مقالات
أي يمن ستنتجه التسوية القادمة؟
في الأيام الأخيرة عاد الحديث عن التسوية السياسية في اليمن إلى الواجهة بصورة لافتة، بالتزامن مع حراك دبلوماسي إقليمي ودولي متسارع، ومع تصاعد الحديث عن اتصالات وتفاهمات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران.
ورغم عدم وجود ما يؤكد بصورة قاطعة وجود ارتباط مباشر بين المسارين، فإن توقيت الدعوة الباكستانية على لسان ممثلها الدائم لدى الأمم المتحدة، عاصم افتخار أحمد، بضرورة المضي قدماً في العملية السياسية في اليمن، يطرح سؤالًا مشروعًا: هل يُعاد فتح الملف اليمني بوصفه جزءًا من ترتيبات إقليمية أوسع يجري التفاوض حولها في المنطقة؟
فاليمن لم يعد منذ سنوات ملفًا محليًا خالصًا، بل أصبح إحدى ساحات الاشتباك والتفاوض بين قوى إقليمية ودولية متعددة. وإذا صح أن المنطقة تتجه نحو مرحلة من التفاهمات وإعادة ترتيب الأولويات، فمن الطبيعي أن يكون اليمن حاضرًا على طاولة تلك التفاهمات.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يقلق اليمنيين ليس ما إذا كانت التسوية قادمة أم لا، بل أي تسوية ستأتي؟
وهل ستكون تسوية تعالج جذور الأزمة وتعيد بناء الدولة، أم مجرد تسوية تكرّس موازين القوى التي أفرزتها الحرب؟
وفي ظل حالة الانسداد التي تعيشها اليمن، يستبشر كثير من اليمنيين بأي حديث عن تسوية سياسية مرتقبة، باعتبارها بوابة للخروج من الحرب التي أنهكت البلاد وأثقلت كاهل الناس.
لكن السؤال الذي يتجنبه كثيرون هو: أي سلام؟ وأي دولة؟ وأي يمن سيخرج من هذه التسوية؟
فالتسويات لا تُبنى على الأمنيات، ولا تُصاغ وفق ما يراه الناس عدلًا أو ظلمًا، وإنما وفق موازين القوى القائمة لحظة التفاوض.
وإذا نظرنا إلى اليمن اليوم كما هو، بعيدًا عن الشعارات والرغبات والانحيازات، سنجد حقيقة يصعب إنكارها: الحوثيون هم القوة العسكرية والسياسية الأكثر تماسكًا على الأرض، بينما تعاني قوى الشرعية من حالة ضعف وانقسام وارتهان جعلتها عاجزة عن فرض مشروعها أو حتى حماية كثير من مكتسباتها السابقة.
وفي المقابل، تقف السعودية أمام واحدة من أكبر مفارقات هذه الحرب.
فالدولة التي دخلت الحرب تحت عنوان مواجهة النفوذ الإيراني ومنع سقوط اليمن في قبضته، تجد نفسها اليوم أمام واقع يبدو فيه النفوذ الإيراني أكثر رسوخًا مما كان عليه يوم بدأت الحرب.
لقد امتلكت الرياض من الموارد والإمكانات والتحالفات ما لم يمتلكه خصومها، لكنها بعد سنوات طويلة من الحرب لم تنجح في إنتاج دولة يمنية قوية قادرة على ملء الفراغ ومواجهة الحوثيين.
بل انتهى المسار إلى نتيجة معاكسة تقريبًا: شرعية أكثر ضعفًا وتفككًا، وحوثيون أكثر خبرة وتسليحًا ونفوذًا وقدرة على فرض أنفسهم لاعبًا لا يمكن تجاوزه.
وسواء كان ذلك نتيجة أخطاء في التقدير، أو تضارب في الأولويات، أو استمرارًا لسياسات تعاملت مع اليمن بوصفه ساحة نفوذ ينبغي إدارتها أكثر من كونه دولة ينبغي تمكينها، فإن النتيجة النهائية باتت واضحة أمام الجميع.
وفي الجهة المقابلة، لا تنظر إيران إلى الحوثيين بوصفهم مجرد حليف محلي داخل اليمن، بل باعتبارهم أحد أهم أصول نفوذها الجيوسياسي في المنطقة.
فخلال سنوات قليلة تحولت الجماعة من قوة محلية متمردة إلى لاعب إقليمي يمتلك قدرة على التأثير في معادلات تمتد من البحر الأحمر إلى العمق الخليجي، ومن أمن الملاحة الدولية إلى المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة.
ولهذا فمن الصعب تصور أن تتخلى طهران بسهولة عن واحدة من أهم أوراقها الاستراتيجية، أو أن تقبل بتسوية تنتهي بتفكيك هذه الورقة دون مقابل كبير يتناسب مع قيمتها في حسابات الصراع الإقليمي والدولي.
وفي ظل هذه الوقائع، يصبح من المشروع أن نسأل:
إذا جاءت التسوية غدًا وفق موازين القوى الحالية، فما شكل الدولة التي ستولد منها؟
من السذاجة الاعتقاد أن جميع الأطراف ستخرج من التسوية متساوية النفوذ والتأثير.
فالتجارب السياسية تخبرنا أن الطرف الذي يمتلك القوة العسكرية الأكبر لا يتحول فجأة إلى لاعب عادي لمجرد التوقيع على اتفاق سياسي. بل ينتقل بثقله العسكري إلى داخل مؤسسات الدولة نفسها.
وحينها لا تعود المسألة مرتبطة بعدد الوزراء أو المقاعد البرلمانية أو المناصب الرسمية، بل بمن يمتلك القدرة الفعلية على فرض إرادته عندما تتعارض السياسة مع موازين القوة.
وهنا تكمن الحقيقة التي يحاول كثيرون تجاهلها:
إذا احتفظ الحوثيون بقوتهم العسكرية الحالية، أو بمعظمها، فإن الكلمة الأولى في الدولة القادمة لن تكون لمن يجلس في القصر الجمهوري أو يرأس الحكومة، بل لمن يمتلك القوة الضاربة لفرض إرادته على الأرض.
هذه ليست نظرية سياسية، بل قاعدة كررتها تجارب كثيرة.
ولعل التجربة اللبنانية تقدم مثالًا معروفًا على ذلك.
فلم يكن نفوذ حزب الله مستمدًا من عدد وزرائه أو مقاعده البرلمانية بقدر ما كان مستمدًا من حقيقة أنه القوة المسلحة الأبرز في البلاد. ولذلك لم تستطع الحكومات اللبنانية المتعاقبة تجاوز الخطوط التي يرسمها الحزب في القضايا المصيرية.
غير أن الحالة اليمنية قد تكون أكثر خطورة من الحالة اللبنانية نفسها.
فالحوثيون لم يعودوا مجرد جماعة مسلحة تنازع الدولة سلطتها، بل أصبحوا في مناطق سيطرتهم أقرب إلى دولة قائمة بذاتها تمتلك مؤسساتها وأجهزتها وأدواتها العسكرية.
وهم لا يملكون اليوم مجرد قوة محلية قادرة على التأثير الداخلي في اليمن، بل يمتلكون قدرات عسكرية جعلتهم فاعلًا حاضرًا في ملفات إقليمية تتجاوز حدود اليمن، من العمق السعودي إلى البحر الأحمر، ومن خطوط الملاحة الدولية إلى المواجهة المباشرة مع إسرائيل.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إزعاجًا:
إذا كان الحوثيون يمتلكون كل هذه القدرة وهم ما يزالون سلطة أمر واقع غير معترف بها بالكامل، فكيف سيكون وضعهم إذا خرجوا من الحرب محتفظين بقوتهم العسكرية، ومضافًا إليها اعتراف سياسي وشرعية تفاوضية ودور رسمي داخل الدولة؟
عندها لن تكون المسألة مجرد مشاركة في السلطة.
بل انتقال من مرحلة النفوذ المفروض بالقوة إلى مرحلة النفوذ المحمي بالقوة والمُشرعن سياسيًا في آن واحد.
وهنا تكمن المعضلة التي ينبغي أن تشغل اليمنيين وجيران اليمن معًا أكثر من أي شيء آخر.
فالخطر لا يتمثل فقط في أن الحوثيين قد يخرجون من الحرب أقوياء، بل في أن يخرجوا أقوياء ومعترفًا بهم رسميًا في الوقت نفسه.
وإذا حدث ذلك، فإن التسوية في هذه الحالة لن تكون استعادة للدولة، بل إعادة تعريف للدولة وفق موازين القوة التي أفرزتها الحرب.
ستظل هناك حكومة.
وسيظل هناك برلمان.
وربما تُجرى انتخابات.
وربما تُرفع شعارات الشراكة الوطنية والمصالحة والسلام.
لكن القرار الاستراتيجي للدولة سيبقى رهينًا للطرف الذي يمتلك عناصر القوة الحقيقية.
وعندها لن تكون مؤسسات الدولة مرجعًا أعلى لصناعة القرار، بل إطارًا سياسيًا يعمل داخل الحدود التي يرسمها الطرف الأقوى.
والأخطر من ذلك أن اليمن قد يتحول من ساحة نفوذ إيرانية متنازع عليها إلى منصة نفوذ إقليمية مستقرة ومُشرعنة سياسيًا.
فما عجزت الحرب عن منحه للحوثيين قد تمنحه التسوية.
وما كان يُنظر إليه خلال سنوات الصراع باعتباره أمرًا واقعًا مؤقتًا قد يتحول إلى حقيقة سياسية دائمة تحظى باعتراف إقليمي ودولي.
وهنا لا يعود السؤال متعلقًا باليمن وحده.
بل يمتد إلى أمن الجزيرة العربية والبحر الأحمر والممرات الدولية والتوازنات الإقليمية برمتها.
فالدولة التي تخرج من الحرب وفي داخلها قوة مسلحة تفوق الدولة نفسها لا تنتج استقرارًا حقيقيًا، وإنما تنتج استقرارًا هشًا مؤجل الانفجار إلى حين تغير موازين القوى أو تبدل الظروف الإقليمية.
ولهذا فإن الخطر الأكبر لا يكمن في أن الحرب قد تنتهي.
بل في أن تنتهي بطريقة تجعل نتائجها تتحول إلى حقائق دائمة.
فالحروب تنتهي عادة حين يعجز أحد الأطراف عن مواصلة القتال. أما الكوارث التاريخية فتبدأ حين تُمنح نتائج الحرب شرعية سياسية تجعل تغييرها لاحقًا أكثر صعوبة من الحرب نفسها.
وهنا تظهر المفارقة الأكثر مرارة بالنسبة للسعودية نفسها.
فإذا كانت الحرب قد خيضت أساسًا لمنع تشكل هذا الواقع، فإن التسوية المبنية على موازين القوى الحالية قد تنتهي إلى تثبيته لا إلى إنهائه.
أي أن التهديد الذي خيضت الحرب لمنعه قد يتحول من خطر عسكري مؤقت إلى نفوذ سياسي وأمني دائم ومُعترف به.
ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه كل يمني، وكل معني باستقرار المنطقة، ليس: متى ستأتي التسوية؟
بل: أي يمن ستُنتج هذه التسوية؟
لأن التسوية التي تُبنى على اختلال عميق في موازين القوة قد لا تكون بداية الحل، بل اللحظة التي تنتقل فيها المشكلة من ساحة المعركة إلى بنية الدولة ذاتها.
وحين يحدث ذلك، لن تكون الحرب قد انتهت فعلاً.
بل ستكون قد غيّرت شكلها فقط.
فالتاريخ لا يتذكر الحروب فقط، بل يتذكر أيضًا التسويات التي حوّلت نتائج الحروب المؤقتة إلى حقائق دائمة.