تقارير
ميدل إيست آي: اغتيال مراسل "العربية" في المكلا يسلط الضوء على التحديات الأمنية في جنوب اليمن
في مساء 24 يونيو، أدار مراسل قناتي "العربية" و"الحدث" محمد عيضة محرك سيارته أمام منزل عائلته في المكلا، عاصمة محافظة حضرموت شرقي اليمن، عندما انفجرت عبوة ناسفة كانت مزروعة أسفل مقعد السائق.
وكان قد أوصل أفراد أسرته إلى المنزل للتو، وكان في طريقه للقاء أحد أصدقائه. وأدى الانفجار إلى اشتعال سيارته في شارع الستين، بالقرب من المدرسة الباكستانية وسط مدينة المكلا.
وقُتل عيضة، البالغ من العمر 40 عاماً، على الفور.
وكانت السلطات الأمنية المحلية قد حذرت عيضة قبل نحو شهر من تعرض حياته للخطر، وحثته على أخذ تلك التحذيرات على محمل الجد.
وعمل عيضة منذ عام 2019 مصوراً صحفياً ومراسلاً مستقلاً لصالح قناة "العربية" المملوكة للدولة السعودية، حيث غطّى قضايا سياسية وأمنية وتنموية في مختلف مناطق شرق اليمن.
وأثارت تغطيته للمظاهرات التي نظمها المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، وتوثيقه لسلوك تلك السلطة، عداوات ضده.
وحتى لحظة كتابة هذا التقرير، لم تعلن أي جهة من أطراف المشهد السياسي اليمني المنقسم مسؤوليتها عن العملية.
وأدان مجلس القيادة الرئاسي، المدعوم من السعودية والمتمركز في عدن، الهجوم. كما أصدر محافظ حضرموت، سالم أحمد الخنبشي، وهو القائد العسكري الذي قاد استعادة المحافظة من قبضة المجلس الانتقالي الجنوبي مطلع يناير، توجيهات بفتح تحقيق في الحادثة.
من جانبه، وجّه رئيس الوزراء شائع محسن الزنداني وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية بتحديد المسؤولين عن الاغتيال.
في المقابل، سارع متحدث باسم المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يشهد حالياً انقسامات ويحيط بحله كثير من الجدل، إلى اتهام تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وجماعات مسلحة أخرى بالوقوف وراء العملية.
إلا أن هذا الاتهام قوبل بتشكيك واسع، إذ إن توجيه تهديدات مسبقة لا يتوافق مع أسلوب تنظيم القاعدة في تنفيذ عملياته، والذي يعتمد عادة على تنفيذ هجمات مفاجئة لا يتبناها ولا يسبقها تحذير يستهدف أشخاصاً بعينهم.
كما اعتُبر البيان استغلالاً سياسياً للحادث، إذ إن نسب الاغتيال إلى "جماعات إرهابية" يوحي ضمنياً بأن هذه الجماعات كانت تحت السيطرة خلال فترة حكم المجلس الانتقالي.
أما الحوثيون، الذين يسيطرون على صنعاء ويخوضون حرباً ضد التحالف الذي تقوده السعودية منذ أكثر من عقد، فقد أدانوا عملية الاغتيال عبر قناة "المسيرة" من دون توجيه الاتهام لأي طرف، مستغلين الحادثة لتسليط الضوء على حالة عدم الاستقرار في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة.
وقال إبراهيم جلال، وهو محلل بارز متخصص في شؤون اليمن والخليج، لـ"ميدل إيست آي" إن كلاً من المجلس الانتقالي والحوثيين كانت لديهما أسباب للضيق من تغطية عيضة.
وأضاف: "عندما ننظر إلى المشهد وندرس من قد يمتلك القدرة على تشغيل خلايا نائمة وتنفيذ أعمال تخريب بهدف زعزعة الاستقرار في المناطق الخاضعة للحكومة، نجد أن هناك طرفين رئيسيين: الحوثيون، والمجلس الانتقالي الجنوبي الذي يصف نفسه بأنه منحل".
عمليات اغتيال متكررة
لا يُعد مقتل محمد عيضة حادثة معزولة. فمنذ الهزيمة العسكرية للمجلس الانتقالي الجنوبي وحله المثير للجدل بين أواخر ديسمبر 2025 ويناير 2026، ارتفعت بشكل ملحوظ عمليات الاغتيال السياسي الممنهجة في جنوب اليمن.
ففي مايو، اختُطف وقُتل وسام قائد، المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية في عدن.
وفي أبريل، اغتيل عبد الرحمن الشاعر، وهو أكاديمي وقيادي بارز في حزب الإصلاح.
وفي يناير، تعرض العميد السلفي حمدي شكري، الذي يقود حالياً منطقة عسكرية واسعة في الجنوب، لمحاولة اغتيال.
وقال براء شيبان، وهو محلل سياسي يمني بارز، إن السلطات ألقت القبض في قضية اغتيال الشاعر على خلية مرتبطة بوحدات مكافحة الإرهاب السابقة، وهي إحدى أبرز الوحدات التي كانت تعمل تحت مظلة المجلس الانتقالي الجنوبي.
وأضاف شيبان: "بدأت النيابة العامة إجراءات توجيه الاتهامات، لكن الأمر سيستغرق وقتاً".
وكانت تحقيقات سابقة أجرتها هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) قد خلصت إلى وجود روابط مباشرة بين الجماعة المدعومة من الإمارات وسلسلة من عمليات الاغتيال السابقة في عدن.
ويرى مراقبون أن ندرة عمليات الاغتيال خلال فترة سيطرة المجلس الانتقالي إدارياً، مقابل تزايدها بعد خروجه من السلطة، قد توحي بأن شبكات موالية له تقف وراء هذه العمليات أو تسهل تنفيذها، بعدما تحول إلى ميليشيا لم تعد تسيطر على الأرض لكنها ما زالت تحتفظ بنفوذ مسلح.
وقال أحد المصادر المطلعة على الأجواء السياسية في عدن: "في الليلة التي خسرت فيها السعودية مباراة كأس العالم أمام إسبانيا، كان أعضاء المجلس الانتقالي يطلقون الألعاب النارية في مختلف محافظات الجنوب. وعندما وقع اغتيال عيضة، أدانوه علناً لكنهم احتفلوا به سراً بسبب تغطيته الناقدة لتظاهرات المجلس الانتقالي".
ولم يؤد حل المجلس الانتقالي إلى اختفائه، إذ لم تُفكك تشكيلاته العسكرية والأمنية بالكامل؛ فقد أُعيد نشر بعض الوحدات، بينما جرى دمج وحدات أخرى شكلياً ضمن هياكل الحكومة المعترف بها دولياً.
وقال جلال: "جرى دمج بعض القوات الأمنية في ترتيبات محلية ووطنية، لكنها ما زالت تضم أفراداً يدينون بالولاء للمجلس الانتقالي. لم تتغير قناعاتهم، ولم تتغير نواياهم. ولا يزال من المبكر معرفة مدى نجاح استيعابهم داخل مؤسسة يكون انتماؤها الأول لحماية المواطنين".
أما رئيس المجلس الانتقالي المعلن حله، عيدروس الزبيدي، فقد غادر إلى أبوظبي في يناير، ومن هناك يواصل إصدار بياناته. ويرى محللون أن الإمارات لا تعتبر ما حدث انتكاسة نهائية لمشروعها.
الاستثمار السعودي
جاء اغتيال محمد عيضة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للسياسة السعودية في اليمن.
فقبل أسبوعين فقط من مقتله، وقّعت الرياض اتفاقاً بقيمة 150 مليون دولار لتزويد محطات الكهرباء في اليمن بالمشتقات النفطية، في أحدث دفعة من دعم سعودي تجاوزت قيمته 12.6 مليار دولار منذ عام 2012.
كما أُقيم في مدينة المكلا حفل لتدشين محطة كهرباء بقدرة 100 ميغاواط، يجري تنفيذها ضمن اتفاق ثلاثي بين البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ووزارة الكهرباء اليمنية وشركة "جلف باور إنترناشونال".
وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قد وصف المساعدات الاقتصادية السعودية بأنها العامل الأساسي الذي يحافظ على تماسك مؤسسات الدولة، داعياً اليمنيين إلى التحلي بـ"مزيد من الصبر" حتى تظهر نتائجها كاملة.
أما بالنسبة لليمنيين على الأرض، فإن الحصول على الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والمياه، يمثل الأولوية القصوى، وهم يدعمون أي جهة تستطيع توفير هذه الاحتياجات.
وقال مراد علي، وهو عامل بناء في الستينيات من عمره من مدينة عدن، إن كل ما يشغله هو تأمين الطعام والاحتياجات الأساسية لأفراد أسرته السبعة، مع بقائه يأمل في أن تتمكن الحكومة من توفير الكهرباء والمياه والخدمات الصحية.
وأضاف: "حكومتنا فشلت في توفير الكهرباء والرعاية الصحية أو أي من الخدمات الأساسية، والسعودية هي التي تساعدنا منذ يناير 2026 في الحصول على هذه الخدمات".
لكن صبر المواطنين بدأ ينفد. ففي أوائل يونيو، ومع الارتفاع الشديد في درجات الحرارة واستمرار انقطاع الكهرباء، خرج مئات المدنيين في عدن إلى الشوارع، أو بالأحرى افترشوا مراتبهم في العراء احتجاجاً على الانقطاعات المستمرة.
وقالت مصادر محلية إن الاحتجاجات كانت ذات طابع خدمي وغير سياسية، إذ جاءت نتيجة الغضب من تدهور البنية التحتية، ولم تكن موجهة ضد إدارة مجلس القيادة الرئاسي، كما حاول منظمو المجلس الانتقالي استغلالها سياسياً لكنهم أخفقوا إلى حد كبير.
وقال مراد علي: "عندما خرجنا إلى الشوارع، كنا نطالب السعودية بمساعدتنا لأننا نعرف أنها الدولة الوحيدة القادرة على ذلك. شتمنا حكومتنا لأنها تستحق ذلك، لكننا لم نطالبها بشيء لأننا نعرف أنها عاجزة عن مساعدتنا".
ويرى جلال أن الفجوة بين خطاب إعادة الإعمار والواقع الأمني تمثل نقطة ضعف خطيرة.
وقال: "عندما ننظر إلى طبيعة الأشخاص المستهدفين، وهم صحفي، ورجل دين، ومعلمون، وشخصية بارزة في مجال التنمية الاجتماعية، وقادة عسكريون، نجد أن الصورة تشير إلى أن مختلف الشخصيات المجتمعية، مهما كانت مواقعها، تتعرض لمحاولات تصفية ممنهجة.
والهدف هو بث الخوف، وإظهار حالة من عدم الاستقرار، وتقويض الثقة بالحكومة وبالداعم الرئيسي لها، السعودية، وتشويه الصورة التي تساعد الحكومة حالياً في الحصول على مزيد من الدعم من مؤسسات التنمية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي".
الاستقرار والأمن
وراء كل ذلك تكمن عملية سياسية لم تكتمل بعد. فبعد استعادة القوات الحكومية السيطرة على مناطق الجنوب، دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إلى عقد مؤتمر شامل للحوار الجنوبي تستضيفه السعودية، إلا أنه لم يُحدد له أي موعد حتى الآن.
وفي فبراير، اقتحم متظاهرون موالون للمجلس الانتقالي مبنى حكومياً في مدينة عتق، ما أدى إلى مقتل خمسة أشخاص وإصابة 39 آخرين برصاص قوات الأمن.
وتراهن السعودية على أن تمويل مشاريع البنية التحتية، وإطلاق عملية سياسية جنوبية ذات مصداقية، وتوحيد القيادة العسكرية تحت مظلة مجلس القيادة الرئاسي، سيعزز موقعها قبل أن تعود جبهة المواجهة مع الحوثيين في الشمال إلى الواجهة.
وأضاف جلال أن تحقيق الاستقرار يتطلب مقاربة متعددة الأبعاد.
وقال جلال: "اقتصادياً، تحتاج الحكومة إلى ما هو أكثر من التمويل الطارئ؛ فهي بحاجة إلى تحسين تحصيل الإيرادات المحلية واستئناف صادرات النفط والغاز، التي تعطلت منذ عامي 2015 و2022 على التوالي.
أما على الصعيد الأمني، فإن معالجة عقد كامل من الانقسام والتشظي تحتاج إلى وقت، لكنها تحتاج أيضاً إلى نهج أكثر مرونة واستباقية. ويجب على قيادة الحكومة بأكملها العودة إلى البلاد، والوجود بين الناس، وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات، وتمهيد الطريق للتعافي".
ويُظهر اغتيال محمد عيضة، سواء ثبت ارتباطه ببقايا المجلس الانتقالي أم لا، حجم القضايا العالقة في الأراضي التي باتت السعودية تفرض فيها نفوذها بصورة رسمية.
وقال شيبان في ختام حديثه: "من استهدف محمد أراد إسكات صوته، لكنه وجّه أيضاً رسالة تهديد إلى جميع الصحفيين الآخرين. وفي النهاية، لن يتمكنوا من إسكات الجميع إذا واصل الجميع الكلام واستمروا في أداء دورهم".