مقالات

أزمة الصرف أم أزمة السلطة؟

04/08/2025, 16:44:38

ليست أزمة العملة في اليمن مجرد نتيجة لتدهور اقتصادي محض، إنّها انعكاس لأزمة مجلس القيادة وتفكك النظام المالي والإداري، وتحوّل السياسة إلى سلسلة من المناورات التي تعالج الانهيار كأنه مسألة علاقات عامة، لا معركة سيادية على موارد الدولة. وقبل ذلك كله، نتيجة لغياب أولوية إزالة التهديد الحوثي.

الحديث عن انهيار الريال لا يمكن فصله عن أزمة مجلس القيادة وبنية السلطة الموازية التي أقامها المجلس الانتقالي، الذي وجد في تعطيل الدولة فرصة لتوسيع سلطته، وليس ورطة يجب معالجتها. لقد بنى المجلس لنفسه شبكة مالية معقدة تتداخل فيها مصالح نخبة من موردي الوقود وكبار شركات الصرافة التي تحظى بحماية سياسية وتنظيمية من قِبله، واستفادت لسنوات من الامتيازات في غياب رقابة البنك المركزي.

لا يمكن تصوّر استقرارٍ للعملة، أو أي أداة اقتصادية فاعلة، في ظل تمركز هذا الحجم من السلطة المالية خارج الأطر المؤسسية.

لكن التحوّل الجدير بالملاحظة هو أن هذه الشبكة نفسها بدأت تتآكل من الداخل. فالمجلس الانتقالي، الذي لطالما قاوم توحيد الإيرادات وتوريدها إلى البنك المركزي، بات اليوم يدرك أن مواصلة هذا السلوك قد تقوده إلى فقدان السيطرة في عدن.

الاضطراب المتزايد في الأسواق، وارتفاع منسوب الغضب في الشارع، وانكشاف هشاشة بنيته الإدارية، كلها عوامل أجبرت الانتقالي على إعادة التفكير في خطابه الاقتصادي.

لكن المراجعة لم تكن نحو نموذج عقلاني للإصلاح، وإنما إلى نسخة معدّلة من نموذج الحوثيين في إدارة العملة بالطريقة البدائية ونهج العصابات: تدخلات أمنية، قرارات مرتجلة ودعائية، حملات إعلامية ضد شركات تجارية، ومراهنات على إجبار السوق على الرضوخ بالقوّة. فكما فعل الحوثي في صنعاء، يتعامل المجلس الآن مع الاقتصاد كساحة دعائية، ويخوض المعركة الاقتصادية بذهنية من يدير غرفة إعلامية، لا من يحمي مؤسسة نقدية وطنية ويعالج أزمة اقتصادية تستلزم سياسة فعّالة وآليات معالجة اقتصادية ونهجًا عامًا يتعامل مع استمرار السيطرة الحوثية كتهديد حاسم يتطلب مواجهة سياسية وعسكرية حاسمة.

توجيه الاتهامات نحو بيت "هائل سعيد أنعم"، وتحميله مسؤولية تدهور العملة، ليس سوى امتداد لهذا المسار. فالمجلس لا يبحث عن حلول اقتصادية، وإنما عن كبش فداء يمكن تعليقه في واجهات الرأي العام، لتظل اليد التي تمسك بالمنافذ والإيرادات وتسيطر على الإدارة العامة للمؤسسات الحكومية بعيدة عن المساءلة.

ما يغيب عن هذا الخطاب هو أن القيمة الحقيقية للعملة لا تُستعاد بالضبط القسري لأسعار الصرف، وإنما بالسيطرة على الموارد العامة ومنافذ الإيراد السيادية. هذه المسألة لا تزال غائبة عن سلوك الحكومة، التي تبدو عاجزة عن حماية مصادر دخلها، ولا تسيطر على أدواتها المالية، وليس لديها موازنة عامة، أو على الأقل تصور مالي موحّد.

الحكومة الشرعية نفسها تفتقر إلى الحد الأدنى من أدوات السيطرة السيادية على الموارد، وتبدو وكأنها تمارس سلطة بالوكالة في اقتصاد لم تعد تملكه فعليًا. لا توحيد للإيرادات، ولا ضبط للمنافذ، ولا رؤية متماسكة لمعالجة الأزمة من جذورها.

المثير للاهتمام هو الحماسة المفاجئة التي أبدتها أطراف في المجلس الانتقالي لاتخاذ إجراءات عقابية ضد بعض الفروع التجارية في الضالع وشبوة وحضرموت، وكأنّ الاقتصاد يُستعاد ببيانات ميدانية وقرارات إعلامية وخطاب دعائي. هذا النوع من الإدارة الانفعالية لا يُنتج استقرارًا نقديًا، بقدر ما يُضيف مزيدًا من التوتر وعدم الاستقرار للعملة الوطنية، ويكشف بوضوح أن الهدف ليس الاقتصاد، بل الحفاظ على السيطرة الأمنية والعسكرية والخوف من فقدانها.

أما الجذر العميق للمشكلة، فهو غياب خيار الحسم العسكري في مواجهة عصابة الحوثيين، التي أجبرت الحكومة على وقف تصدير النفط والغاز، وهما المصدران الوحيدان القادران على تغذية العملة الوطنية برافعة حقيقية.

لا يمكن الحديث عن استقرار اقتصادي دون إزالة التهديد الحوثي.

مقالات

من المعلم إلى المعبّئ وتصدّع النسيج الاجتماعي.. تحولات الدور التربوي وانعكاساتها على البنية الاجتماعية في سياق التسييس (٢-٥)

لا يمكن النظر إلى التحولات التي طالت وظيفة المعلم في السياقات المتأزمة بشكل عام .. فإذا كانت الحلقة الأولى من هذه السلسلة قد تناولت أدلجة الفضاء المدرسي بوصفها مدخلا لإعادة تشكيل الوعي الجمعي داخل المؤسسة التعليمية المحلية؛ فإن هذه الحلقة تنطلق من حيث انتهت تلك القراءة، لتتتبع أحد أهم أدوات هذا التحول

مقالات

التصنيف الأمريكي كأهم أدوات تصفية الحسابات الإقليمية في اليمن

هذه الأيام يجري الحديث عن تصنيف محتمل قد يطال "إخوان" اليمن، وهي تسمية دائماً ما يحرص البعض على لصقها بـ: حزب التجمع اليمني للإصلاح، وسط اعتقاد بأن هذا التصنيف هو الضربة القاضية التي ستُزيح الإصلاح والإصلاحيين من المشهد الوطني

مقالات

السياسة التربوية والتعبوية للحوثيين.. سوسيولوجيا إعادة تشكيل الوعي والهوية (1-5)

في علم الاجتماع السياسي لا تُفهم المدرسة بوصفها فضاءً محايداً لنقل المعرفة... بل باعتبارها إحدى أهم مؤسسات إنتاج المعنى وإعادة تشكيل الوعي الجمعي.. فهي الموقع الذي تتقاطع فيه السلطة بالثقافة والمعرفة بالانتماء، حيث يتم صياغة علاقة الفرد بذاته ومجتمعه ووطنه... ومن هذا المنظور؛ يصبح التعليم مجالاً حاسما في أي مشروع يسعى إلى إعادة ترتيب البنية الاجتماعية، سواء عبر ترسيخ قيم جامعة أو عبر إعادة تعريفه

مقالات

مشهد ما بعد الانتقالي وحجم التغيير العسكري في المحافظات الشرقية والجنوبية .. شبوة نموذجاً

في السياسة يمكن تأجيل الاستحقاقات، وفي الإعلام يمكن إعادة تدوير السرديات، لكن في الميدان لا مكان للوهم. هناك، تُقاس التحولات بالانتشار والتحرك، والانسحاب، والمعسكرات التي تُسلَّم، والقيادات التي تُستبدل، والخرائط التي يُعاد رسمها بهدوء.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.