مقالات
الحوثي.. تهديد يرفع فاتورة الحماية
في العلاقات الدولية، لا تحتاج تجارة الحماية إلى متجر. يكفي خوفٌ في جهة، وقوةٌ في جهة أخرى، وثروةٌ بينهما.
ومن هنا تبدأ واحدة من أقدم التجارات السياسية: طرف يحتاج إلى الأمن، وطرف يملك أدواته، وبينهما فاتورة تحمل أسماء أكثر أناقة من كلمة «حماية».
وتزداد أهمية هذه المعادلة مع التوتر حول البحر الأحمر وباب المندب، بالتزامن مع الشراكة الأمريكية ـ السعودية، ومساعي إعادة ترتيب العلاقة بين السعودية وإسرائيل.
الجديد أن واشنطن لا تستخدم العصا وحدها؛ فهي تلوّح بها، ثم تترك باب الحوار مفتوحًا. ففي 16 سبتمبر/أيلول 2026، أفادت رويترز بأن مسؤولين أمريكيين التقوا ممثلين عن الحوثيين في مسقط بوساطة عُمانية، لبحث التهدئة وأمن الملاحة. ولم تؤكد الخارجية الأمريكية عقد الاجتماع، بينما أكدت أهمية حرية الملاحة في البحر الأحمر بالنسبة إلى واشنطن.
وقبل ذلك، قال الرئيس دونالد ترامب إن الحوثيين تواصلوا مع إدارته طالبين عدم تدخل الولايات المتحدة في الحرب، فيما أعلن نائب الرئيس جي دي فانس أن واشنطن على اتصال مباشر بالجماعة.
المشهد هنا شديد الدبلوماسية: واشنطن تتحدث مع الحوثي لخفض الخطر، والرياض تريد من واشنطن رفع مستوى التعامل معه. لا أحد يريد الحرب المفتوحة، لكن الجميع يريد أن يظهر مستعدًا لها. إنها نسخة دولية من العبارة الشهيرة: «نحن لا نريد المشاكل، لكن لدينا ميزانية كاملة لمواجهتها».
الحوثي يضيف بندًا إلى الفاتورة
بالنسبة إلى السعودية، لا يتعلق الخطر باليمن وحده. فالمسألة تمس الحدود والمنشآت والطاقة والموانئ والملاحة، وهي قطاعات لا تحب المفاجآت، خصوصًا عندما تكون قيمة المفاجأة مليارات الدولارات.
وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن البحر الأحمر وباب المندب يرتبطان بالملاحة والتجارة وحماية المصالح والقوات الأمريكية. ولذلك يصبح الحوثي مشكلة أمنية دولية، وليس مجرد طرف في حرب يمنية.
هنا تظهر المفارقة الاقتصادية: كلما ارتفع مستوى الخطر، ارتفعت قيمة الأمن.
المزيد من الدفاع الجوي، والمراقبة البحرية، والاستخبارات، والتكنولوجيا، والتسليح، والشراكات. والخبر السيئ أن الأمن، مثل تحديث الهاتف، لديه دائمًا «إصدار أحدث».
ترامب ودفتر الحساب
في مايو/أيار 2025، أعلنت إدارة ترامب عن التزام سعودي باستثمارات بقيمة 600 مليار دولار في الولايات المتحدة، إلى جانب حزمة دفاعية قُدرت بنحو 142 مليار دولار.
هذه الأرقام تعكس مصالح متبادلة: السعودية تبحث عن الأمن والتكنولوجيا والاستثمار، والولايات المتحدة تبحث عن الأسواق والصفقات والاستثمارات وتعزيز صناعاتها.
وفي الخلفية يقف ملف التطبيع السعودي ـ الإسرائيلي. ويمكن أن يرتبط التعاون بين الرياض وواشنطن وتل أبيب بالدفاع الجوي والإنذار المبكر والتكنولوجيا والملاحة، لكن لا توجد أدلة كافية للقول إن الحوار الأمريكي ـ الحوثي صُمم لخدمة التطبيع.
الأدق أن التهديدات الإقليمية توفر بيئة أمنية تجعل التعاون أكثر إلحاحًا، بينما يبقى التطبيع نفسه قرارًا سياسيًا تحكمه حسابات وشروط أخرى.
الحارس يبيع الخزنة أيضًا
يمكن اختصار المشهد برجل يملك خزنة مليئة بالذهب. يأتيه حارس ويقول له إن هناك من يريد سرقتها.
يدفع صاحب الخزنة.
بعدها يخبره الحارس أن الخزنة تحتاج إلى نظام إنذار. ثم كاميرات. ثم تحديثات. ثم حارس آخر متخصص في الأمن السيبراني.
يسأل صاحب الخزنة: «ألم تكن تحميني؟»
فيأتيه الجواب: «بالتأكيد، لكن التهديدات تتغير».
وهكذا لا تنتهي الحماية، لأن الخطر نفسه لا يحصل على إجازة.
لكن السعودية ليست مجرد زبون، والولايات المتحدة ليست مجرد حارس. الرياض تملك المال والاستثمارات والموقع والنفوذ، وواشنطن تملك القوة والتكنولوجيا والأسواق، وإسرائيل تملك قدرات أمنية وتقنية يمكن أن تدخل في ترتيبات إقليمية أوسع.
لذلك فالعلاقة ليست «ادفع نحميك» بقدر ما هي مساومة ضخمة بين الثروة والقوة والمصلحة والنفوذ.
الحوار لا يلغي التهديد
الاتصالات الأمريكية ـ الحوثية، إذا تأكدت تفاصيلها، لا تعني نهاية المواجهة. بل قد تعني أن واشنطن تحاول إدارة الخطر بدلًا من تحويله إلى حرب مفتوحة.
وهذه نقطة مهمة في فهم السياسة الأمريكية: يمكن لواشنطن أن تضغط على الحوثيين، وأن تتفاوض معهم، وأن تدعم السعودية، وفي الوقت نفسه ترفض الدخول في حرب شاملة. فالعدو في ملف قد يصبح طرفًا في تفاوض حول ملف آخر.
أما بالنسبة إلى الرياض، فإن استمرار التهديد يجعل الحاجة إلى المظلة الأمنية والشراكات الدفاعية أكثر حضورًا، حتى لو كانت واشنطن تفضل إدارة الخطر بدل القضاء عليه عسكريًا.
وهنا بالضبط تعمل «تجارة التهديد والحماية».
الحوثي يرفع صوت الإنذار، والسعودية ترفع طلب الحماية، وواشنطن تفتح دفتر الشروط، وإسرائيل تراقب أين يمكن أن يوضع مقعدها في غرفة الأمن الإقليمي.
ولا يحتاج أحد إلى أن يقول: «ادفع لأنك خائف».
يكفي أن يقول: «التهديدات تتغير».
وتتغير الفاتورة، معها.