مقالات
لماذا لن تنجح أنصاف الحلول في إنهاء معركة تعز؟
تتكثف الحربُ الدائرة في اليمن في هذه الأثناء في مدينة تعز ومحيطها، حيث تتجلى إحدى أكثر صور الحرب عنفاً وتجاوزا للقانون الإنساني؛ في ظل الاستخدام المفرط للأسلحة غير التقليدية بما فيها الصواريخ والمسيرات، التي تدمر بيوت المدينة فوق ساكنيها، معيدةً إنتاج مشاهد لا تقل سوء عن تلك التي رآها اليمنيون والعالم تحدث في قطاع غزة.
وفي حين تراوح الإنجازات العسكرية لطرفي المعركة، القوات الحكومية والحوثيين، في جبهة باب المندب في ظل تلاشي المكاسب الاستراتيجية الحربية للحوثيين في هذه المنطقة الهامة والحاكمة والمصيرية، يبدو أن الحوثيين يواجهون تحديين رئيسين على مشارف مدينة تعز، الأول عسكري ويتجلى في الصمود والمراس والاختراقات التي تضعف من قدرة المهاجمين على التحكم بمصير الحرب، والثاني أخلاقي، وتكمن أهمية هذا التحدي في أنه يهدم السردية التي ادخرها الحوثيون من انخراطهم في معركة إسناد غزة، وجنوا منها مكاسب معنوية لتعزيز قدرتهم على الحشد والاستعداد القتالي لفائدة عدوانهم على محافظة تعز وتحقيق طموحهم في الاستقلال الكامل والتصرف السيادي بشأن الدولة اليمنية، بغض النظر عن مسار الحل السلمي بمرجعيّاته والاصطفاف الوطني الواسع الذي يقف خلف هذا الخيار.
تعاني مدينة تعز المحاصرة منذ نحو شهر تقريباً من التأثيرات السلبية المباشرة عليها جراء إغلاق الطريق الرئيس الذي يصلها بمدينة وميناء عدن، وزيادة مستويات الأذى في حرمان المدينة من المتطلبات الأساسية وفي مقدمتها مياه الشرب التي تحصل المدينة على نحو 80 في المائة منها من الآبار المتواجدة خارجها وعبر صهاريج متنقلة، وهي إشكالية مركزية بالنسبة لتعز التي تُصنف على رأس قائمة المدن ذات الكثافة السكانية العالية عطشاً على مستوى اليمن.
خبرت هذه المدينة أساليب الأذى التي مارسها الحوثيون في حصارهم لها عامي 2015 و2016، لهذا يتمسك أبناؤها بخيار الصمود ويختبر المدافعون عنها مراسهم الممتد لسنوات في صد الهجمات متعددة الأسلحة التي تعرضت ولا تزال تتعرض لها مدينتهم، وسط ترقب لاختراق وشيك للحصار من شأنه أن يغير قواعد المواجهة في هذه المحافظة ويؤثر -كما هو متوقع- على مسار معركة فجر اليمن والدفع بها إلى نهايتها، وتحقيق أهدافها التي تتفق مع طموح اليمنيين وقرارات الشرعية الدولية.
حتى هذه اللحظة يعاني الحوثيون من الاصطدام العنيف مع القوات المسلحة اليمنية والمقاومة الشعبية عند مشارف مدينة تعز، غير أن هذا التعثر في معركة كسر إرادة تعز كان متوقعاً بالنظر إلى تجارب السنوات الماضية، لذا لا يتوقفون عن الضرب في المعنويات عبر جهود الـ"كول سنتر" مع المؤثرين والقادة والمقاومين وحتى الناس العاديين، وعبر مهام الطابور الخامس، وهي جهود تتوخى هز المعنويات العالية وتحييد الحاضنة الشعبية، لكن تأثير هذه الجهود يكاد لا يذكر، بل إنها بدأت بالانحسار في ظل الالتحام الكبير بين المقاتلين وحاضنتهم الواسعة في مدينة تعز.
لا يفضل الحوثيون الدخول في اتفاقات مع خصومهم في معارك تعاني من صعوبات كبيرة كمعركة تعز، ما لم تؤد التوافقات إلى تحييد قوة خصومهم. غير أنهم أمام صمود تعز قد يلجؤون إلى المناورة عبر طرح خيار الهدنة مثلاً، والتي إن استجابت لها الحكومة، فإنها لن تحل المشكلة أبداً ولن تكون الخطوة الأولى في سمار إنهاء الحرب، بقدر ما ستمنح المعتدين فرصة للتموضع المريح في مناطق تعز، وتجنب الاستهدافات المميتة للطيران الحربي، ومواصلة جهود إحكام السيطرة والتحكم بالموارد البشرية وإعادة توجيه مسار التعليم نحو الأهداف الطائفية الصريحة للحوثيين، والتأثير في الناشئة عبر دورات التثقيف ومنهجها المتصادم مع عقيدة مجتمع تعز وبيئتها المتسامحة، ومن ثم الدفع بالمستقطبين كوقود حرب لمعارك الجماعة القادمة.
نقلا عن "عربي21"