مقالات

الشعب المقدس.. ماذا جرى له؟

18/07/2022, 08:34:43
بقلم : محمد صلاح

إن طبيعة الحياة فوق هذه الأرض الطيبة، قد طبعت شخصية إنسانها بتعلقه الشديد بالمساواة، واعتزازه الكبير بذاته، والتعامل بندية مع غيره.

نستطيع من خلال التصور الذي صاغ اليمنيون القدامى علاقتهم بالإله، أن نستشف الكثير من خصائص الحضارة اليمنية، وطبيعة المجتمع اليمني، بحيث تكشف لنا المضامين الدينية، رؤية اليمنيين لأنفسهم، ومدى تعلقهم الشديد بالمساواة، ونفورهم الحاد من التمييز، والتفضيل لجماعة أو فئة داخل المجتمع. فقد كانوا يرون أنفسهم ابناء للآلهة، فالسبئيون كما قال الدكتور جواد علي: "هم ولد ( المقه). أي: أولاد المقه، إله سبأ، والمعينيون هم ( ولد ود )، أيضاً فإن شعب (قتبان) يسمى أولاد (عم) الإله القومي لهم.

فلم تمنح التشريعات اليمنية القديمة سلالة بعينها حقوقا وامتيازات على بقية أبناء الشعب، فاليمنيون جميعا كانوا في عهد الدول الحضارية التي شهدتها البلاد يحملون القداسة ذاتها التي يحملها الملك، وكانت قدسية الشعب من قدسية الآلهة. كما أن "كل أفراد الشعب يعتبرون أيضاً أبناء للإله".

تؤكد الشواهد النقشية العديدة المكتشفة في اليمن على قداسة الفرد في المجتمع، وقداسة حقوقه، فلم يكن هناك تمييز بين الحكام والمحكومين، ولا لطبقة على أخرى، ولم يتفرد الملك في اليمن القديم كما في بعض الحضارات التي عرفها التاريخ بأنه المخصوص بالقداسة لأنه الوحيد بين سائر الناس ابن الإله، فلم يرد في أي نقش من النقوش اليمنية القديمة، اعتبار الملك بمفرده ابن الله كما هو عند الفراعنة، أو اليونان، أو غيرهم من ملوك العالم القديم، بحيث يمنحه قداسة وتمييزا يفوق بقية اليمنيين.

ولقد  كان بين "الشعب" وإلهه رابطة مقدسة وصلة متينة لا انفصام لها كما يقول الدكتور جواد علي. ومثل هذا الارتباط و"الاتحاد المقدَّس يضمن - دون شك - الاستقرار السياسي والديني، ويضمن الانصياع التام لنظم وقوانين الدول، باعتبارها نظم إلهية، في الوقت ذاته، يصون الحقوق الدينية، والمدنية للفرد والجماعة" [أسمهان الجرو المبدأ الأخلاقي لحقوق الإنسان في الديانة اليمنية القديمة ص34، مجلة سبأ، عدد 9، 2000]

أحد المعاني التي يقدمها الدكتور جواد علي في موسوعته التاريخية الباذخة المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، لفهم لفظة الشعب التي ترد كثيراً في النقوش، والكتابات اليمنية القديمة هو "أن نفهمها بمفهوم "الملة" أو "الأمة" في المصطلح الإسلامي، وعلى النحو الذي فهمه المسلمون الأول من مصطلح "أمة" و"ملة"، أي: رابطة تجمع بين شمل جماعات شعرت بوجود روابط دينية وفكرية واقتصادية واجتماعية بينها، وبوجود إخوة في العقيدة والرأي. على نحو ما نفهمه من آية الحجرات: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}" [د. جواد علي المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ص184 - 185ج 5]. وقد جاء الإسلام وأكد على رباط الإخوة بين المؤمنين، والمساواة، وهو ما دفع باليمنيين، وغيرهم لاعتناق الدين الإسلامي.

 لكن ما الذي جرى بعد ذلك؟ وكيف تم ضرب أحد أهم المفاهيم الدينية المؤسسة للمساواة بين اتباع الديانة الإسلامية؟ وكيف تم تأويل النصوص الدينية، وحرفها عن مضمونها، لخدمة فئة من الناس، وتمييزهم دونا عن الآخرين، الأمر الذي ساهم في تعزيز عدم الاستقرار الى جوانب أخرى، في اليمن.

 قامت الحضارة اليمنية، على أسس المشاركة في السلطة، والتمثيل في اتخاذ القرارات، والمساواة بين السكان، وحين جاء الإسلام، أكد على الكثير من المضامين السياسية، والاجتماعية، للحضارة اليمنية، لكن جرت الاختلالات بعد ذلك مع بداية الصراع على السلطة في الحضارة الإسلامية، وعلى إثره تم تأويل النصوص الدينية وفق ما يخدم أطماع بعض الأسر والجماعات، التي لها قرابة قبلية أو أسرية مع الرسول صلى الله عليه وسلم.

بعد أكثر من قرنين من دخول الإسلام اليمن، فَقَد اليمنيون قداستهم التي تشير إليها جميع الشواهد النقشية، وعززها القران الكريم، وذلك بسبب التفسير، والتأويل الصحراوي لنصوص الدين من قبل الأعراب الذي اعتنقوه، وفسروه وفقاً لعقليتهم ورؤيتهم البدوية، التي تقوم على علاقات الدم والقربى، بحيث منح دعاة النسب الهاشمي لأنفسهم حقوقا، وامتيازات لا أساس لها، وذلك بعد أن فقدوا حظوظهم في الحصول على السلطة، وكان من نتائجها ضرب أسس المساواة التي جاء الإسلام لتأكيدها. الأمر الذي ساهم بصورة كبيرة - إضافة إلى بعض العوامل الأخرى – في إرباك المنظومة الاجتماعية داخل اليمن، وعزز عدم الاستقرار الذي نتج عن الغاء المساواة، ومصادرة حقوق الإنسان التي كانت مقدسة في التشريعات اليمنية القديمة، وسار عليها المجتمع، وتحت ظلال قيمها الرشيدة شيَّد حضارته الرائدة.    

إذا كانت بعض الحضارات القديمة قد منحت امتيازات لفئات معينة دون بقية فئات المجتمع، فإن تشريعات اليمن القديمة لم تعرف مثل هذا الأمر، فقد "اختلفت عن غيرها من الشرائع القديمة بعدم اعترافها بالتمايز الطبقي، وعدم إثباتها الحق أو منح الامتيازات لفئات معينة من الناس على حساب فئات أخرى، بل ساندت أصحاب الحقوق حتى وإن كانوا من طبقة الأتباع أو الأرقاء، وأعطت هؤلاء الحق في رفع دعاوى ضد أسيادهم، بينما نجد شرائع وادي الرافدين اعترفت بالتمايز الطبقي وإن أعطت بعض الحقوق للعبيد، أما القوانين الرومانية فلم تمنح الأرقاء أية حقوق قانونية" [د. نورة النعيم التشريعات في جنوب غرب الجزيرة العربية حتى نهاية دولة حمير ص402]

ومن هنا نستطيع أن نفهم أهمية دور التشريعات والقوانين التي تؤكد على المساوة، وترفض منح الامتيازات لفئة من المجتمع دونا عن بقيته، في تحقيق استقرار وازدهار الأمم، كما شهدته اليمن قديما، ودفع بالحضارات الأخرى لنعتها بالسعيدة، والمباركة، والمقدسة، وكيف تحولت الأوضاع بعد نزع قداسة الشعب، ووضعها في فئة محدودة!

مقالات

هل تنتصر حرب الإبادة في غزة؟

ما يجرى في غزة من تقتيل وتدمير وإبادة كل شيء، والقضاء على معالم الحياة وكل مظاهر التمدّن والتحضر، وتقتيل وإصابة ما يزيد عن مئة ألف، والإصرار على الاستمرار في الإبادة حتى النهاية، هو النهج الإسرائيلي. فهل يُعتبر ذلك انتصارًا أو تحقيقًا للأهداف المعلنة أو الخبيئة؟

مقالات

"ما احلى هواك"

لكل شخص مفتاح، أكان فناناً، أديباً، أو إنساناً عادياً. ومفتاح أيوب طارش هو البساطة. مفتاحه هو البراءة الصادقة. أصالة إنسان لا تأسره الأضواء، ولا تُفقِدَهُ الشهرة براءته وإحساسهُ التلقائي بذاتَهُ.

مقالات

في السلم والحرب

وفي الحروب تزدهر أمور وأحوال كثيرة، تكون بمثابة حقول تجارب ومرايا اكتشاف لعلماء النفس والتربية والاجتماع.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.