مقالات

قناة بلقيس وثمن الغياب

07/05/2026, 19:52:52
صوت اعتاده اليمنيون، أو نافذة صغيرة كانوا يطلون منها على اليمن، دون صراخ كثير، ومع توقف بث قناة بلقيس، شعرنا بأن صوتاً مألوفاً قد غادر المكان فجأة.

لم تكن بلقيس بالنسبة لكثيرين - وأنا منهم -مجرد محطة تلفزيونية للأخبار ؛ بل جزءاً من الإيقاع اليومي لنا في سنوات ثقيلة ومربكة. فقد حاولت هذه القناة أن تبقي للخبر شيئ من الهدوء وللنقاش شيئاً من العقلك ذلك..ولهذا بدا اختفاؤها مؤلماً ليس لأن الناس كانوا يتفقون معها دائماً، بل لأنهم وجدوا فيها مساحة أقل قسوة من هذا الضجيج الهائل.
فغياب بلقيس كصوت مهنيٍّ متزن، أشبه بفقدان مساحة نادرة للتعقل وسط العاصفة، وخسارة رمزية ومعنوية للمجال العام اليمني، ولإحدى التجارب التي حاولت -بقدر ما تسمح به ظروف الحرب والانقسام-ـ الحفاظ على الحد الأدنى من المهنية، والاستقلال المعقول في تغطية الشأن اليمني.

لقد مثلت المحطة خلال سنوات الحرب نافذة مختلفة في بيئة إعلامية أُنهكت بالتحريض والتعبئة السياسية. وبينما انزلقت كثير من المنابر إلى خطاب التعبئة الحزبية أو الاصطفاف الكامل مع مراكز النفوذ.
حاولت بلقيس أن تبقي على فكرة “الخبر”، بوصفه مادة مهنية، قبل أن يكون أداة للدعاية أو التحريض، وهذا ما منحها حضوراً واسعاً لدى قطاعات من اليمنيين الباحثين عن مساحة أقل صخب وأكثر اقترابا من الوقائع المجردة.

إن القيمة الحقيقية لأي مؤسسة إعلامية لا تقاس فقط بعدد مشاهديها، بل بقدرتها على تكوين تقاليد مهنية داخل بيئة مضطربة.. ومن هذه الزاوية شكلت القناة مدرسة -أو لنقل تجربة- إعلامية مصغرة، لكادر يمني شاب، عمل في ظروف شديدة التعقيد، دفع من دمه أثماناً باهظة، لكنه استطاع أن يقدم نموذجاً مختلفاً في الإعداد والتقديم وإدارة الحوار، وصناعة المحتوى الإخباري.
ولهذا فإن الأسف على غيابها، ليس حنين إلى شاشة تلفزيونية فحسب، بل أسف على تراجع المساحات التي تمنح الكفاءة المهنية أولوية على الولاء السياسي.

ويعكس في الوقت نفسه هشاشة الإعلام المستقل في العالم العربي عموماً.. وفي اليمن على وجه الخصوص إذ يصبح استمرار المؤسسات الإعلامية مرهوناً بقدرتها على التكيف مع ضغوط التمويل والاستقطاب والحرب وتغير المزاج الإقليمي.. وفي مثل هذا السياق، لا تموت القنوات فقط بسبب الأزمات المالية أو التحولات السياسية...بل لأن البيئة العامة نفسها تصبح طاردة لفكرة الإعلام المهني الحر.

ما كان أحوجنا خلال سنوات الحرب بحاجة إلى مؤسسات تخفف من حدة الانقسام لا أن تعمقه، وتعيد الاعتبار للعقل والخبر والتحليل الرصين ومن هنا جاء التقدير الذي حظيت به القناة لدى جمهور واسع حتى من المختلفين معها سياسياً لأن المهنية في المجتمعات المنقسمة تتحول بحد ذاتها إلى قيمة وطنية نادرة.

وبالتالي فإن حدث كهذا يفتح سؤالا ً مؤلماً حول مستقبل الإعلام في بلادنا، هل لا تزال هناك مساحة لبقاء منابر مستقلة نسبياً أم أن المشهد يتجه بالكامل نحو إعلام الاصطفافات المغلقة؟.
وهو سؤال لا يتعلق بمؤسسة واحدة، بل بمصير المجال العام اليمني كله، وبحق الناس في الوصول إلى المعلومة، بعيداً عن الضخ الدعائي والاستقطاب الحاد.

وربما تكون الخسارة الأكبر في توقف مثل هذه التجارب، التي تطفئ معها جزءاً من الأمل بإمكانية وجود إعلام، وطني، مهني، قادر على النجاة، وسط الخراب، وعلى تذكير اليمنيين بأن الحقيقة لا ينبغي أن تكون ضحيه دائمة للحرب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* نقلاً عن صفحة الكاتب بالفيسبوك
مقالات

الفكرة الإسلامية والحركة الوطنية في جنوب اليمن

يمثل مقال "حركتنا في حاجة إلى منهاج" للمفكر الإسلامي اليمني الكبير الأستاذ عمر سالم طرموم، المنشور في جريدة "الفكر" العدنية سنة 1957م، إحدى الوثائق الفكرية المبكرة التي تكشف ملامح تشكل الوعي الإسلامي السياسي في جنوب اليمن، والذي كان يقبع تحت الاستعمار البريطاني منذ 1839م، كما يعكس البدايات الأولى للحركة الإصلاحية اليمنية ذات الجذور الإسلامية في عدن، والتي يُعد عمر طرموم أبرز مؤسسيها الأوائل وروادها الفكريين والتنظيميين.

مقالات

من بن غوريون إلى نتنياهو

نشرت مجلّة فورين بوليسي تقريراً جاء فيه: "بعد وصف ترامب لنتنياهو بالمجنون وناكر الجميل، أصبح الموصوف مهدّداً بخسارة الانتخابات المقبلة بسبب قرب الاتفاق بين واشنطن وطهران. لنتنياهو دور رئيس في إشعال الحرب، لكنّ تأثيره في إنهائها محدود بالنظر إلى حجم الضغوط الأميركية".

مقالات

باب المندب ورقةَ ابتزاز: مليشيا الحوثي بين خدمة إيران ومساومة السعودية

ليست عودة مليشيا الحوثي إلى البحر الأحمر حدثًا مفاجئًا، ولا هي سلاح جديد في ترسانتها. الجديد هو الظرف الذي تعود فيه الورقة إلى الواجهة: تصعيد إيراني واسع بعد إغلاق هرمز عمليًا منذ أواخر فبراير 2026، وانكشاف متزايد في طرق تصدير الطاقة السعودية، ورياضٌ تبحث عن تقليل المخاطر أكثر مما تبحث عن حسمٍ مؤجل.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.