مقالات

صقر الكتابة

19/06/2023, 07:23:47

أصدر الصديق الشاب صقر الصنيدي - مؤخراً - كتاباً روائياً، لم أستطع الحصول عليه؛ لأنني أقيم في بلد كالجزيرة المعزولة عن العالم.

وفي هذا البلد - الجزيرة لا تصل الكتب؛ ولكن تصل كل صنوف البضائع الممنوعة والمُتاحة، المُحرَّمة والمُباحة: المخدرات والشعارات، الخمور والسجائر، الإرهاب والملابس.

وما عجزتْ عن الوصول بالطرق المشروعة، فعلتْها عبر التهريب. وفي اليمن منافذ ونوافذ يمرُّ منها كل ما تريد تهريبه - ما تتصوره وما لا تتوقعه - من الصواريخ إلى التحاميل. فقط، الكتاب لا يستطيع الدخول ولا المرور. ولهذا في إمكانك الحصول على دبَّابة حبُّوبة، لكنك تعجز عن الحصول على كتاب مهذَّب، ولدته مطابع القاهرة أو الرياض أو بيروت أو عمَّان.

وأنا لا أجيد البتة القراءة من الشاشة، إذْ لا بُدّ لي من أن أتلمَّس صفحات الكتاب بيدي، ثم أشُمّها وأضُمّها، وأتذوّقها وأتمرّغها، وأحتضنها وأنام معها، وأكرمشها وأخرمشها، لأحُسّ بها بدرجة مائة في المائة، فالكتب كالنساء تماماً، حالة طبق الأصل.

صقر الصنيدي -أحد أصدقائي الشبان- نموذج في الأناقة والوقار، هو من الطائفة الجديدة من الكُتَّاب، وهي طائفة لا طائفة لها، بل طائفة قائمة بحدّ ذاتها، وطائفة لا تؤمن بالطوائف التي صارت لا تحكم البشر في هذا البلد فحسب، بل غدت تحكم كل شيء بلا استثناء: الأديان والأخلاق والأحزاب والآراء والمشاعر والأنفاس.

ونحن - اليمنيين - انتقلنا من يمن الأيديولوجيات إلى يمن الطوائف، ومن حروب الأيديولوجيات إلى حروب الطوائف!

تعرَّفت إلى صقر منذ سنوات ليست بالبعيدة، غير أن الأقلام الأصيلة كالجياد الأصيلة، تعرفها وتحبها من أول كلمة كأول نظرة.

وإذا كانت قد ظلت لقاءاتنا الشخصية عابرة كالشُهُب، إلاَّ أن مقالاته وحكاياته وخواطره وانطباعاته الأدبية كانت كالبصمة، كالوشمة وكالهجمة، لا بُد لها من أن تترك أثراً فيك وتأثيراً.

وكتابات صقر جدّ مختلفة، تحفر فيك عميقاً من دون أن تحمل شفرة. فالفكرة لا تحتاج إلى حدّ شفرة ولا كتالوج تشفير.

وكتابات صقر من هذا النوع تحديداً، هي تحفر في الوعي والوجدان، لا الورق. فصقر قلم قادم بكتابة لها صفات الصقر: السرعة والقوة والجمال وثقابة الرؤية.

ومنذ سنين، وأنا أرقب صقراً وأتابعه وأتحمَّس له وأُحمِّسه، فأجده -في كل مرة وبعد كل فترة- أجمل نصاً وأفضل نهجاً وأروع دأباً.

ومؤخراً، وجدته يتلألأ نجماً ساطعاً في عوالم الكتابة والأدب منذ أول كتاب أصدره.

وقليلون في هذا الكون يصيرون نجوماً حقيقية منذ كتابهم الأول.

كانت روايته "رحلة رأفت" إيذاناً ذائع الصيت بميلاد كاتب حقيقي مائة في المائة، أشبه بالصيت ذاته الذي يحدث عندما كانت القبيلة العربية القديمة تلد شاعراً جديداً، أو كما صارت القبيلة اليمنية المعاصرة تلد ضابطاً جديداً، أو قاتلاً جديداً.

هذا صقر الصنيدي الذي لم أكتب عنه - هنا - شيئاً ذا بال.

فقط، تذكًّروا ما كتبته.

مقالات

المرتزقة والميليشيات: سلاح أبوظبي لتفتيت الدول على ضفتي البحر الأحمر

حين نشرت هيومن رايتس ووتش في مايو 2026 تقريرها عن تجنيد مقاتلين كولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع في السودان، خرجت القضية من حدود واقعة جديدة في حرب دارفور إلى سؤال أوسع عن طبيعة الحروب التي تتشكل اليوم في المنطقة. فهذه الحروب لا تدور فقط بين جيوش محلية وخصوم داخليين؛ بل تتحرك خلفها شركات أمنية، ومقاتلون عابرون للحدود، وخطوط إمداد لا تظهر دائمًا في نشرات السياسة، غير أن أثرها يصل إلى المدن المحاصرة والقرى المحروقة ومخيمات النزوح. وتشير هيومن رايتس ووتش إلى أن مقاتلين كولومبيين جرى استقدامهم عبر شركة أمنية مقرها أبوظبي، وأن بعضهم وصل إلى السودان بعد المرور بمنشآت عسكرية إماراتية؛ وهي اتهامات تنفيها الإمارات وتؤكد أن دورها في السودان إنساني لا عسكري.

مقالات

رئيس في دولة استعصت على الحكم

تولى هادي السلطة في لحظة انتقالية شديدة الهشاشة، خرجت من بنية دولة مثقلة بالصراع ومراكز القوى المتراكمة، ثم انفتحت على فضاء إقليمي ودولي لم يعد فيه القرار اليمني قرارًا مستقلًا بالكامل. ومن هنا، يصبح اختزال تجربته في ثنائية “نجح” أو “فشل” تبسيطًا مخلًا، لأن قواعد اللعبة السياسية نفسها كانت قد انهارت أو تشوّهت منذ البداية.

مقالات

في رحيل الرئيس عبد ربه منصور هادي.. رجل حمل اليمن فوق أكتاف مرحلة مستحيلة

برحيل الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي، يطوى فصل بالغ الثقل والتعقيد من تاريخ اليمن المعاصر؛ فصل اختلطت فيه الآمال الكبرى بالانكسارات القاسية وتشابكت داخله حسابات الداخل والخارج حتى بدا اليمن وكأنه يخوض معركة مفتوحة مع تاريخه وجغرافيته وموروثه السياسي في آن واحد.

مقالات

"آنستنا يا عيد" والتكامل بين الشاعر عباس المطاع وفنان الشعب علي بن علي الآنسي

القصيدة الكاملة لأيقونة العيد الخالدة " آنستنا يا عيد" تظهر بوضوح أن الشاعر الكبير عباس المطاع، تحت دفق الومضة العفوية وضغط الرغبة في قول كل شيء في ليلة العيد أفلت من يده الزمام ، فتحول من روح العيد وبهجته الدفاقة ليضيف لها كل ما خطر في باله عن المغالاة في المهور ، وهموم المستأجرين، وجشع التجار، والتحذير من تهور السائقين والسرعة، والنظافة وكنس الشوارع، والصحة وتجنب مرض القرحة والسل والكحة.. راجع القصيدة كاملة في نهاية المنشور.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.