مقالات

المنتدى اليمني التركي.. دبلوماسية تتجاوز البروتوكول إلى فضاء الحضارة

23/08/2026, 21:23:37
بقلم : طلال جامل

لم تعد الدبلوماسية في عالم اليوم محصورة في اللقاءات الرسمية والبيانات السياسية وقاعات الاجتماعات المغلقة. فالعلاقات بين الدول، مهما بلغت أهميتها السياسية، تظل أكثر رسوخاً حين تجد طريقها إلى وجدان الشعوب عبر الثقافة والفن والأدب والذاكرة المشتركة.

من هذه الرؤية انطلقت فكرة المنتدى اليمني التركي الذي اقيم مطلع الشهر الجاري بمبادرة من سفارة الجمهورية اليمنية في أنقرة وبرئاسة السفير محمد صالح طريق لتقديم نموذج مختلف للعمل الدبلوماسي نموذج ينتقل من حدود البروتوكول التقليدي إلى رحابة الدبلوماسية الثقافية والحضارية ويبحث عن المشترك الإنساني الذي يمكن أن يبني جسوراً أبقى من المصالح العابرة.

جاء المنتدى لوحة جمعت السياسة بالفن والفكر بالأدب والتاريخ بالحاضر ..  حضر السياسي إلى جوار الفنان والدبلوماسي إلى جوار الأكاديمي والمثقف..  في مشهد لم يكن هدفه إقامة فعالية عابرة بقدر ما كان محاولة لصناعة مساحة جديدة تتحدث فيها اليمن وتركيا بلغة تتجاوز الخطاب الرسمي إلى لغة الثقافة والذاكرة والإنسان.  وكان اليمن في قلب هذه اللوحة.

لم يظهر اليمن باعتباره بلداً أنهكته الحرب كما تختزله بعض الصور المتداولة، وإنما وطناً ضارباً في أعماق التاريخ وموطناً لحضارات كبرى تركت بصمتها في الجزيرة العربية ومسارات التجارة والثقافة الإنسانية. فمن سبأ ومعين وقتبان وحضرموت وحمير إلى سد مأرب وطرق البخور واللبان، ومن صنعاء وشبام إلى عدن والمخا ظل اليمنيون على مدى العصور جزءاً فاعلاً من صناعة الحضارة والتجارة والعمران وانتقال المعرفة بين الأمم.

وهنا تكمن إحدى أهم رسائل المنتدى أن تعريف العالم باليمن لا يبدأ من الحرب بل من الحضارة. فالحروب مراحل مهما طالت أما هوية الشعوب فأعمق من أزماتها. واليمن الذي يمر اليوم بواحدة من أصعب محطات تاريخه يظل هو ذاته اليمن الذي صنع التجارة القديمة وشيد المدن، وابتكر أنظمة الري، وحمل البن من جباله وموانئه إلى العالم، وترك أثراً ثقافياً وإنسانياً يتجاوز حدوده الجغرافية.

ومن خلال الأفلام والموسيقى والكلمة والصورة والنقاش الفكري استطاع المنتدى أن يعيد تقديم هذه الصورة بلغة هادئة وبسيطة. لم تكن الثقافة زينة تضاف إلى برنامج دبلوماسي، بل كانت هي الرسالة نفسها؛ لأن الصورة والموسيقى والحكاية تستطيع أحياناً أن تقول ما تعجز عنه عشرات البيانات السياسية.

وهذه هي الدبلوماسية غير التقليدية في جوهرها أن تنتقل الدولة من مخاطبة المؤسسات وحدها إلى مخاطبة المجتمع ومن الدفاع عن مواقفها إلى التعريف بذاتها، ومن إدارة العلاقات الرسمية إلى بناء مساحات من الفهم والقرب والثقة.

وفي العلاقة اليمنية التركية تبدو هذه المساحة أكثر أهمية فبين البلدين امتداد تاريخي وإنساني وثقافي عميق لا تختصره الحسابات السياسية الراهنة. والمنتدى لم يصنع هذه العلاقة لكنه أعاد إضاءتها وفتح نافذة جديدة للنظر إليها من زاوية التاريخ والثقافة والمستقبل المشترك.

لقد ترك المنتدى أثراً لدى الحاضرين لأنه لم يقدم خطاباً دبلوماسياً جامداً بل قدّم اليمن كحكاية حضارة، وتركيا كشريك في مساحة واسعة من التاريخ والتفاعل الإنساني. وفي ذلك تكمن قوة مثل هذه المبادرات فهي لا تقيس نجاحها بعدد الكلمات التي قيلت، وإنما بما يبقى في ذاكرة الناس بعد انتهاء الكلمات.

الدبلوماسية الثقافية ليست بديلاً عن السياسة لكنها تمنح السياسة روحاً وعمقاً. وقد تتغير المواقف والمصالح لكن الجسور التي تبنيها الثقافة بين الشعوب تظل أكثر قدرة على الصمود.

ومن هنا يمكن النظر إلى المنتدى اليمني التركي باعتباره أكثر من فعالية ثقافية أو مناسبة دبلوماسية إنه محاولة لفتح نافذة أخرى لليمن نافذة تقول للعالم إن هذا البلد الذي يتصدر الأخبار بسبب الحرب هو قبل ذلك كله بلد حضارة، بل ومن البلدان التي أسهمت في صناعة الحضارة الإنسانية. وتلك، ربما هي الرسالة الأجمل التي يمكن للدبلوماسية أن تحملها.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.