مقالات

لكل زمان سفلَة ولصوص!!

11/04/2023, 11:22:43

العجيب العُجاب في التاريخ ألّا أحد يعتبِر من حوادثه، رغم تكرار هذي الحوادث بشكل واضح لكل ذي بصر وعين وعقل. جميع من يصلون إلى السلطة يعرفون ولا يعتبرون؛ رغم أنهم شاركوا بهذي الأحداث التاريخية بشكل أو بآخر؛ وأنهم جزء أصيل من تقلبات التاريخ وحوادثه، وهم أسوأهم على الإطلاق، بصرف النظر عن الأحداث التاريخية على امتداد آلاف السنوات.

تواجهنا تواريخ دموية وحوادث بشعة لمن سبق، لكن من يأتون بعدهم لا يعتبرون ولا يقرأون ولا يتدبرون؛ إلا بعد أن يجدوا أنفسهم وقد تجرعوا من الكأس نفسها التي تجرعها خصومهم السابقون، وهكذا دواليك، يا لمعجزات التاريخ!

نحن هنا نشير إلى تلك السنوات الديكتاتورية، التي لا تتجاوز على أكثر تقدير أربعين عاماً أو أقل أو أكثر بقليل، أو بمعنى آخر جيل كامل، مصيره يكون محكوماً بالتاريخ وألاعيبه، ورهناً بتغير الأجيال وتقلبات الأيام، لا شيء يبقى على حاله، مهما بلغ التسلّط والعنفوان والقمع والوحشية.

كانوا يقولون: لكل زمان دولة ورجال، لكنَّ اليوم انقلب الحال إلى "لكل زمان سفلة ولصوص"، هذي حقيقة ناصعة نعيشها اليوم، بكل تفاصيلها المؤلمة التي أستبدَّتْ بنا وبأيامنا ودولتنا، التي لطالما حلمنا بها؛ وبالتغيير إلى الأفضل؛ ولكننا وجدنا أنفسنا وسط مؤامرات من كل القوى الإقليمية والدولية، وألقيَ بنا وسط حرب أكلت الأخضر واليابس، وكُنا هدفاً لانتقام ديكتاتور سابق رفضنا الرضوخ لنظامه للأبد، ولا يبدو هناك أفقٌ لنهاية عادلة، وها نحن نرى نهايات ظالمة وتاريخا جديدا يتشكَّل بطريقة مأساوية وثمن باهظ للغاية دفعناه؛ وسنظل ندفع مع سفلة جدد ليحكمونا.

هكذا تنتهي الدول وهكذا تسقط، وهكذا تنقصف أعمار أنظمة وسخة متعجرفة، تعتقد دون قراءة أو تمحيص لحركة التاريخ أنها باقية أو خالدة للأبد، ويقف التاريخ هناك ضاحكاً بسخرية شديدة من الجميع؛ الظالم والمظلوم، من الكبير والصغير، ومن الحاكم والشعب.

عندما كنتُ أتلفتُ حولي وصور رأس النظام السابق في كل مكان، وحيثما وليت وجهك، وفي كل متر مربع، كنتُ أتساءل ببساطة شديدة: هل سيأتي يوم لا نرى شيئاً من هذا أبداً، ولعلكم تعرفون الجواب بلا شك. واليوم نسأل وبإلحاح شديد مرة ثانية: هل سيأتي يوم قريب، فلا نرى من هذي الشعارات والملصقات التي لوثت المدن والنفوس والأفئدة، وزرعت البغضاء والأحقاد، فلا نرى منها شيئاً أبداً. الجواب بلا شك: نعم؛ لأن كل ما حولنا خارج منظومة العصر ومفاهيمه وقيمه.

الأمر المضحك أنّ النظام السابق -حسب مفاهيم زُرعتْ- كان يأكل ويؤكِّل، واليوم مات الشعب جوعاً، البنك المركزي عبارة عن هيكل عظمي بلا شك، بالأمس كُنا نرى شوالات تدخل وتخرج، واليوم لا نرى من ذلك شيئا أبداً، لقد تحولت الدولة من البنك المركزي إلى البدرومات، هذي حقيقة لا شك فيها. اليوم نحن بلا دولة، وإنما مجموعة كبيرة من المشرفين، وكل مشرف لديه بنكه المركزي الخاص، ومربع سيطرته، وله ميزانية، ومعه مرافقون، ومعه عدد كبير من أمناء الصناديق؛ يستبدلهم كل عشية وضحاها، وهناك نظام متفق عليه بينهم، كم لهذا وكم لذاك، وكم للبدرومات الكثيرة. 

لا نعلم من سيدفع نص الراتب القادم، ومن أي بدروم، والمُتعارف عليه أن هناك  أربع مرات لهذا النُّص، أول رمضان وآخره وقبل عيد الأضحى، وفي المولد النبوي، بمعدل راتب شهرين في العام، والعجيب والمضحك حد السخرية أن الدولار والسعودي ثابتان، بل  ومرشحان للهبوط، لم نجد اقتصاديا واحدا يفسر لنا هذي المسألة الغريبة. قال أحدهم: يا أخي الجماعة لا يدفعون شيئاً، وإنما يأخذون فقط، وكل ما تراه من تبليط لأحجار في الجولات، وطبطبة على الشوارع، التي انتهت صلاحيتها على حساب منظمات دولية، وكل المساعدات الدولية تدخل إلى هناجرهم، والمنظمات التي كانت أصبحت تحت سيطرتهم الكاملة، ومن اعترض رحل، الأزمات لا تنتهي رغم توفر كل شيء؛ لأن كل ذلك مخطط له، وتحت السيطرة. ولنضرب مثالاً بسيطاً، في بداية رمضان هذا، كان الغاز متوفراً في كل المحطات، ووجهوا الناس إليها بسعر 5500، ولم يبدأ رمضان إلا وتفاجأنا بأن السعر 7700 ريال للدبة سعة 20 لتراً، من يقف خلف هذا، لا شك أنهم طيور الجنة بعد أن تحولوا. ومثال آخر: مؤسسة المياه في الحديدة بلا وقود، والمدينة تعاني أزمة ماء كبيرة؛ من يتوجّب عليه حل المشكلة؟ تبرع رجل أعمال بشاحنة وقود من أجل خاطر إرضاء المشرفين ورمضان  إذن نحن بلا دولة، الدولة موجودة للسحل والقمع والنهب والجبايات، ولا وجود لها في خدمات الناس والشعب.

كان هناك رجل ألتقيه، ونشرب الشاي -رحمة الله عليه- يعمل مستشاراً في التربية وهو منهم. تبادلنا المودة وحب الوطن وهموم التعليم، وتحدثنا فيما يخص كل شيء في التعليم والدولة؛ قال بكل وضوح وصراحة: لا توجد لدى هولاء الناس أي نية  لبناء دولة، وأن الموضوع كله جبايات وتركيع للناس، ومن فكَّر منهم ببناء دولة تم تصفيته، ومن تحدث عن راتب تمت تصفيته، ولا يحتاج الأمر لضرب أمثلة وشواهد.

يوماً ما وأنا أقف بالقرب من شخص محسوب عليهم، يدير مؤسسة تعليمية، وهو يتحدث مع أحد أصدقائه، ويخبره بكل شفافية وصراحة:

يا أخي وظِّفْ أولادك وأولاد أخيك وكل من يقرب لك، يا أخي هذه فرصة انتهزها لا تُضيِّعها، لن تتكرر.

ماسمعته وما رأيته -كما تعلمون- أشياء مخزية، ولا أمل في المدى المنظور، نحن بحاجة إلى معجزة لتنقلنا مما نحن فيه إلى ما نريده.  

طبعاً التاريخ لا يكرر نفسه، ولكن الطغيان لا يعتبر، ولذلك التريخ يتكرر هنا بشكل فج، دولة سُلمت لهم من حاقد ومن آخر غبي على طبق من ذهب. ماذا سيحدث ها هي قد مرت سنوات ثمانٍ، والتسويات والمحاصصات لا مكان لها عند هولاء حسب التاريخ والدم، إنهم يريدون أخذ كل شيء، ولا يريدون أن يعطوا شيئاً، حصار تعز نموذجاً، في كل ما يصدر عنهم لا تجد لتعز إلا الصمت عن نية مبيتة، لا تجد في أدبياتهم وتغريداتهم أي نية لفتح الطرقات شريان الحياة.

خلال اليومين الماضيين، وجدنا أكثر المتفائلين متشائمين، وبلا أمل حقيقي، ستبدي لنا الأيام خفايا جُباة اليوم!!

مقالات

حكاية البنت العمياء سعيدة (2-2)

في العصر الذّهبي للحَمير، كان الحمَّارة نجوم القُرى ونجوم الغناء، وكانوا عند مرورهم بالقُرى، أو عند اقترابهم من الينابيع والآبار، حيث تتجمع النساء والصبايا، يغنون ليلفتوا انتباههن

مقالات

كلمة عن الصداقة والصديق

" الصديق هو أنت؛ لكنه بالشخص غيرك" أعتقد أن أرسطو نجح في قول عبارة مكثّفة تُلخِّص جوهر هذا المفهوم. الصداقة والصديق. كما أنّه ليس أمرًا هامشيًا أن تُشتّق الصداقة من " الصدق" ذلك أن أول شروط الصداقة، هو أن تكون مع الأخر كما أنت مع نفسك. وإن كان الأمر مستحيلًا، أن تكون معه كما أنت مع نفسك تمامًا؛ فيكفي ألا تخشى شيئًا وأنت مع هذا الأخر الذي ترقى علاقتك به ليكون صديقًا.

مقالات

حكاية البنت العمياء "سعيدِة" (1-2)

كان من سُوء حظ البنت سعيدة أنها وُلدت عمياء؛ كانت العمياء الوحيدة في القرية، لكنها وهي طفلة لم تكن تكترث بعماها، فقد كانت لديها مواهب تعوّضها عن فقدان بصرها، وكانت ذكية وتتمتع بذاكرة قوية، وكانت بقية حواسها حادة وشديدة الحساسية؛ تسمع أصواتا لا يسمعها غيرها من الأطفال، وتشم روائح لا يشمونها، وتحفظ أغانيَ وحكاياتٍ لا يحفظونها، وكان لها صوتٌ حُلوٌ وعذب يُلفِتُ الانتباه إليها.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.