مقالات
تلويحة احترامٍ جليل للقعقاع عنتر
من برر مصير القعقاع عنترة بالفقر وصُناع الفقر، كلامه منطقي. ومن حاول أن يلومه لأنه غامر بحياته يومياً على حافة موت مؤكد، كلامه منطقي أيضاً.
لكني سأقول كلمة عنه، خارج حدّي المنطق الاعتيادي للرأيين في الترند. بل وخارج وعي القعقاع نفسه، وتفسيره الواعي لما كان يفعله.
الاستهانة بالحياة هي ذروة الجرأة الوجودية.
القعقاع، وهو يقف على طرف إصبع قدمه على حافة الهاوية البركانية، بملامحه الواثقة، كان يمارس - دون أن يعي ذلك - نوعاً من التحدي والتهكم على نمط الحياة الاعتيادية الحذرة، للميسورين والفقراء على حد سواء، وكلاهما يجمعهم الخوف. الأغنياء يخافون فقدان حياتهم المريحة، والفقراء يخافون انكشاف حياتهم على بؤس أشد.
واقفاً وظهره إلى النتوءات خلفه وتحته الموت المحتم، كان القعقاع عنترة يقولها كل يوم - في لا وعيه - للمتفرجين المذعورين ومن يفتحون عيونهم وأفواههم وهم يشاهدونه خلف الشاشات:
أنتم الذين تقيمون وزناً لكل خدش، وتخافون من هفة الريح، وتحرصون على أجسادكم في حياة رتيبة مصممة لكم سلفاً.. انظروا، هذه الحياة بأكملها التي تقدسونها، أضعها أنا تحت قدمي فوق قعر الجحيم البركاني.
القعقاع ثورة بدائية من الإنسان المتفوق، الذي يجد معناه الأسمى فقط عندما يضع حياته على المحك، حيث تصبح اللحظة على حافة الموت أكثر كثافة وحقيقية من سنوات العيش الطويلة والآمنة.
تلك القشعريرة التي تصيب الإنسان الاعتيادي بمجرد النظر إلى الحرضة هي رد فعل غريزي للخوف من الفناء.
أما القعقاع عنترة، فقد تحولت الهاوية عنده من مصدر رعب إلى شريك يومي في لعبة الرقص على حافة الموت.
هو، في وعيه، يدرك أنه يقوم بعملٍ ما يوفر له بعض ما يعينه وأسرته على قسوة الحياة. وأكثر من ذلك يدرك معنى الظهور والانتشار بين زحمة الترندات.
لكن فعله يحمل معنى أبعد من ذلك، ويدركه عقله الباطن.
التسلق حول فوهة بركانية مياهها تبتلع كل فرصة للنجاة يتطلب نوعاً من الألفة مع الموت؛ ألفةً تتجاوز حدود الوعي ببضعة آلافٍ من الريالات أجبره الفقر على المغامرة بأيامه للحصول عليها.
الحرضة البركانية كانت أقرب إليه من البشر الكثيرين حوله في هذه البلاد. ليست عدوه أبداً.
لقد كانت المرآة الأليفة التي يرى على صفحتها النارية قوته وتفرده وفعله الخارق.
النتوءات الوعرة والغادرة على حافة الموت البركاني كانت هي الحد الأقصى الذي يتحدى فيها ذاته كل يوم، وينتصر عليها. فعل يومي ينتصر من خلاله على الفقر والجوع وعلى العالم والحياة بكلها، الحياة التي لم يرَ منها سوى وجهها القاسي مرسوماً على ألواح الصفيح المسماة: بيته!
الشباب، بطبيعتهم، يحملون طاقة حيوية دافقة ومخيفة، وهي نفس الطاقة التي تدفع أبطال الأولمبياد أو متسلقي قمم الجبال لتحطيم الحدود البشرية. لكن الفارق الجوهري هو المسار المتاح.
من حصل على ثمان ذهبيات أولمبية دفعة واحدة وجد مساراً يحتضنه ويوفر له فرصة لإبراز قوته، وكاميرات وشاشات تمجد فعله.
في وضع القعقاع عنتر لا مسارات تستوعب قوته المحتدمة.
ذاته الخارقة المحتدمة بطاقة جبارة، وجدت نفسها في بيئة تفتقر للمؤسسات والمسارات المصممة لاستيعابها، فاختار أن يشق لنفسه مساراً بدائياً أصيلاً ومرعباً في الأفق المتاح أمامه: حواف حرضة دمت البركانية.
خلفه منزل من الصفيح.. وأمامه فوهة بركان تمثل المتسع الرهيب الذي اختبر فيه قوته الذاتية.
لقد صنع من تلك الحافة مسرحاً لإثبات جدارته بالوجود، متجاوزاً ضيق العيش إلى رحابة النجومية والبطولة الوجودية.
في داخل روحه كإنسان، حمل القعقاع عنتر قوة دافعة استثنائية، ومخيفة. لم يقبل أن يكون هامشياً غير مرئي. ولم يقبل بخيارات الموت والانتحار المقنع، بأشكاله المختلفة المعروضة أمام الشباب في بلد تتضاءل فيه فرص الحياة الكريمة يوماً بعد آخر.
لقد اختار حواف حرضة تجلب القشعريرة لمن يشاهدها عن بُعد ليقول للجميع:
أنا هنا.
أختار الذهاب يومياً لرؤية الموت وجهاً لوجه وهو يرقص ويضحك ويلعب، ليقول للجميع:
شاهدوني وأنا أدوس الموت تحت قدمي، فأنا لا أخافه مثلكم.