مقالات

استعادة المناعة الوطنية.. كيف يمكن إعادة بناء التربية والمجتمع بعد سنوات التعبئة؟ (4-5)

19/06/2026, 09:10:11
بقلم : يزن زياد

إذا كانت الحلقات السابقة قد سعت إلى تفكيك الآليات التي أُعيد من خلالها توظيف المدرسة والمعلم والمناهج والرموز الثقافية في خدمة مشروع تعبوي ذي طبيعة أيديولوجية، فإن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق فقط بفهم ما جرى، بل بكيفية التعامل مع نتائجه.

فالتحدي الحقيقي الذي يواجه اليمن اليوم لا يتمثل في إعادة بناء المدارس المهدمة أو إصلاح المناهج المعدلة فحسب، بل في إعادة بناء الإنسان نفسه واستعادة قدرة المجتمع على إنتاج قيمه الوطنية الجامعة بعد سنوات من الاستقطاب والتعبئة والانقسام.

فأي مشروع وطني للمستقبل لن يقاس بقدرته على إنهاء الحرب عسكرياً فقط، بل أيضاً بقدرته على معالجة الآثار الاجتماعية والثقافية والنفسية التي تركتها الحرب داخل وعي الأجيال اليمنية الجديدة.

ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن مفهوم المناعة الوطنية، لأنه إطارٌ سوسيولوجي واستراتيجي لفهم قدرة المجتمع على مقاومة الاختراقات الأيديولوجية وإعادة إنتاج التماسك الاجتماعي.

حيث تُظهر خبرات المجتمعات التي مرت بصراعات طويلة الأمد أن أحد أكثر الأخطاء شيوعاً في مرحلة ما بعد النزاع يتمثل في الانشغال بمعالجة المظاهر الخارجية للأزمة مثل إعادة الإعمار وتطبيع الحياة العامة وتعويض ضحايا الأطراف، كما حصل في حروب عديدة منذ الثورة اليمنية في سبتمبر وأكتوبر حتى اليوم، مع إهمال البنى العميقة التي أنتجتها وسمحت لها بالاستمرار. فإزالة الشعارات من الجدران أو تعديل بعض المناهج أو وقف برامج التعبئة المباشرة قد يكون ضرورياً، لكنه من وجهة نظري على الأقل لا يمثل سوى معالجة للنتائج لا للأسباب. وهذا قد يكون أحد الأسباب التي سمحت بتوالد دورات الصراع في اليمن من الستينيات حتى اليوم. إني أعتقد بأن التحدي الحقيقي يكمن في تفكيك البيئة الاجتماعية والسياسية والثقافية التي جعلت من تلك الممارسات ممكنة وفاعلة وقادرة على التأثير في قطاعات واسعة من المجتمع.

ومن منظور علم الاجتماع السياسي، فإن الأفكار الراديكالية، شيعية أو سنية، أو المشاريع الأيديولوجية المغلقة، دينية وسياسية، يساراً أو يميناً، لا تنجح في اختراق المجتمعات بسبب قوتها الذاتية فحسب، بل بسبب وجود فراغات بنيوية داخل المجتمع اليمني نفسه تجد فيها مجالاً للتمدد والانتشار. فكلما ضعفت المؤسسات الجامعة، وتراجعت الثقة العامة، واهتزت المرجعيات الوطنية المشتركة، أصبحت المجتمعات أكثر قابلية لاستقبال الخطابات البديلة التي تقدم إجابات جاهزة عن أسئلة الهوية والانتماء والسلطة. ولهذا فإن أي دراسة تهدف إلى تحليل ظاهرة التعبئة في بلادنا لا ينبغي أن تتوقف عند أدواتها الظاهرة، بل يجب أن تمتد إلى دراسة الظروف التي جعلت قطاعات من المجتمع تتفاعل معها أو تتقبلها أو تجد فيها بديلاً عن مؤسسات الدولة المتراجعة.

فلقد كشفت الحرب اليمنية، على امتداد سنواتها الخمس عشرة، عن وجود اختلالات بنيوية تراكمت عبر عقود في الذاكرة الجمعية اليمنية، والتي لم تكن بالضرورة نتاج الحرب وحدها. فالحرب لم تُنشئ جميع الأزمات من العدم، سواء في الجزء الشمالي من اليمن أو جنوبه قبل الوحدة وكذلك بعدها، إنما عملت على تعميقها وتسريع آثارها وإبرازها بصورة أكثر وضوحاً. ولهذا فإن أي مقاربة جادة لاستعادة المناعة الوطنية لا بد أن تنطلق من الاعتراف بأن الأزمة التعليمية والثقافية الراهنة هي جزء من أزمة أوسع تتعلق بطبيعة الدولة ذاتها، ووظيفة المؤسسات، ثم بشكل العقد الاجتماعي، وأيضاً مستوى وطبيعة الاندماج الوطني.

فمن نافل القول أن الدولة الحديثة تمثل الإطار المؤسسي الذي يحتكر إنتاج الشرعية العامة وتنظيم المجال العام وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين... إلخ، وعندما تتراجع قدرة الدولة على أداء هذه الوظائف تبدأ قوى بديلة في ملء الفراغ الناتج عن ذلك الغياب. وفي الحالة اليمنية، أدى ضعف الدولة وتآكل حضورها في العديد من المجالات إلى فتح المجال أمام فاعلين غير حكوميين "إن جاز التوصيف" للقيام بأدوار كانت تاريخياً من اختصاص المؤسسات الرسمية، بل ويجب أن تظل كذلك، بما في ذلك التعليم والتوجيه الثقافي والتعبئة الاجتماعية.

فحين تغيب الدولة عن المدرسة أو تصبح غير قادرة على حماية المعلم، أو تفقد قدرتها على تقديم نموذج وطني جامع، لا يبقى الفراغ فارغاً؛ بل سرعان ما يُملأ بخطابات وهويات ومشاريع بديلة، فهذا بمشروعه السلالي الطائفي وذاك بمشروعه الجهوي المناطقي، وهلم جرّا. وهذه قاعدة سوسيولوجية معروفة، إذ إن المجتمعات -بصرف النظر عن هويات وجذور هذا المجتمع- لا تعيش طويلاً في فراغ رمزي أو مؤسسي، بل تبحث دائماً عن سلطة توفر ما فقدته من النظام والانتماء. ومن هنا فإن استعادة المناعة الوطنية تبدأ، قبل أي شيء آخر، باستعادة الدولة لدورها كمرجعية جامعة لا طرف في الصراع الاجتماعي "كما قال حسن الترابي".

تراجع الوظيفة الوطنية للمؤسسات التعليمية

لم تكن المدرسة في التجربة الإنسانية الحديثة مجرد مكان لتدريس القراءة والكتابة وفك الأمية، بل مؤسسة مركزية لصناعة المواطنة وبناء الهوية الوطنية المشتركة، هذا على الأقل من أبسط وظائفها. وعندما تضعف المدرسة أو تفقد استقلاليتها أو تتحول إلى ساحة للتجاذب الأيديولوجي، فإن المجتمع يفقد أحد أهم خطوط دفاعه الثقافية.

لقد أظهرت سنوات الحرب في بلادنا، سواء التاريخية أو القائمة، بأن المؤسسة التعليمية اليمنية كانت أكثر هشاشة مما كان يُعتقد. فضعف التمويل، وتراجع أوضاع المعلمين، والانقسامات السياسية، وغياب الرؤية الوطنية الموحدة للتعليم، كلها عوامل جعلت المدرسة أقل قدرة على أداء دورها التوحيدي في إنتاج المشتركات الوطنية وترسيخها في ذهنية التلميذ اليمني. وبالتالي تصبح المؤسسات التعليمية أكثر عرضة للاختراق وإعادة التوجيه من كل أصحاب المشاريع الصغيرة، على حد تعبير الدكتور ياسين سعيد نعمان، ليس فقط من قبل الجماعات الأيديولوجية، بل من قبل مختلف القوى الساعية إلى تشكيل وعي الأجيال الجديدة.

ومن هنا فإن إصلاح التعليم، ولا أعتقد بأن هذا هو موضوعنا، بس سنتناوله كأحد مداخله، لا ينبغي أن يختزل في مراجعة المناهج وحدها، بل يجب أن يشمل إعادة بناء المؤسسة التعليمية نفسها بما يضمن استعادة استقلاليتها المهنية وتعزيز قدرتها على إنتاج مواطن يمتلك أدوات التفكير لا مجرد قابلية التلقي.

وربما يمثل غياب المشروع الوطني الجامع أحد أهم الأسباب البنيوية التي سمحت بتمدد مشاريع التعبئة المختلفة. فالمجتمعات لا تتماسك بالقوة وحدها، ولا بالمؤسسات وحدها، وإنما تحتاج أيضاً إلى فكرة كبرى مشتركة تمنح أفرادها شعوراً بالاتجاه والغاية والمصير المشترك.

وفي حالتنا اليمنية، أدى تراكم الأزمات السياسية والاقتصادية والحروب إلى إضعاف القدرة على إنتاج مثل هذا المشروع، الأمر الذي فتح معه المجال أمام مشاريع بديلة سعت إلى ملء الفراغ الرمزي والوطني القائم.

ولهذا فإني أجزم بأن إعادة بناء المناعة الوطنية لا تتعلق فقط بإصلاح المؤسسات أو معالجة الاختلالات الاقتصادية القائمة، بل تتطلب بالضرورة صياغة مشروع وطني جديد يستوعب التنوع اليمني، ويعيد الاعتبار لفكرة المواطنة، ويمنح الأجيال الجديدة سبباً للانتماء إلى الدولة كإطار ينضوي تحته الجميع.

وبالتالي فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إزالة آثار التعبئة بقدر ما يكمن في إزالة الشروط التي جعلتها ممكنة. فالمعركة ليست مع شعار أو منهج أو خطاب بعينه من هنا أو هناك، وإنما مع البيئة البنيوية التي تسمح لأي مشروع مغلق بالهيمنة على الوعي العام. ولذلك فإن استعادة المناعة الوطنية في اليمن يجب أن تبدأ من بناء الدولة، وإصلاح التعليم، وتعزيز الثقة المجتمعية، ومعالجة الانقسامات، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وصولاً إلى صياغة مشروع وطني جامع. وفي تقديري أن هذه هي الجذور الحقيقية للمشكلة، وأي معالجة تتجاوزها لن تكون سوى معالجة مؤقتة للأعراض، بينما تستمر الأسباب العميقة في إنتاج الأزمات بأشكال جديدة.

يتبع

مقالات

المونديال 2026: كرةُ القدم ملعب للفاشيات وصورةً لتعقيدات العالم!

مع انتقال كأس العالم 2026 إلى صيغته الأضخم، ممتداً عبر الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وبمشاركة ثمانية وأربعين منتخباً، تبدو كرة القدم، مرة أخرى، كما لو أنها لغتنا الكونيّة الوحيدة التي تمنحنا – كنوع بشري – القدرة على جمع ما فرّقته السياسة، والحدود، والحروب، والأسواق.

مقالات

أي يمن ستنتجه التسوية القادمة؟

في الأيام الأخيرة عاد الحديث عن التسوية السياسية في اليمن إلى الواجهة بصورة لافتة، بالتزامن مع حراك دبلوماسي إقليمي ودولي متسارع، ومع تصاعد الحديث عن اتصالات وتفاهمات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران.

مقالات

سلطة في الغياب.. المجلس الرئاسي.. أربع سنوات من فراغ القيادة

بعد أربع سنوات على تأسيسه، لم ينجز مجلس القيادة الرئاسي ما قام لأجله. لم تكن مهمته أن يجلس على طاولة التفاوض مع جماعةٍ انقلبت على الدولة بالسلاح، بل أن يستعيد الدولة التي انقلبت عليها: سلطةً تفرض الأمن، وتوحّد السلاح والقرار في يدٍ واحدة، وتُنهي الانقسام السياسي وفوضى المرجعيات، وتعيد بناء جيشٍ وطني وأجهزة أمنٍ تدين للدولة لا للأشخاص، وتستعيد هيبة القضاء وسيادة القانون. هذه هي المهمة التي أعلنها رشاد العليمي نفسه عند التأسيس: استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب، والتعاطي الجاد مع جهود السلام جنبًا إلى جنب مع خيار الردع. أما التسوية التي يتذرّع بها كثيرون لتبرير العجز، فلا تُنتزع من جماعةٍ انقلابية إلا بدولةٍ قائمة تفرض شروطها؛ فمن لا يملك قوة الدولة لا يفاوض من موقع الشرعية، بل يُفاوَض على مصيره.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.