مقالات

صباح العيد .. صباح الحبس ( سيرة ذاتية 16)

04/10/2025, 18:34:41

قبل العيد الكبير بيوم، قيل لي إن صاحب المخبز في "باب البَلَقَة" يبحث عن شخص له دراية بصناعة الخبز (الرُّوتي)، وذلك لأن عمّال مخبزه سافروا إلى قراهم في العيد. 

وقال لي الشخص، الذي أبلغني الخبر، إنه مستعد أن يدفع خمسة عشر ريالًا لمن يمكنه أن يقوم بالعمل.

ورغم كراهيّتي العمل في الأفران إلا أن للضرورة أحكامها؛ فقد كنت في وضع صعب، وخمسة عشر ريالًا مبلغ كبير يكفيني لمدة شهر وأكثر. 

ولم يكن مطلوبًا منّي سوى أن أشتغل في الليل؛ بحيث يكون الرُّوتي جاهزًا بعد عودة الناس في الصباح من صلاة العيد.

يومها، تحمّست وأبديت استعدادي للقيام بالعمل، وفرح صاحب المخبز عندما عثر على خبّاز طيّب وقنوع مثلي، مع أن العمل الذي سوف أقوم به عمل ثلاثة عمّال (العجّان والبطروالة والمَسْتَري).

ليلتها، أعطاني صاحب المخبز ثلاثة ريالات مقدمًا، وقال لي:

"بكرة الصباح، وبعدما تكمل عملك، أدفع لك الباقي".

وبعد أن أعطاني الثلاثة الريالات، ذهبت إلى المطعم العَدني في شارع "علي عبد المغني"، وتعشيت "نفر كبدة"، وبعد العشاء اشتريت "القات" وعدت إلى البيت، وأعطيتُ اليهودية نَعومي ريالًا مقابل غسلها ملابسي وأشياء أخرى.

وفي الساعة العاشرة مساءً، وبعد أن خزّنت وكيّفت، تحرّكت إلى الفُرْن وبدأت العمل وأنا في غاية الحماس والنشاط. قُمت بعجن الدّقيق، وبعد أن عجنت وجهّزت العجينة قُمت بعملية التقريص (تحويل العجين إلى أقراص) ووضعها في القِصع المصفوفة في البِتَر (الصحاف). وبعد أن انتهيت، أشعلت النار وأدخلت البِتَر في الفُرْن، وكان ذلك قرابة الفجر.

ولشدة ما كنت متعبًا ومرهقًا، قلت أرتاح، وأسترخي فوق أكياس الدّقيق ريثما ينضج الرُّوتي. لكن الذي حدث هو أنني نمت بعُمق. وفي الساعة السابعة صباحًا، وبعد أن عاد المالك من صلاة العِيد، فتح الباب ودخل وتفاجأ بأنني نائم، ورائحة احتراق الرُّوتي تملأ المكان. 

وعلى صوت صراخه أفقت من النوم مذعورًا، وبمجرد أن أفقت وعرفت أن الرُّوتي احترق وتفحّم داخل الفُرْن داهمني شعور مُريع بالرّعب.

ثم إن صاحب الفُرن، وقد تسببت له في كارثة، تحوّل إلى تنوّر من الغضب، وراح يصرخ ويلعن ويشتم. ثم اقتادني إلى حبس قسم شرطة "باب البَلَقَة" وتركَني هناك، وأقسَم أنه لن يخرجني من الحبس إلا بعد أن أدفع خسارته مئة ريال.

وبقيت في حبس القسم يوم العيد، وثاني العيد، وثالث العيد. وفي مساء رابع العيد، حضر مدير القسم واستدعاني وحقق معي. 

وبعد أن سمع منِّي وعرف سبب حبسي، ضحك كثيرًا من هبالتي، وما لبث أن تعاطف معي. وعندما قلت له إنني طالب، تحوّل إلى وكيل لي، وراح يدافع عنِّي أمام صاحب الفُرْن، ويطلب منه أن يسامحني، لكن صاحب الفرن رفض أن يسامح.

وبعد أخذ ورد، قال لمدير القسم: "خلاص يا فندم، ما دام قد دخلت بالوسط، يدفع نص خسارتي ويخرج".

قال له مدير القسم: "من أين له خمسون ريالًا وهو طالب؟!".

فصاح صاحب الفرن: "وأنا من أين لي أنا؟! خسران مئة ريال!".

وسألني مدير القسم، وقال لي:

"هل في أحد من أهلك يضمنك وتخرج بضمانه؟!"

قلت له: "وحدي بصنعاء، وإخوتي في عدن".

وبعد ذهاب صاحب الفُرْن، قال لي: "ما دام وأنت طالب، وكان قصدك تطلب الله وتاكل لقمة حلال، رح لك".

وخرجت من القسم الساعة العاشرة ليلًا، وعند عودتي للبيت مررت على اليهودية نعومي لأخذ المُفتاح، لكنها كانت قد نامت وغرقت في النوم. 

ثم، وقد غلبني البَرد، عدت إلى القسم، واستغرب المدير الطيِّب حين أبصرني، وسألني عن السبب الذي جعلني أعود إلى القسم وقد أطلقني!! فأخبرته بأن المرأة التي أطرح عندها مفتاح البيت نامت، وصار من الصعب إيقاظها، وطلبت منه أن يسمح لي بالبقاء في القسم إلى اليوم التالي.

وكان أن رحّب بي مدير القسم الطيّب، وتعامل معي كما لو أنّي ضيف، وأدخلني إلى الغرفة نفسها التي كنت محبوسًا فيها، وأعطاني فرشًا وبطانية عسكرية مُضادة للبرد. وكان بجانبي لص محبوس، ويبدو أنه استاء عندما أبصر مدير القسم يميّزني ويقدّم لي فرشًا وبطانية وهو بدون.

وفي منتصف الليل، شعرت ببرد كأنه المسامير يخترق جسدي، وحين صحوت تبيّن لي أن جاري اللص سرق بطانيّتي. ولحظة حاولت استعادتها منه تمسك بها ورفض إعادتها، وقال لي:

"كلنا محابيس، لمَ أنت يميّزك ويدي لك فرش وبطانية؟!".

وعندما حاولت استعادتها بالقوة لكمني لكمة في فكي حتى شعرت بأن فكي انخلع من قوة لكمته، لكن لكمته زادتني إصرارًا على استعادتها، فضلًا عن أنني أردت إثبات شخصيّتي أمام المحابيس. 

وفيما رحت أنازعه على البطانية، وأحاول استرجاعها، سدّد لي اللص لكمة أقوى من الأولى طرحتني أرضًا، ولم أقم بعدها.

مقالات

رغم مسار التهدئة هذه الدول لن تعرف الراحة قريبا

لا تبدو المنطقة على أبواب استقرار حقيقي بعد إنجاز مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية، فرغم اللقاءات التي أعقبتها في كل من سويسرا وقطر، فلا يزال التوتر قائما والأعصاب مشدودة وكل طرف يحاول عرقلة تنفيذ المكاسب التي حققها الطرف الآخر في المذكرة- الاتفاق، وقد تمضي الستون يوما المنصوص عليها في المذكرة دون تحقيق تقدم يذكر في ملفي النووي والأموال المجمدة؛ إذ ما زال الجميع مشغولين بملف مضيق هرمز الذي حركته الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران التي أدركت أنه نقطة قوتها الأساسية التي ستلوي بها يد العالم كله.

مقالات

إسرائيل لم تعد فوق السؤال في واشنطن

لطالما احتلت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل مكانة استثنائية في السياسة الخارجية الأمريكية. فعلى مدى عقود كانت الخلافات السياسية بين الإدارات الأمريكية والحكومات الإسرائيلية تأتي وتذهب، بينما ظل دعم إسرائيل واحدا، من القلائل، من ثوابت السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط التي حظيت بإجماع الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

مقالات

من يملك بندقية الدولة؟

ثمة قواعد في السياسة تحتمل الاستثناء، وقاعدة في بناء الجيوش تكاد لا تحتمله: القوة العسكرية التي ينشئها الخارج من خارج خزينة الدولة وسلسلة قيادتها لا يبقى قرارها وطنيًا عند أول تعارض جدي بين مصلحة الممول ومصلحة البلد الذي تحمل علمه.

مقالات

أي جيش يُبنى في اليمن ؟!

لقد أثار المقطع المتداول والمنشور عبر المنصة الرسمية لقوات "درع الوطن"، والذي يهاجم فيه أحد مشائخ التوجيه المعنوي الناشطة اليمنية الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان أمام أفراد القوة العسكرية ، سؤالًا يتجاوز الشخص إلى الدولة نفسها: أي عقيدة عسكرية تُبنى اليوم؟ في لحظة يفترض أن تنصرف فيها جهود الجيش إلى استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي، يجري توجيه البوصلة نحو خصومات سياسية وفكرية لا علاقة لها بوظيفة المؤسسة العسكرية.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.