مقالات

اليمن تفتقد مثل زياد بن أبيه!

14/04/2025, 17:32:54

كان للحارث الثقفي جارية تسمى سمية،  وعبد رومي يسمى عُبيداً، فزوَّج عبيداً بسمية، فأنجبت له غلاماً فسمَّاه زياداً، وظهرت عليه مخائل النجابة وهو صغير،  فتعلم في كُتاب في الطائف فأعجب به المعلم، وجعله موضع ثقته، فقال وسنه في الثالثة عشرة: "حين أعلم أصغر مني فإني أتعلم لأني بذلك أذكر ما نسيت وأتدبر ما حفظت".

ولما بلغ مبلغ الرجال، ولاَّه عمر بن الخطاب كاتب المال لأبي موسى الأشعري في البصرة، فأبدى من فهم الأمور ماهزَّ أبا موسى العالم الضعيف والخبير المتردد، فكان زياد يريه أوجه الأمور، ويدعوه إلى التنفيذ، قائلاً: "إذا علمت فساد الأمر وأبقيته كما هو فكأنك لم تعلم شيئاً عنه، إنك ذو دراية وذو علم وذو رأي، فإذا عز عليك التنفيذ فدعني على ما تخشاه".

فقال: "يا أبا حجر، والله لو كنت خليفة لوضعتك مكاني فأنت أولى بإمارة البصرة بل والمصرين".

وكان الأشعري يتنبأ بمستقبله إذْ ولاَّه معاوية بعد سنوات ولاية المصرين، (البصرة، والكوفة) وقلَّ من تولى عليهما معاً لما بينهما من التشابه في دعوى الأفضلية، ولما بينهما من اختلاف في التشيع، إذْ كانت الكوفة أعند تطرفاً، وأولع بالشغب، وكان يغلب على أهل البصرة الوقار مع حب الجدل العقلي إلى حد الخصومة، وأمل زياد أن يسيطر عليهما.

ولكثرة ما شغب الناس، واختل الأمن نتيجة اختلاف معاوية وعلي قبل مقتل علي، أعلن زياد الأحكام العرفية، وكان أول من أعلن حالة الطوارئ في التاريخ بمفهومه المعاصر.

كما قال زياد في إحدى خطبه: "ومن رآه عسس الليل يهب أو يدب، أو يتسلَّق أو يتسلَّل، فإنَّ دمَه مباح، إذ لا يتسلق في الليل إلا سارق أو فاسق، وقد أمرنا أن يقر الناس في بيوتهم طلباً للسلامة قبل الندامة، ولكف الجناية عن الضعيف والعاجز، فإياكم والانسراب تحت جنح الليل فإنه مهلكة حتى يستقر الحال ويرى الناس أنهم أخوة في الله، وأنصار على أعداء الله".

وكان لما استبان عمر رجاحة عقله واستنباطه الأمور بعضها من بعض، قال: "أخاف عليه وعلى من يليه من تيهه بعقله، وأبو موسى على ما هو من التردد وحب الجسارة في الجسور"، فقد يوليه الأمور فيشتد حين اللين أنفع، فعزله مجرياً له مرتب مدير مالية كافياً إياه ما طرأ من الأمور، معترفاً له بتفوقه بالقيادة وخبرته في السياسة.

ولما بايع الصحابة عليًّا بالإمامة كان أول من ساس الأمور، وأحسن خوض الحرب ، وإدارة البلد التي يتولى أمرها، وظل ينافح عن علي بلسانه وسنانه، وظل معاوية يواصل إليه الرسائل والهدايا طامعاً في استمالته، ولما أبى أشاع أبو سفيان في الناس أن سمية كانت بغياً، وأن زياداً من السِّفاح، وأدَّعى اشتماله عليها في الجاهلية، فعلقت بزياد، وكتم هذا الأمر خوفاً من عمر، وبعد وفاته أعلن للناس بأن زياداً من علية قريش لكي يشم تقبلهم هذا، فلم ينكر دعواه أحد؛ لأن مزايا زياد كانت مشهودة، مؤكدة بصفاتها، فلم يستكثروا عليه الانتساب إلى قريش، وها هم كبارهم يتوددون إليه فيدّعون بنوَّته، غير أن زياداً أبى كل إرجاف، ورفض كل إغراء، ولما أجاب (علي) يقين الله، وأصبح معاوية رجل الساعة، أجابه فتولى البصرة والكوفة، وسكَّن الفتن، وأقرَّ الأمن، فأطمأن الخائف، وخاف المخيف.

وفي يوم توليته، أعلن نهجه السياسي قائلاً: "إننا في هذه الأيام لا يأمن المرء يده، ولا يأمن فمه، ولا يظن حامل الدينار وصوله به إلى أهله فلا بُد من أخذ البريء بالمجرم، والشاهد بالغائب، حتى يقول قائلكم اُهرب سعداً فقد هلك سعيد، من نقر جداراً نقرنا صدره عن قلبه، ومن نقب عن خبية نقبت في ضلوعه الحراب، فكفوا أيديكم عن بعضكم أكف عنكم بطشي، فها أنتم تظهرون بأنكم ما قرأتم كتاباً ولا أميتم مسجداً؛ لأنكم لا تتواصون بالحق، كما تتعاونون على الباطل، ولا حِلم لنا على مثلكم حتى تكونوا مثلاً يُقتدى ونجماً يُهتدى، فأنتم من عصر محمد أو من أتباع أهل عصره فكونوا له تبعاً ترضوا الله ويرضى عنكم، والله لن أندم على عقوبة، ولن تردني ملامة حتى ترجعوا عن الغي".

وظل يؤدي مهمته العنيفة بعنف حتى لُقِّب ب"السيد"، فكان يقال هذا أول "سيد" إذا خطب هز المنبر.

قال أشعب: "والله ما أطال خطيب إلا خفتُ أن يقع في الزلل إلا زياد، فإنه يُطيل ولا يُملْ، ويُكثر ولا يُهجر سران من سماه (سيداً) على علم بسيد الغضاء؛ لأن السياد من فصيلة الذئاب التي تأكل خشاش الغابة ومراعيها، وتريق دماء.

إذا كان زياد ابن عبيد، أو ابن أبي سفيان، أو ابن سمية، فإنه آية النبوغ، ومن أدعى القادة وأطوع الناس للحق، وأغير على الناس من نفوسهم، فلم يكتسب كمجايليه ثروة أمثال المغيرة بن شعبة وسعيد بن عثمان اللذين فاقت ثروتهما ثروة زياد في عامين، بينما لم يترك زياد لبنيه غير ضيعة نخيل وفرساً وسيفاً ودرعاً، ولاتِّصافه بالدهاء وحسن القيادة عاب عليه المؤرخون زهده في المال أيام وفرة الغنائم ورضاه بالقليل من الحلال، مع أنه في زمن الانتهازية يحقق الثراء أكثرهم عجزاً وأدناهم حيلة، لكنه على طموحه كان يطمح لما هو أعلى من المال وهو القيادة والفتح؛ لأنه جدير لا طامع بلا شرعية طمع، وقد لحق بالإمام علي بعد موته بثلاث سنوات، فقال معاوية: "لقد فقدت نصف قادتي وجندي".

مقالات

إسرائيل لم تعد فوق السؤال في واشنطن

لطالما احتلت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل مكانة استثنائية في السياسة الخارجية الأمريكية. فعلى مدى عقود كانت الخلافات السياسية بين الإدارات الأمريكية والحكومات الإسرائيلية تأتي وتذهب، بينما ظل دعم إسرائيل واحدا، من القلائل، من ثوابت السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط التي حظيت بإجماع الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

مقالات

من يملك بندقية الدولة؟

ثمة قواعد في السياسة تحتمل الاستثناء، وقاعدة في بناء الجيوش تكاد لا تحتمله: القوة العسكرية التي ينشئها الخارج من خارج خزينة الدولة وسلسلة قيادتها لا يبقى قرارها وطنيًا عند أول تعارض جدي بين مصلحة الممول ومصلحة البلد الذي تحمل علمه.

مقالات

أي جيش يُبنى في اليمن ؟!

لقد أثار المقطع المتداول والمنشور عبر المنصة الرسمية لقوات "درع الوطن"، والذي يهاجم فيه أحد مشائخ التوجيه المعنوي الناشطة اليمنية الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان أمام أفراد القوة العسكرية ، سؤالًا يتجاوز الشخص إلى الدولة نفسها: أي عقيدة عسكرية تُبنى اليوم؟ في لحظة يفترض أن تنصرف فيها جهود الجيش إلى استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي، يجري توجيه البوصلة نحو خصومات سياسية وفكرية لا علاقة لها بوظيفة المؤسسة العسكرية.

مقالات

لماذا تتعثر الدولة في اليمن دائما؟

كلما اشتدت الأزمات في اليمن، وكلما بدا أن الدولة تقترب من الانهيار، يظهر في الأفق من يَعِد الناس بالخلاص. مرةً يكون شيخ قبيلة، ومرة قائدًا عسكريًا، ومرة حزبًا سياسيًا، ومرة جماعة دينية، ومرة قوةً إقليمية.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.