مقالات

عشر سنوات من العبثية وجرائم الحرب!!

23/06/2023, 06:22:11

السؤال الجوهري هنا: هل كان أي يمني يتوقع أن تصل اليمن إلى ما وصلت إليه اليوم من عبثية في كل تفاصيل المشهد القائم القاتم، ومن الضبابية، وانعدام الرؤية لأي حل سياسي يتبدَّى في الأفق القريب والبعيد، المأمول والمنظور..؟!!

كلُّ ما نشاهده التعمق في المأساة، وهي هنا أقرب إلى الملهاة، حسب التنظير الأدبي اليوناني القديم. اليمن الكبير على وشك أن يتحول إلى رقعة شطرنج واسعة، بل قد تحول بالفعل، والحجارة فيها غريبة عن لعبة الذكاء - الإقليمي والغربي والغباء اليمني - المأثورة عن الشطرنج والحجارة فيها، التي بلا مشاعر، دول إقليمية متآمرة من بداية تحريك الأحجار والأصنام، وإيصالها إلى صنعاء بكل خفة وترصد.

دخلت البلاد كلها في لعبة ثانية، وهي الدومينو، والسقوط المتوالي للأحجار على مستوى مساحة الجغرافيا اليمنية، وها نحن نرى المجالس وهي تتشكل وتتمشكل في الأقاليم، التي يفترض أن تكون أجزاء من اليمن الاتحادي الكبير، وما نقرأه من تصريحات هنا وهناك من مواقف كل دولة استعمارية، أو أطراف فاعلة في العالم من أمريكا وحتى البحرين، ومن الإبرة حتى الصاروخ، حرصهم ووقوفهم مع الوحد اليمنية، ويمن موحّد مستقر، وهذا مجرد كلام فارغ من أي محتوى؛ فما نلمسه ونشاهده التقزيم والتقسيم على قدم وساق لليمن إلى كانتونات، دون بروز أي حامل سياسي وطني قوي يلتف حوله الشعب لمواجهة كل هذه المؤامرات، التي أكل التاريخ منها وشرب، ولقد شبعنا تصريحات استعمارية وإقليمية، وأمم متحدة رهينة، ومجلس أمن "ابن حرام".

كل من ظهروا أو تواروا على المسرح السياسي أو العسكري اليمني اليوم هم عبارة عن بيادق بيد الدول العظمى والقوى الإقليمية، والجيش اليمني الحقيقي تم تقسيمه وتقطيع أوصاله، فقد كان هذا الجيش مستهدفاً بالدرجة الأولى من قبل بداية اللعبة، ولا ندري نهايتها، وما المبادرة الخليجية إلاّ مبادرة بنت حرام من أولاد حرام لحماية أولاد الحرام جميعاً بدون استثناء.

إنَّ ما نراه اليوم هو تسليم رقاب اليمنيين في الشمال للحوثيين غير القابلين وغير القادرين على بناء دولة وإقامة "تولة"، وهذا يتناسب مع هوى السعودية قديماً وحديثاً ومستقبلاً، التي تريد يمنناً سبهللاً مفككاً، ولكنها حالياً تُربِّي ثعباناً ضخماً على حدودها الجنوبية لن تسلم منه -لا شك في هذا- مستقبلا، فالحركة الحوثية ليست حركة لبناء دولة وإنما حركة لحروب مستمرة، فهي تعيش بالحروب وللحروب، فالحروب هي رئتاها -بلا شك- اللتان تستمد منهما الحياة والبقاء مثلها مثل حركات كثيرة قامت على هوامش التاريخ الغابر.

إذن الرؤية أصبحت واضحة لليمنيين جميعاً، فالسعودية والإمارات، بمباركة غربية بلا شروط سوى الحفاظ على مصالحها الكبرى، تشتغلان على الجغرافيا اليمنية، وبحارها، وشواطئها، وعلى إضعاف الإنسان اليمني، الذي تمتد حضارته إلى آلاف السنين، وفصله عن تاريخه، وعلى مستقبل اليمن، وماذا يجب أن تكون اليمن؟!

دول الخليج، تريد يمننا رخواً مقطعاً مفكَّكاً، بلا تعليم حقيقي، بلا صحة، بلا ثروات، بلا عقول، بلا أي شء يمكن أن يكون دولة، ولا يهمهم عدد الدول والكانتونات التي يمكن أن تصل إليها اليمن، المهم أن يكون زعماء هذه الكانتونات في جيوبهم؛ تسرق وتنهب ثروات موطنهم، وبحارهم، وشواطئهم، وهي تغدق عليهم باعتبارهم مرتزقة لا وطنيين، وبعد أن يتم تجريدهم من وطنيتهم حتى النخاع.

هذا المشهد العبثي، الذي بدأ يوم 21 سبتمبر، مخطط له أن يستمر إلى ما لا نهاية. تسع سنوات حرب بدون رواتب لموظفي الدولة، تسع سنوات بدون دولة حقيقية، سواء هنا أو هناك، تسع سنوات بدون كهرباء، تسع سنوات من الحرب والحصار لليمن وللمدن، تسع سنوات من العدوان الداخلي على أبناء الوطن الواحد، تسع سنوات من حصار مدينة رفضت الخنوع والخضوع لأذرع إيران في اليمن، تسع سنوات من سقوط التعليم وتجريف عقل الطفل اليمني، تسع سنوات من مراضاة الحوثيين ونسيان المختطفين والأسرى في غياهب السجون، سنوات طويلة من الانقسام النقدي الذي أكل الأخضر واليابس هنا وهناك، تسع سنوات من الألغام التي تحصد اليمنيين من كل الأعمار بطول الجغرافيا وعرضها، ما الذي يمنع فتح الطرق سوى الأحقاد العمياء، والإصرار على تركيع الإنسان اليمني، فالحصار طال الجميع، ولم يستثنِ أحدا، تسع سنوات من غياب حوار يمني - يمني حقيقي بلا وسيط.

لا يوجد مشهد إيجابي واحد في طول البلاد وعرضها يمكن من خلاله إدراك حقيقة أنَّ هناك مازال الوطنية اليمنية وحب الوطن اليمني مغروسين في صدور اليمنيين.

هل من المعقول أنَّ التاريخ يكرر نفسه في اليمن أكثر من أي دولة، أو بلاد في أنحاء العالم؟!

لقد تطاحن الأوروبيون في القرون الوسطى، التي سموها بعصور الظلام لفترة زمنية، ثم أنصرفوا لبناء دولهم وبلادهم، وها هم اليوم كما نرى، ما عدا اليمن لم ينصرف لبناء ذاته، ولا تُرك لليمنيين الفرصة، أو المجال للبناء والنهوض والعمل، لقد عاش اليمنيون سنوات طويلة، بل آلاف السنوات في حروب تليها حروب، وإذا عدنا لقراءة التاريخ سنجد أن اليمن لم تستقر إلا في سنوات قليلة حين حكمها حاكم قوي، ووحدها شمالا وجنوبا، وشرقا وغرباً، وحدث هذا مرتين في التاريخ، ثم تعود إلى هوايتها وغوايتها بالحروب الطاحنة والانقسامات، وهكذا دواليك؛ لكننا اليوم بفضل دويلات الخليج الطارئة على التاريخ سنظل ندفع أثماناً باهظة لتفرقنا وتمزقنا وأهوائنا....!

المشهد العبثي أن تتفاوض شرعية ضعيفة رخوة عبر حلفاء جاءوا لنصرتها، فخذلوها مع من يحاصر شعبه، ويحشد مليشياته تجاه كل المدن، ويلوّح بقصف موانئ تصدير النفط والغاز اليمني لخنق الحكومة الشرعية وإضعافها، ويتخادم مع مليشيات أخرى في الجنوب شريكة مع الشرعية، ومنغصة عليها تواجدها في العاصمة المؤقتة، وتحويلها إلى ضيوف غير مرغوب فيهم، وفي الوقت نفسه،  يذهب كبار قادة المليشيا للحج والتلبية،  في الوقت الذي قدمت فيه شرعية التحالف أو تحالف الشرعية كل التنازلات، لم يتنازل الحوثيون قيد أنملة عن شروطهم.. حاجة غريبة لا تحدث في أي حرب في العالم حتى لو كانت حربا بين شارعين في تكساس، أو لوس أنجلوس.

مقالات

حكاية البنت العمياء سعيدة (2-2)

في العصر الذّهبي للحَمير، كان الحمَّارة نجوم القُرى ونجوم الغناء، وكانوا عند مرورهم بالقُرى، أو عند اقترابهم من الينابيع والآبار، حيث تتجمع النساء والصبايا، يغنون ليلفتوا انتباههن

مقالات

كلمة عن الصداقة والصديق

" الصديق هو أنت؛ لكنه بالشخص غيرك" أعتقد أن أرسطو نجح في قول عبارة مكثّفة تُلخِّص جوهر هذا المفهوم. الصداقة والصديق. كما أنّه ليس أمرًا هامشيًا أن تُشتّق الصداقة من " الصدق" ذلك أن أول شروط الصداقة، هو أن تكون مع الأخر كما أنت مع نفسك. وإن كان الأمر مستحيلًا، أن تكون معه كما أنت مع نفسك تمامًا؛ فيكفي ألا تخشى شيئًا وأنت مع هذا الأخر الذي ترقى علاقتك به ليكون صديقًا.

مقالات

حكاية البنت العمياء "سعيدِة" (1-2)

كان من سُوء حظ البنت سعيدة أنها وُلدت عمياء؛ كانت العمياء الوحيدة في القرية، لكنها وهي طفلة لم تكن تكترث بعماها، فقد كانت لديها مواهب تعوّضها عن فقدان بصرها، وكانت ذكية وتتمتع بذاكرة قوية، وكانت بقية حواسها حادة وشديدة الحساسية؛ تسمع أصواتا لا يسمعها غيرها من الأطفال، وتشم روائح لا يشمونها، وتحفظ أغانيَ وحكاياتٍ لا يحفظونها، وكان لها صوتٌ حُلوٌ وعذب يُلفِتُ الانتباه إليها.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.