مقالات

مازالت الدنيا بخير!!

07/09/2023, 17:39:10

كان معلماً مخضرماً، ثم موجهاً، ثم بروفيسوراً، خاض سنوات طويلة في حقل التعليم، وكانت أيديولوجيته اليسارية قد صقلته وحوَّلته إلى إنسان ممتلئ بالمشاعر الإنسانية النبيلة تجاه كل شيء في الوطن ، كان جالساً على مقهى صباح ذات يوم باكر، وهو يرتشف الشاي الحليب مثل قلوب كثير من اليمنيين، مع حبات من الخمير المشهور كوجبة صباحية للبسطاء، صادف أن المقهى أمام مدرسة أساسية، حين بدأ الطلاب والطالبات يتوافدون إلى المدرسة وهم بأزيائهم الجديدة، وحقائبهم الملونة، وخاصة البراعم الصغار، لم يتمالك دموعه وهن "يتناطفين".

 كانت فرحته مع بدايات الحرب العبثية في اليمن لا توصف ببداية عام دراسي، وأنَّ هولاء الصغار هم  مستقبل اليمن على أي حال، اختلطت على الأستاذ البروفيسور عبد الرحمن راوح مشاعره كأب وكمعلم وكإنسان، فقال: لا أريد من الحياة أكثر من هذا، إنَّ رؤية أطفال اليمن وهم يذهبون كل صباح إلى المدارس أجمل ما في هذه الدنيا؛ لأن التعليم هو الحياة لليمنيين، والتعليم هو الرفض لكل دخيل وسلالي.
ولعلَّنا لا ننسى مقولة تشرشل الشهيرة  مادام أولادنا يذهبون إلى المدارس، فإننا سننتصر...!

إنَّ شعورنا ومشاعرنا كل صباح، ونحن نستمع للنشيد الوطني وهو يصدح في طول اليمن وعرضها في الطابور المدرسي، يهزُّ مشاعر الجميع بدون استثناء، رغم كل محاولات الطمس والتزييف والتلوين والشعارات والبازارات والاحتفالات بمولد شخصيات لا تعني شيئاً لليمنيين واليمنيات ولأجيال قادمة.

أما النشيد الوطني فإن أجيالاً من اليمنيين رضعوه مع اللبن، ومازالت أجيالٌ ترضعه رغم المحن والحروب، إذ لا خوف على وطنية اليمنيين وأطفالهم من محاولات التطييف الرهيب، وتمزيق النسيج الوطني بكل الخبث والنفاق الذي يحاولون زرعه وبثه، والتجريف الممنهج والغبي للمناهج والتعليم عامةً، إن كل ذلك يُقابَلْ من الطلاب والطالبات بمنتهى السخرية واللامبالاه والعدمية، ولقد مرَّت اليمن وصنعاء -على وجه الخصوص- بمحاولات أخبث من هذه عبر تاريخ طويل من إلحاقها بفارس والصفويين، ولكن في النهاية عادت صنعاء لليمن، وعاد اليمنيون لصنعاء بكل الحب والانتماء.

قبل أيام وجماعة من اليمنيين منتشيون  صباحاً والنشيد الوطني يملأ الأمكنة والنفوس، ويتردد صداه حتى جبل نقم، سأل أحدهم: ها كيف تشوفوا؟
فاتفق الجميع قائلين - باختصار شديد: لو لم يبقَ من التعليم في صنعاء غير النشيد الوطني لكفى..!

التعليم هو الحياة...
الجميع يصلون إلى حل مع الجميع إذا تلقوا تعليماً، لكنك لن تستطيع العثور على أي جسور مشتركة بينك وبين رجل قادم من الكهف، وكل ما سُكب في أم رأسه هو ملازم لا تُفسِّر شيئاً سوى أنها تشاعيب  مخزِّن، أو ما بعد أسوأ أنواع القات، وأسوأ أنواع المذاهب في تصورهم للحياة والأحياء، فحشدوا للناس أسماء من قبو وقاع التاريخ لتقديسهم والبكاء عليهم.

وكأنَّ الناس لا ينقصهم سوى هذه التقاليع المضحكة من بين كل مشاكل العصر والفضاءات، ودخول الذكاء الصناعي كعامل حاسم في صراع الإنسان مع المستقبل.

إنَّها أيامٌ عصيبةٌ تمرُّ على اليمنيين جميعاً، كنا نتوقع لها أن تمتد عامين أو ثلاثة، وها نحن ندخل العام التاسع أو العاشر من الحروب المتداخلة والعدمية والعبثية، ووصل الأمر إلى انعدام الرؤية التامة لأي حل وعودة الحياة إلى مسارها.

الغريب في تصريحات المبعوثين الأمميين وهم يراهنون أن اليمنيين وحدهم القادرون على حل مأساتهم التي تكاد  تُمسي قضية منسية، والأغرب من ذلك كثيراً هو إصرار العالم المتآمر مع الحوثيين والداعم له أو غيرهم وهم يؤكدون ويطلبون من الحوثي الرضوخ لحل سلام شامل، وهم يعلمون أن الحوثيين لا يأبهون لكل نداءاتهم، في الوقت الذي فيه فعلاً لا أحد يقدر اليوم أن يضغط عليهم للقبول بسلام غير مشروط ومشاركة اليمنيين؛ لأن السنوات الماضية والدعم غير المحدود علم هولاء كل دروس السياسة والوساخة الطائفية، وفنون الضغط والتفاوض، ولكنهم -بكل أسف- لا يعلمون طبيعة التاريخ، وتقلبات الأيام، وغضب الشعوب المرهقة من مظالمهم ووقاحتهم، التي ليس لها حدود، ولذلك ما لم ينتصر اليمنيون لعدالة قضيتهم، ويتم كسرهم عسكرياً، بتوحُّد اليمنيين فسيظل هولاء يتقلَّبون في البلاد وفوق رقاب العباد...!

مقالات

حكاية البنت العمياء سعيدة (2-2)

في العصر الذّهبي للحَمير، كان الحمَّارة نجوم القُرى ونجوم الغناء، وكانوا عند مرورهم بالقُرى، أو عند اقترابهم من الينابيع والآبار، حيث تتجمع النساء والصبايا، يغنون ليلفتوا انتباههن

مقالات

كلمة عن الصداقة والصديق

" الصديق هو أنت؛ لكنه بالشخص غيرك" أعتقد أن أرسطو نجح في قول عبارة مكثّفة تُلخِّص جوهر هذا المفهوم. الصداقة والصديق. كما أنّه ليس أمرًا هامشيًا أن تُشتّق الصداقة من " الصدق" ذلك أن أول شروط الصداقة، هو أن تكون مع الأخر كما أنت مع نفسك. وإن كان الأمر مستحيلًا، أن تكون معه كما أنت مع نفسك تمامًا؛ فيكفي ألا تخشى شيئًا وأنت مع هذا الأخر الذي ترقى علاقتك به ليكون صديقًا.

مقالات

حكاية البنت العمياء "سعيدِة" (1-2)

كان من سُوء حظ البنت سعيدة أنها وُلدت عمياء؛ كانت العمياء الوحيدة في القرية، لكنها وهي طفلة لم تكن تكترث بعماها، فقد كانت لديها مواهب تعوّضها عن فقدان بصرها، وكانت ذكية وتتمتع بذاكرة قوية، وكانت بقية حواسها حادة وشديدة الحساسية؛ تسمع أصواتا لا يسمعها غيرها من الأطفال، وتشم روائح لا يشمونها، وتحفظ أغانيَ وحكاياتٍ لا يحفظونها، وكان لها صوتٌ حُلوٌ وعذب يُلفِتُ الانتباه إليها.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.