مقالات

رسائل الضربات الحوثية ومسار الحرب في اليمن؟

06/08/2026, 20:48:45
بقلم : يزن زياد

لم تعد الضربات الحوثية التي استهدفت معسكرات قوات الطوارئ ووحدات عسكرية أخرى في مأرب وحضرموت والوديعة والعبر مجرد حدث عسكري  يمكن قراءته في إطار الاشتباك التقليدي بين أطراف الحرب اليمنية "حوثيين وشرعية"، فطبيعة الأهداف واتساع الرقعة الجغرافية وتزامن العملية مع تحركات حكومية لتأمين الطرق الدولية ومكافحة التهريب والتقطع، كلها عناصر تشير إلى أن المشهد دخل مرحلة أكثر حساسية تتداخل فيها الحسابات العسكريه مع الأبعاد الاقتصادية والإنسانية والاستخباريه والإقليمية.

وإذا كان الاستهداف قد أوقع -وفق المعلومات الأولية- قتلى وجرحى وخسائر مادية في أكثر من موقع، فإن أثره الأعمق يتجاوز لحظة الانفجار نفسها، ليمس بنية الأمن في العمق ويضغط على خطوط الإمداد والحركة ويضع الحكومة اليمنية أمام اختبار معقد يتعلق بالقدرة على الردع والتنسيق، وحماية الممرات البرية كما هي البحرية، ومناطق الثكنات العسكرية، وتواجد القوات وإدارة الحرب في بيئة أصبحت فيها الجبهة الخلفية نفسها ميدانا مفتوحا للاستهداف.

تكمن خطورة هذه التطورات في أن بعض المواقع المستهدفة لا تحمل قيمة عسكرية فحسب، بل تمثل عقد حيوي في الجغرافيا اليمنية المتبقية تخت سيطرة الحكومة الشرعية؛  فمعبر الوديعة والخط الدولي عبر العبر لا يختزلان في كونهما نقاط انتشار عسكري ومناطق تدريب أو مؤخرات في المفهوم العسكري أو مرور محدود للقوات، بل يشكلان في الواقع واحد من أهم الشرايين البرية التي تربط اليمن بالسعودية، وتنقل عبرها الحركة التجارية والإنسانية والمسافرون والبضائع والإمدادات اللوجستية المندية منها والعسكرية.

وبالتالي، فإن أي استهداف مباشر أو متكرر لهذه المناطق لا يهدد وحدة الانتشار العسكري فحسب، بل يرفع كلفة التأمين والنقل، كما أنه يعطل سلاسل الإمداد، ويزيد من هشاشة الحركة التجارية والإنسانية، ويضاعف الأعباء اللوجستية على الحكومة والقطاع الخاص والمواطنين في الوقت نفسه.

 وهنا تتجاوز الضربة من  استهداف عسكري محدود الأثر إلى ممارسة ضغط اقتصادي وإنساني واسع، ينعكس على أسعار النقل وانسياب السلع وقدرة المسافرين والمرضى والتجار على التحرك الآمن.

إن استهداف مناطق كهذه يعني عمليا أن الحرب لم تعد محصورة في خطوط التماس في الجبهات المتاخمة للقوتين، بل أخذت تتسرب إلى مفاصل الحياة اليومية نفسها وهو ما يضاعف تأثيرها الاجتماعي ويجعل من حماية هذه المسارات أولوية وطنية لا تقل أهمية عن حماية المعسكرات.

واللافت في هذه العملية ليس فقط أنها طالت مواقع عسكرية متعددة، بل أنها وصلت إلى عمق جغرافي واسع مثل حضرموت والوديعة ومحيط مأرب. وهذا يفتح باب مهم على التحدي الاستخباري والأمني الذي يواجهه الطرف الحكومي.

فإصابة أهداف بهذا النمط وبهذه الأهمية والبعد الجغرافي، وبما يقال عن قدر من الدقة والفتك، توحي بأن الضربة لم تكن عشوائية،  بل استندت إلى معرفة مسبقة بأماكن التجمع أو التمركز أو التوقيتات الحركية، وهذا يقود إلى واحد من ثلاثة احتمالات، إما وجود رصد لحظي وحركة استطلاع متقدمة يمتكلها الحوثيون، أو استفادة من شبكات محلية مساعدة أو ثغرات في أمن الاتصالات والتحركات داخل المناطق الخلفية لهذه القوات.

 

وهذا يطرح  سؤالا لا يتعلق فقط بقدرة الحوثيين على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة، بل أيضاً بقدرتهم على الوصول إلى المعلومة واختراق البيئة الأمنية وتحديد الهدف في الزمن المناسب. وهنا تكمن الخطورة، وهذا ما يجعل التحدي الحقيقي أمام الحكومة مضاعف، حماية السماء من التهديدات الجوية وحماية القوات ووحدات القوات المسلحة  من الاختراقات الاستخبارية واللوجستية.

وبالتالي، فإن أي مراقب بسيط قد يقول بأن الرد على هذا النوع من العمليات لا ينبغي أن يقتصر على تدابير الدفاع الجوي، بل يجب أن يشمل منظومة أمنية أوسع، تعزز أمن المعلومات وتحصن الاتصالات بتدابير تقنية عاجلة، وتراجع أنماط الحركة وطبيعتها، وأيضاً تضيق هامش الرصد المعادي وتربط بين الأمن الميداني والأمن الداخلي والاستخبارات الوقائية. وهذه مهمة يجب أن تصطلع بها دائرة أو هيئة الاستخبارات العسكرية.

أثر الضربة على التماسك داخل القوات الحكومية

من الجوانب المهمة في هذه التطورات أنها استهدفت تشكيلات متعددة وردت أسماؤها في البيانات والمعلومات المتداولة في وكالات الأنباء، مثل قوات الطوارئ والمنطقة العسكرية الأولى وقوات درع الوطن ووحدات أخرى تدريبية. وهذا يطرح سؤالا حساسا حول تماسك البنية العسكرية الحكومية ومدى قدرة هذه المكونات على العمل كوحدة منسجمة في مواجهة الخطر المشترك.

ففي بيئات الحرب المماثلة من الهشاشة والضعف والانكشاف، لا  تقيّم الهجمات من هذا النوع  فقط بما أحدثته من خسائر بشرية ومادية فقط، بل بما تتركه من أثر نفسي ومعنوي على العلاقة بين التشكيلات المختلفة وقياداتها. وقد يكون أحد أهداف الاستهداف هو زرع الشكوك أو إحراج التنسيق البيني أو إظهار أن كل تشكيل يعمل بشكل مستقل في بيئة لا توفر له الغطاء الكافي والتأمين المفترض.

لكن الوجه الأخر -الإيجابي إن جاز التعبير-  لهذا المشهد أن الهجوم قد يتحول أيضاً إلى محفز لإعادة بناء غرف عمليات بفاعلية أكثر وانضباط عسكري، إضافةً إلى تطوير قيادة مشتركة للمناطق الخلفية، وتوحيد إجراءات الإنذار والحماية والتمركز والتوزيع، فالمخاطر الكبيرة كثيراً ما تدفع الأطراف ولو بشكل متأخر، إلى مراجعة اساليب  العمل المجزأة والانتقال نحو مركزية تنسيقية أكثر فاعلية.

وبالتالي، فإن السؤال الآن هل أصابت الهجمة الحوثية هذه القوات؟ وهل ستدفع الضربات الحوثية القوات الحكومية إلى مزيد من التشرذم أم إلى بناء تصور أمني وعسكري مشترك يحد من هشاشة العمق؟

اليمن ليس معزولًا عن البحر الأحمر

فلا يمكن فصل هذه التطورات عن المشهد الإقليمي العام، ولا عن حالة التوتر المتصاعد في البحر الأحمر وما حوله. فاليمن لم يعد مجرد ساحة حرب داخلية"، بل أصبح للأسف الشديد جزء من معادلة أمن إقليمي ودولي تتقاطع فيها المصالح البحرية والتجارية والعسكرية، وتتشابك فيها رسائل الردع مع أوراق التفاوض.

الأمر الذي يفسر هذه  الضربات على انها جزء من بيئة تصعيد أوسع فرصها الحوثي، أو كأوراق ضغط غير مباشرة تهدف إلى تحسين شروط التفاوض، كما تسربت بعض الانباء من طاولة المفاوضات بين السعودية والحوثيين في مسقط، أو إلى تذكير القوى الإقليمية والدولية بأن الجبهة اليمنية ما زالت قابلة للاشتعال متى ما اقتضت الحسابات السياسية في السعودية وصنعاء ذلك.

إن امتداد التوترات في البحر الأحمر وتزايد حساسية طرق الملاحة يمنح أي تصعيد داخل اليمن أبعادا تتجاوز حدوده المحلية، وهو الذي بذل فيه الحوثيين قصارى جهدهم لتكريسه،  فكل ضربة في العمق اليمني أو مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، وكل رد عسكري أو أمني ينعكس بشكل مباشر في الحسابات الإقليمية الأوسع، ويدخل ضمن قراءة القوى الراعية للتهدئة أو المتضررة من الفوضى أو الساعية إلى استقرار الممرات التجارية.

لقد تجاوزت الحرب اليمنية زاوية من يربح أرض أو يخسرها في جبهة أو منكقة تماس، بل أيضا من زاوية من يمتلك القدرة على التأثير في أمن البحر وباب المندب وفي خطوط التجارة والطاقة وفي ميزان التفاوض الإقليمي والدولي .

تحدي حماية العمق 

تكشف هذه الهجمات الحوثية في جانبها العملي أن حماية العمق العسكري لم تعد ممكنة بالوسائل التقليدية وحدها، فقد اثبتت فشلها في اكثر من تجربة ومحطة، فمع تنامي استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة، بات من الضروري على الحكومة أن تعتمد مقاربة أكثر مرونة وتعدد في أدوات وخيارات الحماية والانتشار لقواتها سواءً في الجبهة أو العمق.

ولعل أول هذه الأدوات هو تشتيت التجمعات العسكرية وعدم حشرها في أماكن تمركز ثابتة وسهلة الرصد بما يقلل من أثر أي ضربة مستقبلية محتملة قد يشنها الحوثيين وهذا مؤكد. وبما يضمن تحول الموقع الواحد إلى هدف كثيف الخسائر، لأن اللامركزية - لا اعلم لها مصطلح في القاموس العسكري -  في الانتشار أصبحت ضرورة دفاعية.

وثانيها تعزيز منظومات الإنذار المبكر خصوصا تلك القادرة على كشف الأهداف المنخفضة الارتفاع أو البطيئة الحركة، لأن جزءًا كبيرًا من الخطر اليوم في حروب الجيل الخامس لا يأتي من سلاح ظاهر  بل من تهديدات صغيرة الحجم عالية الأثر كما في نموذج الدرونز.

وثالثها توسيع استخدام وسائل الحماية الإلكترونية والتشويش في إطار دفاعي منضبط يحد من فعالية الطائرات المسيرة ويقلص من قدرة المهاجم على توجيه ضربته بدقة. كما أن تأمين الاتصالات العسكرية وتحصينها ضد الاختراق لا يقل أهمية عن حماية الأسوار أو المداخل.

لكن كل ذلك لا يكتمل من دون مراجعة شاملة لمنظومة الأمن الداخلي نفسها، لأن المعركة لم تعد معركة نار فقط، بل معركة معلومات ورصد وحركة واتصال.

 

ما الذي تعنيه الضربة سياسيا؟

في الميزان السياسي  تحمل هذه العملية عدة رسائل دفعة واحدة. فهي تقول إن ميزان الردع لدى الحكومة الشرعية لا يزال بدائي وهش، وإن أي تحرك حكومي نحو ضبط الأمن في الداخل أو حماية الطرق الدولية قد يواجه برد قاسٍ.. كما أنها تذكّر بأن الحرب للأسف الشديد لم تدخل بعد طور الانفراج الحقيقي الذي كان يأمله اليمنيين، وأن أي حديث عن تهدئة لا يزال قابلا للاهتزاز ما دامت الأدوات العسكرية حاضرة بهذا الشكل المخيف.

وفي المقابل، قد تدفع هذه الضربة الحكومة إلى إعادة صياغة خطابها الأمني والسياسي، ليس فقط عبر الشجب والإدانة، بل عبر إظهار قدرة أكثر إقناع على حماية قواتها وبسط سيادتها المطلقة على  ممراتها الحيوية، فالثقة العامة ومصداقية الدولة وقدرتها على حماية الحركة التجارية والإنسانية، كلها عناصر تتأثر مباشرة بمثل هذه التطورات.

كما يبدو،  فالمشهد الراهن لا يتعلق بضربة صاروخية أو هجوم بمسيرات وحسب، بل بإنذار مركب يكشف هشاشة العمق العسكري وحساسية الشرايين الاقتصادية وتداخل الأمني بالاستخباري، والمحلي بالإقليمي. فاستهداف معسكرات في مأرب وحضرموت والوديعة والعبر يرسل رسالة مفادها أن الحرب اليمنية ما تزال قادرة على مفاجأة الجميع، وأن مناطق الخلف لم تعد خلف بالمعنى التقليدي، بل أصبحت جزءا مباشراً من ميدان الصراع.

ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن نستخلصه من هذه التطورات ليس فقط حجم الخسائر الأولية وهي كبيرة حيث بلغ الشهداء نحو ٤٨ شخصاً واكثر من ثمانين جريحاً، بل الدرس الأوسع. ربما نستطيع إيجازه في سطرين ليس أكثر؛  أن من لا يحسن حماية العمق لا يمكنه أن يضمن استقرار الجبهة وأن من لا يعالج الفجوات الاستخبارية والتنظيمية يظل عرضةً لتكرار الضربة مرة بعد أخرى.

إنها لحظة اختبار حقيقية للحكومة اليمنية ومؤسساتها الدفاعية والأمنية لا في قدرتها على الرد فقط، بل في قدرتها على التعلم والتنظيم وبناء منظومة حماية تتجاوز المعالجة الآنية إلى إعادة تأسيس الأمن في العمق سياسياً وعسكريا واقتصادياً.

 

مقالات

الطريق الذي لم تسلكه الرياض

نحو 29 سفينة أجبرتها هجمات الحوثيين على تغيير مساراتها بعيدا عن الموانئ السعودية، فيما ارتفع عدد السفن النفطية السعودية التي أعلنت الجماعة استهدافها منذ فرض الحظر البحري في 22 يوليو إلى ثماني سفن.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.