مقالات

حكاية البنت العمياء سعيدة (2-2)

23/06/2024, 20:34:57

في العصر الذّهبي للحَمير، كان الحمَّارة نجوم القُرى ونجوم الغناء، وكانوا عند مرورهم بالقُرى، أو عند اقترابهم من الينابيع والآبار، حيث تتجمع النساء والصبايا، يغنون ليلفتوا انتباههن، ومن بين جميع الحمّارة كان الحمّار عبد الجليل الشوافي -رغم كبر سِنه- يملك صوتاً ذهبياً؛ وكان كلّما مرّ بجوار قرية، أو بئر، أو نبع ماء، يشعر بعطشٍ للغناء. وقيل إنه في شبابه كان يسحر النساء بصوته، وبعذوبة أغانيه، وعندما سمعت سعيدة صوته أاول مرة سألت أمها، وقالت لها: 

-"منو ذا اللي يغنِّي يمّا؟".  

قالت لها أمها جليلة: "إنه عبد الجليل الحمّار". 

قالت  سعيدة - وقد سحرها جمال صوته-:  

- "صوته مليييييح يمّا".

وسألتها عن عمره: 

- "كم عمره يمّا؟". 

قالت لها أمها: 

-"كبير -يا بنتي- قو شيبه".   

- "أين بلاده؟". 

- "بلاده بوادي الشويفة قريب من الراهدة".

- ومو جابه يمّا لا عندنا؟ 

- "الرزق يا بنتي.. يكري حماره على المعَادِنَة".  

قالت سعيدة تحدث نفسها وهي تتنهّد: 

- "ليته يتزوجني".  

بعدئذٍ صارت تعرفه من صوته.. وكانت عند مروره ترهف أذنيها، وتصيخ السمع كيما تحفظ أغانيه، وتلتقط ألحانها، وأحيانا كانت تستوقفهُ، وتسألهُ عن معنى بعض مفردات أغانيه!!

وكان هو قد عرف من أمها جليلة أنها موهوبة في الغناء، تغنِّي في حفلات النساء، وفي الأعراس. 

وفي عصر ذات يوم، وهو في طريق عودته إلى قريته، سمعته ينادي على أمها، ويقول لها:  

-"يا جليلة، معي لك خبر مليح".  

قالت جليلة: 

- "خير -يا عبد الجليل- قل لي مو هو الخبر المليح؟!". 

قال لها الحمَّار عبد الجليل: "تزوجي بنتك سعيدة لابني".

ولأن سمعها حاد سمعت سعيدة ما قاله الحمَّار عبد الجليل لأمها، فخفق قلبها بقوة من الفرح، وراحت ترهف أذنيها لتسمع رد أمها.

قالت له جليلة: "لكن سعيدة عمياء -يا عبد الجليل- وبلادك بعيد". 

وعندها أدركت جليلة من أن أمها لا تريد لها الزواج، فكان أن فار دمها من الغضب، وخرجت تجري، وتقول لها بنبرة تهديد: 

-"والله يمّا لو ما تزوجيني ابن عبد الجليل لاقتل نفسي".

قالت لها أمها:  

-" يا بنتي، قريتهم بعيييييد، واني خايف عليكِ". 

قالت لها سعيدة بنبرة محتدّة:  

-"بعيد والا قريب مش اني جاهل".

ولخوفها من أن تقتل نفسها  وافقت، وقالت للحمّار عبد الجليل: 

- "ما دام سعيدة راضي بنصيبها هات مهرها". 

لكن الحمّار عبد الجليل بعد أن رأى مدى تلهف سعيدة للزواج قال لها: 

- "لمو عاد المهر يا جليلة؟!! بنتك عمياء، وابني -الحمد لله- يبصر النملة السوداء في الليلة الظلماء". 

ولخوف سعيدة من أن يتراجع ويرجع إلى بلاده من دونها، التفتت ناحية أمها، وقالت لها: 

- "لمو تطلبي مهر يمّا؟ ولمو الطمع؟".  

قالت لها أمها: 

- "المهر هو لك يا سعيدة.. مش هو لي".  

قالت لها سعيدة إنها لا تريد مهرا، وإنما تريد زوجا يسعدها.  

وبعد أن رفضت سعيدة المهر، طلبت أمها من عبد الجليل أن يذهب ويحضر القاضي ليعقد بها.  

لكن عبد الجليل قال لها من فوق حماره: 

-"يا جليلة، لورحت للقاضي با نتأخر.. وهذي الأيام أمطار قدك داري.. ولو وقع مطر ونزل سيل ونحنا بالوادي با يشلّنا السيل، ويشل الحمار، ويشل سعيدة".

وقالت سعيدة، التي كانت واقفة عند مدخل البيت: 

"- يما لمو القاضي؟ ومو هي الفائدة منه؟!!".

قالت لها أمها: "يا بنتي حرام  تتزوجي من غير عقد شرعي، أين نروح من غضب ربي؟!!".

ولحظتها لم تستطع سعيدة أن تتمالك نفسها، وتسيطر على أعصابها فانفجرت في وجه أمها، واتهمتها بأنها تتعمّد وضع عراقيل أمام الحمّار عبد الجليل لتجعله يطفش، ويغيّر رأيه، ويعيد النظر في الزواج، ويعود من دونها.  

ولشدة ما كانت سعيدة مستثارة خافت أمها، وأذعنت لرغبتها، وطلبت من الحمّار عبد الجليل أن ينتظر قليلا ريثما تجهز سعيدة، لكن سعيدة كانت قد جهزت نفسها، ووضعت اسمالها ومشط شعرها داخل كيس نومها.

ولشدة ما كانت فرحة، خرجت تجري من دون حتى أن تودع أمها. 

قالت أمها مخاطبة الحمَّار عبد الجليل، وهي تغالب رغبتها في البكاء: 

- "أمانتك سعيدة يا عبد الجليل".

لكنها بعد أن غاب الحمار، وغاب الحمّار عبد الجليل، وغابت سعيدة عن ناظريها، شعرت بسحب داكنة من الحزن تتجَمعُ في صدرها، وما لبثت أن انفجرت تبكي بصوت يطفح ألماً وحزناً على ابنتها، وكان أكثر ما أحزنها وأوجعها هو أنها تزوجت بدون مهر، وبدون عقد، وبدون فرح، وبدون حتى أن تودعها. 

كان الحمَّار عبد الجيل الشوافي قد أردف سعيدة خلفه، وراح يهمز حماره، ويهبط النقيل، وكان سعيدا أكثر من سعيدة؛ كونه عاد بزوجة لابنه من دون أن يدفع مهرا.

وبعد وصولهما "وادي الشَوَّيْفَة"، شعرت سعيدة -من  حرارة الجو- كما لو أنها انتقلت من عالم إلى عالم آخر؛ كان الجو في الوادي دافئاً مقارنةً بالجو شديد البرودة في الجبال، وخامرها إحساس بأنها مقبلة على فراشٍ دافئ، وليال دافئة، وكان أن أيقظت حرارة الوادي شهوتها، وشهيَّتها،  وراحت تسترجع ما قالته لها صديقتها شُموع حول جمال ليلة الدُّخلة، وكيف أنها أجمل من ليلة القدر.

ولشدة ما كانت فرحة ومغتبطة، تملّكتها رغبة في أن تغني وتصدح بالغناء، لكن صمت الحمّار عبد الجليل أزعجها وأقلقها.. وتمنَّت لحظتها لو أنه يغنِّي، أو يتكلم معها؛ لتسأله عن اسم زوجها، وعن عمره، وعمله، وعن أشياء كثيرة تتعلق به وبأسرته.

لكن الحمّار عبد الجليل لزم الصمت، وظل صامتا طوال الرحلة، ولم يتكلم إلا لحظة وصولهما، عندما سمعته يقول لها: 

- "وصلنا يا سعيدة". 

عند وصولهما، خرج أطفالٌ بوجوه مغبَرَّة، وشعور مشعثة، وخرجت نساءٌ ضامرات بملابس رثة، ورحن يسألن عبد الجليل عمن تكون الفتاة التي جلبها معه، فقال لهن: 

- "هذي سعيدة عروسة بدر". 

ولحظتها ارتفعت زغرداتهن، لكنهن عندما أبصرن العروس عمياء خفتت أصواتهن، وما لبثت أن تلاشت؛ ورحن وقد توقفن عن الزغردة ينظرن شزرا إلى سعيدة، ويعلِّقن قائلات: 

- "البنت عمياء عُمَيَّاني مثل الحُلَيْبَاني". 

وسرعان ما التقط الأطفال كلماتهن، وراحوا يهبطون المنحدر المؤدي إلى الوادي ليلعبوا لعبتهم مع العريس. وكان العريس في العشرين من عمره؛ مديد القامة، له جسد ضخم، لكنه كان أكثر من أبله. 

وكانت لعبة أطفال القرية اليومية هي السخرية منه، والتحرش به، واستفزازه، وإثارة غضبه.

وكانوا إذا أغضبوه وأخرجوه من طبيعته المسالمة إلى طبيعته العدوانية، ورأوه يركض خلفهم ليبطش بهم شعروا بأنهم نجحوا في استفزازه، ويومها، وبعد وصول عروسه العمياء، جروا مسرعين إلى الوادي ليعبثوا به، ويسخروا منه، ويلعبوا معه لعبتهم المفضلة. 

كان بدر يذهب، وقت المغرب، إلى الوادي، ويمضي إلى صخرة ملساء تقع قبالة البئر، وعند وصوله يخرج عضوه أمام أبصار الفتيات اللاتي جئن لجلب الماء من البئر، ويبدأ بحكه عرض الصخرة، ويواصل الحك.

وكانت الفتيات يصرخنَ فيه ويشتمنه، ويرشقنه بالحجارة، ويشتكين به إلى أمهاتهن، وأمهاتهن يشتكين إلى أمه، وأمه تشتكي به إلى أبيه، وأبوه يضربه، ويمنعه من الذهاب إلى صخرة البئر؛ لكن بدرا كان يرد على أبيه وعلى الآخرين بأن الصخرة زوجته، وستحبل منه. 

ولكثرة الشكاوى، ضج أهل القرية، وراحوا يطلبون من أهله أن يزوجوه، وكانت أمه كلما ذهبت لتخطب له فتاة بلهاء ترفض أم الفتاة بحجة أن ابنها أكثر بلاهة من ابنتها، وبعضهن كن يرفضن لخوفهن من الصخرة التي ينكحها، وكان قد شاع لدى نساء قرى الوادي بأن صخرة البئر التي ينكحها بدر ليست سوى جنية تتمثل له وقت المغرب بهيئة صخرة، وكانت صبايا القرية كلما ذهبن لجلب الماء من البئر، ومررن جنبها يرجمنها بالحجارة كما تُرجم الزانية. 

كان أطفال وصبيان القرية يطلقون على صخرة الوادي  "زوجة بدر"، وكانوا يعرفون بأن بدرا، وقت المغرب، يكون هناك عند الصخرة التي تقول أمهاتهم بأنها جنية، لكنهم وقد حان وقت عودته جلسوا ينتظرونه في مدخل القرية، وحالما أبصروه يقترب، قالوا له يبشرونه: 

- "أبوك جاب لك عروسة، يا بدر".  

ولشدة فرحه، ابتسم بدر ابتسامة عريضة، وراح يمد خطواته، ويوسِّعها ليصل البيت.  

لكن أطفال القرية الملاعين ل ايحبون أن يروه فرحا، ولا أن يعود إلى البيت قبل أن يعبثوا معه، وحين رأوه فرحا، قالوا له:  -"العروسة عمياء.. وعيالك با يكونوا عميان؛ كيف رضيت يزوجوك بنت عمياء؟!!".  

وعندما رأوا أنه قد تأثر وانطفأت ابتسامته راحوا يوخزونه بتلك الكلمات الحادة التي سمعوها من أمهاتهم  ويزفونه بها: 

- "عمياء عُمَيَّاني مثل الحليباني".  

- "عمياء عمياني مثل الحليباني".  

عندها جن جنون بدر، واندفع يجري عائدا إلى البيت وهو بكامل غضبه، وهم خلفه يجرون ويضحكون ويزفونه بالكلمات التي سمعوها من أمهاتهم: 

-"عمياء عُمَيَّاني مثل الحُلَيْبَاني".  

وبعد أن زفوه إلى باب بيته، وملأوا صدره حنقا وغيضا وغضبا، تركوه وعادوا إلى بيوتهم، وهم  في غاية السعادة. 

 عندما دخل بدر البيت أبصر أمه غاضبة هي الأخرى، وصامتة على غير عادتها. وكانت أم بدر قد زعلت من زوجها، ولم تكن تتوقع من أنه  سوف يجلب لابنها عروسا عمياء، ويحرجها أمام نساء القرية اللاتي رحن يتهكمن أمامها على العروس، ويقلن عنها: 

- "عمياء عمياني مثل الحليباني".  

ولشدة زعلها من زوجها عبد الجليل، لم تقل شيئا لابنها الذي دخل وهو يكاد ينفجر من الغيض، وكانت تعرف بأن الأطفال قد أخبروه وأثاروه وأغضبوه وسخروا منه، وبدلا من أن تكلمه عن العروس، وتحبِّبها له، وتمسح من صدره سحابة الغضب، ظلت صامتة كأنَّ الأمر لا يعنيها، أو كأنها تركت أمر عروسه له ليقرر بنفسه مصيرها.  

ليلتها دخل بدر على عروسه وهو مليان غضب؛ غضب من أبيه الذي زوّجه بفتاة عمياء، وغضب من أطفال القرية الذين راحوا يسخرون منه، ومن زوجته.

وكان لا بُد له من أن يفرغ كل ذلك الغضب بأسرع ما يمكن.. ثم وقد اقترب منها، وتأكد أنها عمياء، راح يضربها، ويوسعها ضربا، ويصرخ فيها قائلا، وهو يواصل ضربها: 

- "عمياء عمياني مثل الحُلَيْبَاني". 

وعندما تناهى إلى أسماعهما صوت سعيدة وهي تبكي وتصرخ، انزعج عبد الجليل وهمّ بمغادرة غرفة نومه، والذهاب إلى غرفة نوم العريس لينقذ سعيدة من ابنه الأبله؛ لكن أم بدر لم تسمح له، واقنعته بادأن سعيدة تصرخ من الفرح، وليس من الضرب. 

قال لها، وهو مستغرب: "لو هي فرح لمو تبكي، وتصيح بكل صوتها؟". 

قالت له أم بدر: "إن الفتيات العمياوات مثلهن مثل القطط لهن سبع شهوات، وأنها تبكي وتصرخ من اللذة".  

لكن سعيدة، التي كانت تتوقع أن يهبّ عبد الجليل لنجدتها بمجرد أن يسمعها تبكي وتصرخ، شعرت بالخذلان، وبدت لها صرخاتها غير ذات جدوى، ولن تفيدها، وكان أن راحت تقاوم الوحش بيديها وبأسنانها بيد أن مقاومتها له زادته حنقاً وغيضاً وتوحُّشاً، فكان أن أمسك بها من شعرها ولفه حول عنقها، وراح يشدُّ ويضغطُ بقوةٍ، وبكلتا يديه على خناقها، وبشعرها السلس الناعم كالحرير تمكن من خنقها، وسرعان ما تحوّلت ليلة الدخلة بسرعة البرق إلى ليلة الخرجة.

وخرجت روح سعيدة، وبعد خروجها، خرج بدر على رؤوس أصابعه، وهبط الدرج، وفتح الباب، ونزل الوادي، واختفى.

ومن حينها لم يسمعوا له خبرا، ولم يجدوا له أثرا، وأنكرت أم بدر أن يكون ابنها هو الذي قتل سعيدة.

وقالت لنساء القرية إن زوجته الجنيَّة هي التي قتلتها، وخطفت ابنها. 

بعد مرور أيام وأسابيع على اختفاء أبله القرية، قال الأطفال إنهم شاهدوه أكثر من مرة وهو يعبر الوادي بعد غروب الشمس. 

وقالت الفتيات إنهن يبصرنه وقت المغرب عند البئر ملتصقا بصخرته.

وقال سكان القُرى الواقعة على ضفاف الوادي إنهم في الليل يسمعون بدر الأبله وهو يبكي وينادي أمه بكل صوته: "يمّاااااااااااه". 

وقالت "النزيلة" لأم بدر إن ابنها لم ينزل بعد إلى العالم السفلي، ولا وجود له بين الموتى.

وحين سألتها: "أين يكون؟". 

قالت لها: "ابنك بالوادي، لا هو حي، ولا هو ميت". 

وبعد عودته من الراهدة، قال سيف أنعم -شيخ الحمّارة- لأمها جليلة، وهو يسلمها كيس نوم سعيدة، وفيه اسمالها ومشط شعرها: 

- "عظم الله لك الأجر يا جليلة"  

ولحظتها انهارت جليلة، واجهشت تبكي بنتها بحرقة شديدة، وبعد أن أفرغت كيس دموعها، نظرت ناحية السماء، وقالت بصوت موجع: 

- "لِمَوْ -يا ربي- خلقت سعيدة عمياء؟".

مقالات

دكان الطُّلِّيس (3)

بعد خروج الطُّلِّيس من الحبس، انفجرت "الحرب العالمية الثانية"، وتم إغلاق البحر، وتوقفت الصادرات، ولم تعد الأموال والسلع والبضائع تتدفق وتنتقل بالسهولة نفسها التي كانت تنتقل بها من قبل.

مقالات

تحرير الحياة من الخوف

لعلّ أعظم هدف يمكن للمعرفة أن تحققه للناس هو تحريرهم من الخوف، هذا الشبح الفتاك هو ما يعطِّل كثيرا من قوى المرء الداخلية، ويجعله محدود الحركة، وضعيف الأثر.

مقالات

مسمار آخر في نعش الانتقالي

كنت مأخوذا بسلوك "فهمي" العالي، وأخلاقه النبيلة، البارحة اختطفته قوات تابعة للمجلس الانتقالي في عدن، فاستعدت شريطا من الذكريات.

مقالات

دكان الطُّلِّيس (2)

مثلما كان الناس في السابق يتحدثون بانبهار عن دكان الطُّلِّيس صاروا يتحدثون بالانبهار نفسه، ولكن هذه المرة عن موزة زوجة الطُّلِّيس، وكانوا يقولون:

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.