مقالات

لعنة الكرسي

12/12/2022, 09:49:54

 

تَتَّسم المجتمعات المتخلفة بتنافُر الوظائف الاجتماعية لأفرادها، ضمن منظومة غير متماسكة الرابطة ولا منسجمة الآلية. وتتدهور الملامح -في هذا المشهد- حتى تبلغ تخوم السخرية الحادة.

انك تجد رجل العلم أو الفكر يترك مجاله الرفيع ليستدير نحو الساحة السياسية، كوظيفة مباشرة، وليس مجرد موقف عام أو منشط جانبي أو حراك موسمي. ولم أفقه حتى هذه اللحظة أهمية أن يسعى رجل العلم للاتّكاء على وظيفة سياسية، في ظل مجتمع موغل في التخلف الشامل!

وحال أهل العلم والطب والهندسة وما في حُكمها، كحال أهل الابداع الانساني الراقي في الآداب والفنون، جميعهم يطمحون لبلوغ سُدَّة السلطة السياسية، لبلوغ ذروة المكانة الاجتماعية المُستمدَّة من نفوذ سياسي، أي من منفذ لا صلة له بالانتاج والابداع أو الاكتشاف والاختراع.

ففي الدول المتقدّمة يحدث أن يتبوَّأ عالِم أو أديب أو فنان منصب رئاسة الدولة (عبدالكلام في الهند، هافل في التشيك وريجان في أميركا، على سبيل المثال)، فتلك المجتمعات بلغت شأواً من التطور يجعلها في مأمن من الضرر بميكانيزم الوظائف الاجتماعية للأفراد والمؤسسات معاً. وهم تحكمهم منظومة ديمقراطية بالغة الالتزام والنفاذ، اِذْ يغدو من الطبيعي أن يعود الأديب أو العالِم أو الفنان الى موقعه الحميم أو الأصيل: الابداعي أو الاحترافي أو الأكاديمي، بعد أن يقضي الفترة الدستورية للوظيفة السياسية التي تكون موقتة في كل الأحوال وتحت كل الظروف.

وفي صورة أكثر سطوعاً، حتى السياسي المحترف، اثر انقضاء فترة شغله المنصب في رئاسة الدولة أو الحكومة أو الوزارة، يُيَمِّم وجهته شطر حلقة التدريس في الجامعة أو حلبة الادارة أو الاستشارة في مؤسسة علمية أو استثمارية، أو يعود باحثاً في معهد دراسات أو كاتباً ومُحلّلاً لاحدى الوسائط الاعلامية.. أو حتى كاتباً لمذكراته التي تكون -في غالب الأحيان- في غاية الدسم، لأنها تشبَّعت بالخبرة والمعلومات وحفلت بالمواقف والمنجزات، وليس بالحفلات والرشوات على منوال بعض الساسة في بعض بلاد العالم الثالث بعد الألف!

عرفتُ أكثر من طبيب نطاسي ومهندس عبقري وأديب قدير ترك حرفته المحترمة التي من شأنها أن تدرّ عليه أسباب العيش الرغيد والوجاهة اللامعة والسمعة الطيبة.. ثم راح يسعى وراء منصب سياسي أو حكومي، كان عليه أن يهدر الكثير من وقته وجهده وراحة باله وسعادة أسرته، من أجل بلوغه.. وفي حال بلوغه، كان عليه أن يهدر الأكثر من ذلك كله، ليحتفظ به.. وفي آخر المطاف، أندلق ذلك كله كالماء من بين أصابعه، فاذا به يعود بخُفَّيْ حُنين بعد أن لقيَ مصير الغراب الذي لم يستطع الحفاظ على خطوته الأصلية فيما عجز عن تقليد خطوة الطاؤوس!

ويكون المشهد أكثر تراجيدية، حين يغدو لهثه وراء ذلك الكرسي المشؤوم -والتشبُّث به- سبباً مباشراً لحتفه! .. ولطالما حدث هذا المصير المأساوي كثيراً للكثيرين من أهل العلم والفكر في هذا البلد الموغل في تخلفه، والذي تنتقل فيه الخلافات السياسية -وبصورة موغلة في التراجيديا- من منبر الخطابة والكتابة إلى مرمى النيران وغرف الاعدام !

مقالات

المرتزقة والميليشيات: سلاح أبوظبي لتفتيت الدول على ضفتي البحر الأحمر

حين نشرت هيومن رايتس ووتش في مايو 2026 تقريرها عن تجنيد مقاتلين كولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع في السودان، خرجت القضية من حدود واقعة جديدة في حرب دارفور إلى سؤال أوسع عن طبيعة الحروب التي تتشكل اليوم في المنطقة. فهذه الحروب لا تدور فقط بين جيوش محلية وخصوم داخليين؛ بل تتحرك خلفها شركات أمنية، ومقاتلون عابرون للحدود، وخطوط إمداد لا تظهر دائمًا في نشرات السياسة، غير أن أثرها يصل إلى المدن المحاصرة والقرى المحروقة ومخيمات النزوح. وتشير هيومن رايتس ووتش إلى أن مقاتلين كولومبيين جرى استقدامهم عبر شركة أمنية مقرها أبوظبي، وأن بعضهم وصل إلى السودان بعد المرور بمنشآت عسكرية إماراتية؛ وهي اتهامات تنفيها الإمارات وتؤكد أن دورها في السودان إنساني لا عسكري.

مقالات

رئيس في دولة استعصت على الحكم

تولى هادي السلطة في لحظة انتقالية شديدة الهشاشة، خرجت من بنية دولة مثقلة بالصراع ومراكز القوى المتراكمة، ثم انفتحت على فضاء إقليمي ودولي لم يعد فيه القرار اليمني قرارًا مستقلًا بالكامل. ومن هنا، يصبح اختزال تجربته في ثنائية “نجح” أو “فشل” تبسيطًا مخلًا، لأن قواعد اللعبة السياسية نفسها كانت قد انهارت أو تشوّهت منذ البداية.

مقالات

في رحيل الرئيس عبد ربه منصور هادي.. رجل حمل اليمن فوق أكتاف مرحلة مستحيلة

برحيل الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي، يطوى فصل بالغ الثقل والتعقيد من تاريخ اليمن المعاصر؛ فصل اختلطت فيه الآمال الكبرى بالانكسارات القاسية وتشابكت داخله حسابات الداخل والخارج حتى بدا اليمن وكأنه يخوض معركة مفتوحة مع تاريخه وجغرافيته وموروثه السياسي في آن واحد.

مقالات

"آنستنا يا عيد" والتكامل بين الشاعر عباس المطاع وفنان الشعب علي بن علي الآنسي

القصيدة الكاملة لأيقونة العيد الخالدة " آنستنا يا عيد" تظهر بوضوح أن الشاعر الكبير عباس المطاع، تحت دفق الومضة العفوية وضغط الرغبة في قول كل شيء في ليلة العيد أفلت من يده الزمام ، فتحول من روح العيد وبهجته الدفاقة ليضيف لها كل ما خطر في باله عن المغالاة في المهور ، وهموم المستأجرين، وجشع التجار، والتحذير من تهور السائقين والسرعة، والنظافة وكنس الشوارع، والصحة وتجنب مرض القرحة والسل والكحة.. راجع القصيدة كاملة في نهاية المنشور.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.