مقالات

رامبو كارلوس (عبدربه)!

20/12/2020, 13:46:28
المصدر : غرفة الأخبار

في أحد نهارات عدن الدافئة، في النّصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، جاء أحدهم إلى متحف عبدالفتاح إسماعيل المُقام في بيته القديم، الذي قُصف صبيحة ومساء 13 يناير 1986م والأيام التالية، على تلك الرابية المُطلّة على حيّ "التواهي" في مدينة عدن، حيث قام بجولة استطلاعية في أرجاء المتحف. أنا كنتُ هناك لحظتئذ. 

وقد أحسستُ حينها بشيء من الغموض في شخصية هذا الزائر الغريب، لاسيما أن صديقي ناصر ناجي أحمد (مدير المتحف) أكد لي عدم معرفته به، فيما زاد الرجل الذي كان يرافقه - والذي بدا أنه من جهة سيادية أو أمنية - من ذلك الغموض بعد أن فوجئ بتواجدي هناك، ما أصابه بشيء من التوتر والاضطراب!

ولأنني كائن فضولي وحِشَري وصاحب مشاكل، كما أنني أكره الغموض في الأشياء والأشخاص، والأشعار أيضاً، لذا فوجئ صديقي ناصر والمرافق للزائر، معاً، بتقدُّمي نحو الرجل مادّاً يدي إليه للسلام والتعارف، مُقدّماً نفسي إليه باِسمي وصفتي.. فإذا بمرافقه يسحبه إلى خارج المتحف.. ويُولّي به مسرعاً، بعيداً عن فضولي، وعن المكان، بسيارته "اللادا" الروسية.

بعد بضع سنوات، عثرتُ على وثيقة مصوّرة طبقاً للبيانات الرسمية لذلك الرجل، وبضمنها جواز سفره وجواز سفر زوجته الصادرين عن جهة رسمية يمنية. 

وبحسب بيانات جواز سفره، فوجئتُ بأن اسمه عبدربه علي محمد، من مواليد عدن في 1945..

ولكن ... أتدرون ماذا؟

لم يكن ذلك الرجل سوى الشخص الذي صدَّع بنصف الكرة الأرضية، فيما أصاب النصف الآخر بالمغص والاسهال! 

إنه "ايليتش راميريز سانشيز"، الملقّب دولياً ب"الثعلب"، وأحياناً "ابن آوى"، المولود سنة 1949 في "كاراكاس"، العاصمة الفنزويلية، والذي أعرفه أنا وأنت وأصحابنا بالاسم الكودي "كارلوس"!

نعم، كان هو بشحمه ولحمه وحُمرته المُسمَّرة، أو سُمرته المُحمَّرة -إنْ شئت-. ذلك الذي يراه كثيرون زعيماً لقبيلة الإرهاب الدولي بلا منازع، فيما يعتبره آخرون عديدون شيخ مشايخ الأممية الثورية بعد "جيفارا".

(جملة اعتراضية ليس إلاَّ: قبيل ناصفة التسعينيات، زار كارلوس صنعاء ليلتقي الأخ صالح، الذي منحه نصف مليون دولار - بحسب صديقي الذي وصف المبلغ بأنه مكافأة نهاية خدمة!- قبل أن تقلع به ليلتها طائرة خاصة إلى سهل البقاع اللبناني.

فقد كان الرجل يتعامل مع الخصمين اليمنيين اللدودين منذ وقت مبكّر كما يبدو!).

قبل ذلك التاريخ بزمن بعيد جداً - تحديداً في أغسطس العام 1880 - جاء شاعر فرنسي إلى عدن ليعمل في تجارة البُن والسلاح والعبيد وأشياء أخرى.

كان العالم كله يعرف هذا الشاعر الرقيق السابق وتاجر الرقيق اللاحق باِسم "رامبو" ، لكنه خلال إقامته في عدن - التي كرهها كالموت في البدء، ثم عشقها كروحه لاحقاً - اختار لنفسه اِسماً آخر هو "عبدربه".

كثيرون لا يدرون - وأنا منهم - ما سرّ اختيار "رامبو" لهذا الاسم بالذات؟

قيلَ أن سائس عربة الخيل، التي كانت تقلّه من مسكنه إلى موقع عمله، كان يحمل هذا الاسم، فأُعجب به الشاعر الفرنسي واتّخذه اسماً له يُعرَف به لدى كل من عرفوه وتعاملوا معه في عدن.

ولكنّ السؤال الداعي إلى العجب هنا: لماذا كلما جاء شاعر أو ثائر أو إرهابي إلى عدن اختار لنفسه اسم "عبدربه"؟

ما الذي يجذبهم في هذا الاسم بالذات؟

وما الجامع بين أولئك "العبدربهات"؟ .. أو ما هي تصاريف القدر التي وضعت هذا الاسم في ثلاثة لا يجمع بينهم جامع البتة: شاعر ممحون .. وإرهابي - أو ثوري - مجنون .. ثم رئيس ...؟

مقالات

المرتزقة والميليشيات: سلاح أبوظبي لتفتيت الدول على ضفتي البحر الأحمر

حين نشرت هيومن رايتس ووتش في مايو 2026 تقريرها عن تجنيد مقاتلين كولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع في السودان، خرجت القضية من حدود واقعة جديدة في حرب دارفور إلى سؤال أوسع عن طبيعة الحروب التي تتشكل اليوم في المنطقة. فهذه الحروب لا تدور فقط بين جيوش محلية وخصوم داخليين؛ بل تتحرك خلفها شركات أمنية، ومقاتلون عابرون للحدود، وخطوط إمداد لا تظهر دائمًا في نشرات السياسة، غير أن أثرها يصل إلى المدن المحاصرة والقرى المحروقة ومخيمات النزوح. وتشير هيومن رايتس ووتش إلى أن مقاتلين كولومبيين جرى استقدامهم عبر شركة أمنية مقرها أبوظبي، وأن بعضهم وصل إلى السودان بعد المرور بمنشآت عسكرية إماراتية؛ وهي اتهامات تنفيها الإمارات وتؤكد أن دورها في السودان إنساني لا عسكري.

مقالات

رئيس في دولة استعصت على الحكم

تولى هادي السلطة في لحظة انتقالية شديدة الهشاشة، خرجت من بنية دولة مثقلة بالصراع ومراكز القوى المتراكمة، ثم انفتحت على فضاء إقليمي ودولي لم يعد فيه القرار اليمني قرارًا مستقلًا بالكامل. ومن هنا، يصبح اختزال تجربته في ثنائية “نجح” أو “فشل” تبسيطًا مخلًا، لأن قواعد اللعبة السياسية نفسها كانت قد انهارت أو تشوّهت منذ البداية.

مقالات

في رحيل الرئيس عبد ربه منصور هادي.. رجل حمل اليمن فوق أكتاف مرحلة مستحيلة

برحيل الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي، يطوى فصل بالغ الثقل والتعقيد من تاريخ اليمن المعاصر؛ فصل اختلطت فيه الآمال الكبرى بالانكسارات القاسية وتشابكت داخله حسابات الداخل والخارج حتى بدا اليمن وكأنه يخوض معركة مفتوحة مع تاريخه وجغرافيته وموروثه السياسي في آن واحد.

مقالات

"آنستنا يا عيد" والتكامل بين الشاعر عباس المطاع وفنان الشعب علي بن علي الآنسي

القصيدة الكاملة لأيقونة العيد الخالدة " آنستنا يا عيد" تظهر بوضوح أن الشاعر الكبير عباس المطاع، تحت دفق الومضة العفوية وضغط الرغبة في قول كل شيء في ليلة العيد أفلت من يده الزمام ، فتحول من روح العيد وبهجته الدفاقة ليضيف لها كل ما خطر في باله عن المغالاة في المهور ، وهموم المستأجرين، وجشع التجار، والتحذير من تهور السائقين والسرعة، والنظافة وكنس الشوارع، والصحة وتجنب مرض القرحة والسل والكحة.. راجع القصيدة كاملة في نهاية المنشور.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.