مقالات

فلسطين وصمود أسطوري

17/10/2023, 17:37:55

للأسبوع الثاني، يواصل الجيش الإسرائيلي في غزة قصفًا متواصلاً بالطائرات، والصواريخ، والبوارج الحربية ضد مدن غزة، ومختلف أحيائها.

غزة محاصرة لما يزيد عن أربعين عامًا، وتُشَنّ عليها حرب تهديم المنازل، ويُقتل الآلاف من سكانها من الأطفال والنساء والشيوخ من المدنيين.

وخلال عقدين، تشن على غزة المحاصرة خمس حروب، لكن الحرب الحالية ليس لمجرد القضاء على حماس، وإنما الهدف منها التهجير القسري للمهجرين الفلسطينيين في حروب 1947، و1948، و1967 من عسقلان، وأشدود، وأريحا، ويافا، والقدس، وعشرات القرى والمدن التي هُدِّمت وهُوِّدت أسماؤها.

رغم تفوق جيش يُراد له أن يكون الأقوى من كل جيوش المنطقة، يهب صناع الدولة الإسرائيلية، ومؤسسو كيانها ببوارجهم، وأساطيلهم، وحاملات طائراتهم لنجدة إسرائيل، وتتشارك أمريكا، وألمانيا، وبريطانيا - الصانع الأول للدولة الإسرائيلية- في قتل الشعب الفلسطيني، وكأن الدولة التي تهدد المنطقة كلها هي المُهَدَدة.

هذه الحرب، وهذا العنف الوحشي هدفه الأساس تهجير الفلسطينيين من الضفة، والقطاع، والدولتان: المصرية، والأردنية هما الأكثر استشعارًا وإدراكًا للنوايا الإسرائيلية، وأن التهجير الشامل للفلسطينيين من أرضهم كان الهدف الأول في مخطط «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»؛

فالأيديولوجية الصهيونية، والمخطط البريطاني منذ وعد بلفور عام 1917 قاما على أساس الاحتلال لفلسطين من البحر إلى النهر. وخطيئة الحكام العرب، وقادة الأحزاب حينها عدم التعامل مع هذه القضية بفهم عميق للمخطط. الحرب المروعة المسعرة، منذ الأسبوع الماضي، وتهديم المنازل، والأمر لسكانها بالرحيل، وتصريحات القادة الإسرائيليين والأمريكان، وممارسات المستوطنين في الضفة والقطاع هدفها اجتثاث شعب فلسطين، وتقتيل الآلاف من الفلسطينيين، أما الاجتياحات شبه اليومية المتكررة، فهدفها الأساس إجبار مواطني الضفة الفلسطينية على ترك ديارهم المدمرة والمستباحة.

حضور القوة الأمريكية والبريطانية والألمانية، وربما يتزايد الحضور؛ لتهديد الأمة العربية والجوار من نصرة الشعب الفلسطيني، وتحذير حزب الله من فتح جبهة الشمال. تريد إسرائيل الخلاص من الفلسطينيين، إما بالتقتيل، أو التهجير، أو بهما معًا.

لإسرائيل وظيفة أمريكية وأوروبية كقاعدة عسكرية لحماية المصالح الاستعمارية، وربما روعهم مقدرة مئات شباب فلسطينيين على اجتياح مستوطنات حصينة؛ مخترقين سورًا كلف مئات الملايين، ولأول مرة في كل حروب إسرائيل الكاثرة، سواء مع الأنظمة المحيطة، أو مع الفلسطينيين، تخسر هذا العدد من القتلى والأسرى؛ وهو ما أرعب الإدارة الأمريكية، والأنظمة الاستعمارية الأوروبية، وستكون النتائج وخيمة على اليمين التوراتي والصهيوني الأكثر تطرفًا، بل على إسرائيل كلها.

مصير حكومة نتنياهو اليمينية والأكثر تطرفًا مرهون بنتائج المعركة، ومعركة غزة؛ وهو ما عجزت عنه في حروبها الخمسة السابقة. رغم امتلاكها قوة تجعلها في طليعة الدول الأقوى في العالم، ومسنودة بالدعم الأمريكي والدول الغربية الاستعمارية إلا أنها ضعيفة أمام الحق الفلسطيني.

مهّدت إسرائيل لجرائم الحرب وضد الإنسانية بثلاث كذبات: قتل الفلسطينيين للأطفال، والاغتصاب للنساء، وتقطيع الرؤوس؛ وهي أكاذيب تلقفتها -مروجةً لها- المكنة الإعلامية الأمريكية والأوروبية، وبعض الصحف العربية، واتخذت متكأً ومبررًا لجرائم حرب دمرت أحياء سكنية، وعشرات القرى، وقتلت الآلاف من الشعب الفلسطيني، وشردت أكثر من مليون منه، وألقت على غزة المحاصرة المحرومة من الماء والكهرباء والغذاء والدواء - خمسة آلاف طن من المواد المتفجرة، وخمسة آلاف قنبلة توازي ربع قنبلة نووية، حسب وكالات الأنباء.

واضح أن القيادة اليمينية الأكثر انحيازًا للحرب والتطهير العرقي، واعتبار الفلسطينيين، بل والعرب حيوانات وإرهابيين- تدفع إلى اجتياح غزة، وتغامر إلى توسيع دائرة الحرب، وتعتقد أنها، ومع التأييد الأمريكي والأوروبي، تستطيع إرغام الفلسطينيين على مغادرة وطنهم تحت وطأة حرب الإبادة والحصار الشامل والمميت، مستهينةً بصمود الفلسطينيين وفدائيتهم. موقف حزب الله، والغضب الذي يعم المنطقة العربية، وموقف مصر، والعربية السعودية الرافضتين لحرب الإبادة، وطرد الشعب الفلسطيني من أرضه – له دلالته المهمة.

أعلنت أمريكا وأوروبا الاستعمارية انحيازها وتأييدها المطلق لحرب الإبادة الإسرائيلية، وعدم إعطاء أي اعتبار لحلفائها العرب، أو الأمم المتحدة، ومجلس الأمن. هذه الحرب ليست ككل الحروب السابقة؛ فقادة اليمين التوراتي والصهيوني يريدون تحويل كل فلسطين إلى أرض يهودية من البحر إلى النهر، وقد أوكل إليها أن تكون القوة الإقليمية القائدة في المنقطة العربية كلها، وما حضور البوارج والأساطيل وحاملات الطائرات إلا لإعطاء الحرب البعد الدولي، وإصرار محور أمريكي على تفرد إسرائيل بقيادة المنطقة، وقطع الطريق على الحزام وطريق الحرير.

دخول روسيا على الخط بالدعوة إلى وقف الحرب، وتشبيه بوتن لحصار غزة بـ«ستالينجراد»، وتقديم مشروع لمجلس الأمن مهم، كما أن رفض الصين للحرب، وإرسال مبعوث خاص للمنطقة بداية تحرك مهم. صمود الشعب الفلسطيني، ومعركة غزة، ودخول حزب الله، وتعافي الموقف العربي، والاحتجاجات الدولية المتزايدة كفيلة بإسقاط أوهام إسرائيل في ابتلاع فلسطين، وتسيّدها على المنطقة، وهو مؤشر أيضاً أو أحد علامات بروز التحول الدولي الجديد، وغروب القطب الأوحد، وأفول نجم الغرب الاستعماري.

وسؤال الأسئلة ما مستقبل دولة إسرائيل في حالة العجز عن حسم المعركة، وحال استمرار، وطول أمد المواجهة، وانفتاح الجبهة الشمالية، ودخول حزب الله؟ الأمر الجلي الإعداد لتصفية القضية الفلسطينية بمباركة ومشاركة أمريكا والغرب الاستعماري؛ فهل يدرك الحكام العرب المطبعون وأصدقاء أمريكا أنهم وشعوبهم ليسوا بعيدين عن الاستهداف؟!

مقالات

من المعلم إلى المعبّئ وتصدّع النسيج الاجتماعي.. تحولات الدور التربوي وانعكاساتها على البنية الاجتماعية في سياق التسييس (٢-٥)

لا يمكن النظر إلى التحولات التي طالت وظيفة المعلم في السياقات المتأزمة بشكل عام .. فإذا كانت الحلقة الأولى من هذه السلسلة قد تناولت أدلجة الفضاء المدرسي بوصفها مدخلا لإعادة تشكيل الوعي الجمعي داخل المؤسسة التعليمية المحلية؛ فإن هذه الحلقة تنطلق من حيث انتهت تلك القراءة، لتتتبع أحد أهم أدوات هذا التحول

مقالات

التصنيف الأمريكي كأهم أدوات تصفية الحسابات الإقليمية في اليمن

هذه الأيام يجري الحديث عن تصنيف محتمل قد يطال "إخوان" اليمن، وهي تسمية دائماً ما يحرص البعض على لصقها بـ: حزب التجمع اليمني للإصلاح، وسط اعتقاد بأن هذا التصنيف هو الضربة القاضية التي ستُزيح الإصلاح والإصلاحيين من المشهد الوطني

مقالات

السياسة التربوية والتعبوية للحوثيين.. سوسيولوجيا إعادة تشكيل الوعي والهوية (1-5)

في علم الاجتماع السياسي لا تُفهم المدرسة بوصفها فضاءً محايداً لنقل المعرفة... بل باعتبارها إحدى أهم مؤسسات إنتاج المعنى وإعادة تشكيل الوعي الجمعي.. فهي الموقع الذي تتقاطع فيه السلطة بالثقافة والمعرفة بالانتماء، حيث يتم صياغة علاقة الفرد بذاته ومجتمعه ووطنه... ومن هذا المنظور؛ يصبح التعليم مجالاً حاسما في أي مشروع يسعى إلى إعادة ترتيب البنية الاجتماعية، سواء عبر ترسيخ قيم جامعة أو عبر إعادة تعريفه

مقالات

مشهد ما بعد الانتقالي وحجم التغيير العسكري في المحافظات الشرقية والجنوبية .. شبوة نموذجاً

في السياسة يمكن تأجيل الاستحقاقات، وفي الإعلام يمكن إعادة تدوير السرديات، لكن في الميدان لا مكان للوهم. هناك، تُقاس التحولات بالانتشار والتحرك، والانسحاب، والمعسكرات التي تُسلَّم، والقيادات التي تُستبدل، والخرائط التي يُعاد رسمها بهدوء.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.