تقارير

أوهام قاتلة حول القوة تعود إلى الواجهة في اليمن

03/09/2026, 09:48:16

بقلم: فارع المسلمي

بعد مرور عقد من الزمن على التدخل العسكري السعودي الإماراتي غير المنسق والسيء التنفيذ، تعود من جديد الأوهام القائلة بأن القوة العسكرية قادرة على حل المشكلات السياسية في اليمن.

فبعد نحو أربع سنوات من الهدوء النسبي الذي أعقب الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة في عام 2022، يبدو اليمن قريباً بشكل خطير من جولة حرب رئيسية أخرى. بل إن الصراع المتجدد قد بدأ بالفعل من بعض النواحي؛ إذ جددت جماعة الحوثي هجماتها على البنية التحتية الاقتصادية للمملكة والمصالح السعودية في البحر، وعلى الصعيد الداخلي، شهدت عدة جبهات تصاعداً في الاشتباكات والهجمات الأرضية والقصف الصاروخي.

هذا التصعيد لا يحدث بمعزل عن الأحداث الإقليمية. فمنذ الهجوم المفاجئ الذي شنته حركة حماس الفلسطينية على المجمعات السكنية الإسرائيلية الحدودية في 7 أكتوبر 2023، وما تبعه من حرب إسرائيلية على غزة، أقحم الحوثيون أنفسهم بشكل أكثر علانية واستراتيجية ضمن "محور المقاومة" الذي تقوده إيران. وقد أدت هجمات الجماعة المدعومة من طهران على الملاحة في البحر الأحمر وعلى إسرائيل إلى تحويلها من طرف يمني محلي ذي ارتباطات إقليمية إلى لاعب إقليمي تؤثر أنشطته بشكل تجاوز حدود اليمن بكثير. كما أن المواجهة الأخيرة—التي اندلعت بسبب محاولة الحوثيين تأمين هبوط طائرة إيرانية في صنعاء تحمل وفداً عائداً من جنازة المرشد الأعلى الإيراني السابق—دفعت بهذا المسار إلى أبعاد أبعد.

بالنسبة لعامة اليمنيين، أدى تصاعد الأعمال العدائية إلى تعطيل العديد من تدابير التهدئة التي تفاوضوا عليها بجهد جهيد، بما في ذلك عملية تبادل الأسرى التي طال انتظارها. قد تبدو هذه التدابير بالنسبة للمراقبين الخارجيين ثانوية مقارنة بالصواريخ والطائرات المسيرة والجيوسياسية الإقليمية، لكنها بالنسبة للشعب اليمني تمثل جوهر ما يعنيه الهدوء النسبي خلال السنوات الأربع الماضية.

الحرب تصبح خياراً جاذباً من جديد
رغم أن اليمن لم يشهد سلاماً بالمعنى الدقيق، إلا أنه تمتع باستقرار نسبياً في السنوات الأخيرة. فالهدنة الرسمية التي توسطت فيها الأمم المتحدة انتهت في أكتوبر 2022 ولم تتحول قط إلى تسوية سياسية شاملة. علاوة على ذلك، لا يزال الحوثيون يسيطرون على صنعاء ومعظم شمال غرب البلاد المكتظ بالسكان، بينما تسيطر الحكومة المعترف بها دولياً وقوات حليفة متعددة على معظم الجنوب والشرق.

مع ذلك، كان الفارق شاسعاً مقارنة بالسنوات التي سبقت الهدنة. فعندما أطلقت السعودية والإمارات تدخلهما العسكري في مارس 2015 لإلغاء سيطرة الحوثيين على صنعاء وإعادة حكومة الرئيس آنذاك عبد ربه منصور هادي، تحولت الحملة التي كان يُعتقد أنها ستكون قصيرة إلى حرب طويلة وأليمة. وبدلاً من التلاشي، أصبح الحوثيون أكثر كفاءة عسكرياً وأكثر تمكناً على الصعيد السياسي. في غضون ذلك، استمر الإنفاق السعودي على الصراع في الارتفاع، بينما خرج الإماراتيون رسمياً من التحالف وانتقلوا إلى تعاون أكثر هدوءاً مع حلفاء محليين.

في أعقاب هدنة 2022، توقف القصف المتبادل عبر الحدود بين الحوثيين والقوات السعودية بشكل كبير، وتراجعت الغارات الجوية للتحالف بدرجة ملحوظة، وأحيت المفاوضات آمالاً حذرة في الوصول إلى تسوية أكثر استدامة. كان هدوءاً ناقصاً وشابته عيوب كثيرة، ولكنه كان ذا أهمية كبيرة لليمنيين بعد كل ما عاشوه. غير أن هذا الهدوء بات الآن في خطر، واحتمال تجدد الحرب فتح شهية أطراف عدة.

في أجزاء واسعة من المعسكر المناهض للحوثيين، يبدو أن الروح المعنوية ارتفعت فجأة؛ إذ يرى بعض الفاعلين السياسيين والعسكريين في الضغط الإسرائيلي الأمريكي الشامل على إيران وحلفائها فرصة نادرة لتغيير ميزان القوى العسكري في اليمن الذي ظل مجمداً لسنوات. وهناك أيضاً واقع أقل نبلاً: فقد خلقت الحرب اليمنية اقتصادها السياسي الخاص؛ فبالنسبة لبعض القادة والسياسيين والجماعات المسلحة، تجلب النزاعات المال والأهمية والدعم الخارجي، بينما يتطلب السلام المساءلة ومؤسسات فاعلة وتنازلات صعبة. وغني عن القول إن بعض هؤلاء ليس لديهم ما يخسرونه، بل لديهم الكثير ليسبوه من تجدد القتال.

وقد يرى الحوثيون أيضاً في نشوب مواجهة أخرى فائدة لهم. فبعد أكثر من عقد من السيطرة على صنعاء، لم يعد بإمكانهم إرجاع كل إخفاق في إدارة الحكم إلى تبعات مؤقتة للاستحواذ على السلطة. إذ يواجه اليمنيون في مناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية قاسية وقمعاً ومظالم اجتماعية متزايدة. إدارة البلاد أمر شاق، أما التعبئة للحرب فأسهل بكثير.

تتيح الحرب للحوثيين ممارسة ما أجادوه تاريخياً: عسكرة المجتمع، وقمع الانتقادات بذرائع التهديدات الخارجية، وتصوير المعارضين المحليين كمتعاونين مع أعداء خارجيين. وبناءً عليه، قد يُقنع الحوثيون وخصومهم اليمنيون أنفسهم بأن الظروف قد تغيرت لصالحهم، غير أنكِلا الطرفين قد يكونان مخطئين.

وهم الحل العسكري
ميزان القوى العسكري في اليمن اليوم يختلف عما كان عليه في عام 2015. فالقوات الموالية للحكومة المعترف بها دولياً أضحت أكثر خبرة وتنظيماً مقارنة بتشكيلات "المقاومة الشعبية" العفوية التي واجهت الحوثيين في البداية. كما أن الدفاعات الجوية السعودية وتكتيكات الطائرات المسيرة والشراكات العسكرية أصبحت أكثر تطوراً بكثير.

لكن تحسن القدرات العسكرية لا ينتج تلقائياً استراتيجية سياسية ناجحة.

من جانبهم، من غير المرجح أن يحاول الحوثيون اجتياح جنوب اليمن وشرقه لمجرد احتمال استئناف القتال؛ فالجماعة تدرك تماماً أن السكان المحليين والفصائل المسلحة في تلك المناطق سيقاومون بشراسة أي هجوم. فالموقع الجغرافي والهويات المحلية والثقافة السياسية الراسخة تقف كلها حائلاً أمام أي تقدم حوثي.

في المقابل، فإن التطلع المعاكس يحمل القدر نفسه من الأوهام. فبعد عقد من النزوح والتشرذم السياسي وفشل إدارة الدولة، لا ينبغي توقع أن يستقبل سكان المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين قادة الحكومة المعترف بها دولياً بالورود في حال تقدمهم. فالكثير من اليمنيين الذين يمقتون حكم الحوثيين يشعرون أيضاً بخيبة أمل عميقة تجاه الحكومة الشرعية ونخبها السياسية—بمن فيهم القادة الذين يقيمون في الخارج طوال فترة الحرب بينما يعاني المواطنون من الانهيار الاقتصادي.

وبعبارة أخرى، فإن مناهضة الحوثيين لا تعني تلقائياً الثقة في خصومهم، فالسيطرة العسكرية والشرعية السياسية ليستا شيئاً واحداً.

كما أن البيئة الإقليمية تغيرت هي الأخرى؛ إذ باتت لدى السعودية اليوم أولويات مختلفة. فالأجندة الاقتصادية لولي العهد الأمير محمد بن سلمان آل سعود تعتمد على الاستثمار الأجنبي والسياحة الدولية وترسيخ صورة المملكة كمركز اقتصادي مستقر. وهجمات الحوثيين بالصواريخ والطائرات المسيرة لا تهدد الأهداف العسكرية فحسب، بل تمس أيضاً صورة الاستقرار التي تعتمد عليها خطة التنويع الاقتصادي السعودي. ومن هذا المنطلق، أصبحت الرياض أكثر حساسية تجاه تجدد الهجمات العابرة للحدود، حتى بدرجة أكبر مما كانت عليه في 2015. بالإضافة إلى ذلك، لم تعد السعودية تمتلك التحالف ذاته الذي دخلت به اليمن عام 2015، لا سيما بعد التراجع الكبير في شراكتها مع الإمارات داخل اليمن في وقت سابق من هذا العام.

منظومة الدعم الخارجي للحوثيين شهدت هي الأخرى تحولاً؛ فإيران لا تزال ذات أهمية بالغة، ويُعتقد أن المساعدات الإيرانية ساعدت الجماعة على تطوير قدراتها البحرية وفي مجال الطائرات المسيرة والصواريخ. لكن إيران أصبحت أضعف جراء مواجهتها مع إسرائيل والولايات المتحدة وتواجه قيوداً أكبر على قدرتها على نقل الأسلحة والتكنولوجيا والأفراد.

أما حزب الله، الذي كان تاريخياً مصدراً مهماً آخر للخبرة بالنسبة للحوثيين، فقد بات أضعف بكثير في أعقاب الحرب الإسرائيلية على الجماعة في لبنان عامي 2023-2024. وهذا يخلق مفارقة: فربما أصبح الحوثيون الآن أكثر قيمة للاستراتيجية الإقليمية الإيرانية من أي وقت مضى، وفي الوقت نفسه، أصبحت بعض الأطراف التي ساهمت في بناء قدراتهم أقل قدرة على دعمهم.

أمواج ميديا
تقارير

منفذ البحر الأحمر الذي لا تستطيع إسرائيل تحمُّل خسارته

التنافس يمتد الآن من اليونان وقبرص مروراً بسوريا والبحر الأحمر ووصولاً إلى الصومال وصوماليلاند. إنه يشمل القواعد العسكرية، والموانئ، وأنظمة الدفاع الجوي، ومسارات الطاقة، والاعتراف الدبلوماسي، والمضائق البحرية الحيوية، ومعركة متسعة على الرأي العام. وتقع صوماليلاند في قلب كل ذلك تماماً

تقارير

غدر "جساس" وخيانة "أبي رغال"... السعودية في مرمى تصعيد الانتقالي "المنحل" من جديد

عاود المجلس الانتقالي الجنوبي -المعلن عن حلّه- بجناحه المدعوم من دولة الإمارات، تصعيد خطابه الإعلامي والسياسي ضد المملكة العربية السعودية، في محاولة لخلط الأوراق بالتزامن مع التحركات والترتيبات الدبلوماسية والعسكرية التي تقودها الرياض لإنهاء انقلاب مليشيا الحوثي واستعادة الدولة.

تقارير

جلسة في الكونغرس الأمريكي تسلط الضوء على تهديدات الحوثيين في البحر الأحمر وتدعو لاستراتيجية متعددة الأبعاد

الجلسة التي جاءت تحت عنوان "مواجهة الإرهاب الحوثي: حماية المصالح والأمن الأمريكي في البحر الأحمر"، ركزت على تقييم مستوى المخاطر التي تمس الاستقرار الإقليمي والمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها، وذلك عبر الاستماع إلى شهادات من خبراء ومحللين بارزين في شؤون المنطقة.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.