت نحو 620 مليون دولار للبلاد في عام 2024 وحده، وفقًا للأمم المتحدة، منها 580 مليون دولار كمساعدات إنسانية. إلا أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قامت بحل الوكالة في عام 2025.

كما تواجه منظمة اليونسكو، التي تُعد اللاعب الرئيسي في ملف التراث الثقافي اليمني، تحديات متزايدة. ففي ديسمبر الماضي، احتجز الحوثيون عشرة من موظفي الأمم المتحدة في شمال اليمن، ما جعل عمليات المنظمة هناك "غير قابلة للاستمرار"، بحسب وصفها.

ووفقًا لموقع اليونسكو الإلكتروني، لا تزال المنظمة تعمل في مختلف أنحاء البلاد، إلا أن صحيفة "ذا آرت نيوزبيبر" أفادت، نقلًا عن مصادر ميدانية، بأن نشاط المنظمة قد توقف فعليًا في شمال اليمن. ولم ترد اليونسكو على طلبات متكررة للتوضيح.

أما العاملون اليمنيون في مجال التراث، فهم يخوضون سباقًا مع الزمن، ليس فقط لإنقاذ المواقع التاريخية من التدهور، بل أيضًا للحفاظ على الكفاءات البشرية القادرة على ترميمها.

وقالت القباطي: "في اليمن هناك أشخاص يمتلكون خبرة، لكنهم لم يحصلوا على تعليم كافٍ. وهناك عمال في مجال الترميم يؤدون أعمالًا تقترب من عمل المهندس، لكنهم بالكاد يستطيعون القراءة والكتابة.

 وبسبب الوضع الحالي في البلاد، وتدهور مستوى المعيشة، وارتفاع معدلات الفقر، فإن معظم الشباب إما يسعون للهجرة لتحسين دخلهم، أو يتجهون إلى تخصصات توفر وظائف ذات رواتب أفضل".

تقارير

إعادة تسليح الحوثيين وتحركات إريتريا.. مخاوف من اتساع دائرة الاضطرابات الإقليمية

يجب أن تثير التقارير الأخيرة بشأن إعادة تسليح الحوثيين مجددًا قلق كل صانع قرار جاد في واشنطن والقدس ودول الخليج. لكن المسار الحالي للتحرك الأمريكي في البحر الأحمر — القائم على مهادنة الحوثيين والتقرب من الديكتاتور الإريتري، الحليف والوكيل الإيراني — ينذر بإرسال رسالة خطيرة مفادها أن العداء للولايات المتحدة وإسرائيل يؤتي ثماره.

تقارير

موقع أمريكي: تقارير استخباراتية تكشف تنسيقا متزاييدا بين الحوثيين وحركة الشباب

في منطقة تُعدّ حيوية للتجارة العالمية، يبدو أن خصمين أيديولوجيين قد أصبحا الآن يعملان معًا. إذ تشير تقارير استخباراتية صادرة عن الأمم المتحدة والولايات المتحدة إلى أن جماعة الحوثيين في اليمن وحركة الشباب الصومالية — التي تُعد أقوى فروع تنظيم القاعدة — يتبادلان الموارد اللوجستية والعسكرية، رغم عدم وجود تحالف رسمي بينهما.

تقارير

المال والسلاح والتحالفات.. كيف بنت الإمارات شبكة نفوذ عابرة للحدود؟

في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أصبحت الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور السودانية، مسرحًا لإحدى أعنف حلقات القتل الجماعي منذ الإبادة الجماعية في رواندا. فقد طوقت ميليشيا إبادة جماعية الأحياء، وانتقلت من منزل إلى آخر لتنفيذ الإعدامات. ووثق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ما لا يقل عن ستة آلاف قتيل خلال الأيام الثلاثة الأولى، بينما لا يزال عدد لا يحصى من الأشخاص مفقودين أو غير محتسبين أو مختبئين داخل هذه المدينة المذبوحة.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.