مقالات

اتبعوا حدسكم الوجودي فقط

20/08/2026, 19:32:52

وجود الدولة في اللحظة الراهنة من حياة كوكبنا هذه مسألة وجودية للمجتمع، وليست ترفًا سياسيًا. دولة قوية بمؤسسات تحتكر العنف، وتحمي الناس من الناس، وتدير الموارد، وتنتظم بالقانون.

دولة تستطيع تخصيص الموارد وجلبها من الخارج، وتسيير تعاون دولي لضمان حياة الناس. ليس لضمان الرفاهية، بل الوجود عينه.

أمام الكوارث الطبيعية، وتقلبات المناخ، وانتشار الأوبئة والأمراض، وشح الغذاء، لا بد من دولة.

أي نضال لا يقود إلى هذه الفكرة يمثل مشاركة ناعمة في الفناء. والجدل الذي يُخاض لكبح الناس عن الدفاع عن تكوين دولة هو مشاركة ضمنية في القتل والتدمير.

يقف اليمنيون أمام مفترق طرق: إما دولة يشاركون في تشييدها، مع أخذ مراحل بناء الدولة بعين الاعتبار، وصعوبة هذا المسار ومشقته، أو العودة إلى الماضي الكهنوتي، حيث الدولة عصابة جباية باسم الله ورسوله، والمجتمع يرعى نفسه ويواجه المجاعة والموت والفقر.

هناك مشروعان الآن: دولة هشة وممزقة، فيها هامش للبناء، أو مشروع عودة إلى الماضي.

لا تعاني الجماعة الحوثية من شح الموارد، بل هي في وفرة منها، لكنها لا تهتم بالمجتمع. هي معنية بتشييد منظومة حكم مخصصة لنفع شريحة محددة. امتنعت الجماعة الحوثية، بقرار وإرادة، عن تسديد أي التزامات تجاه الناس: رواتب المعلمين، ورواتب الأطباء، وشق الطرقات، وبناء المدارس، وتوفير السلع، وتوفير اللقاحات، وخصصت قرابة 80 مليار دولار للمجهود الحربي، بمعدل ثمانية مليارات دولار سنويًا. ومع هذا تطالب بالرواتب من الحكومة.

استطاعت تحصيل هذه الموارد، لكنها ترفض صرفها إلا فيما يضمن بقاءها فوق المجتمع واحتياجاته.

جميعنا يطالب الحكومة بتقديم نموذج حكم جاذب، لكن لا أحد يطالب الحوثية بتقديم نموذج حكم جاذب أو احترام القانون وعدم مساس هامش حرية الناس ومعتقداتهم وآراءهم السياسية. لا أحد يطالبها بأن تحكم بالقانون وتتحمل المسؤولية، مع أنها تتوفر على موارد أكثر من الحكومة.

لا يكفي تصنيفها مليشيا. هي ليست كذلك في بنيتها وما تتوفر عليه من موارد. هي بمقومات دولة، وعليها أن تفي بالتزاماتها أو تترك الحكم لغيرها.

الصحفي والمثقف والباحث والسياسي والضابط ورجل الأعمال الذي يتهرب من مسؤوليته الآن بحجة أن مشروع الدولة القائمة لا يرتقي إلى معايير النقاء الخاصة به، يقف، بطبيعة الحال، في صف الحوثية، ولكن بخطاب ناعم وتوليفة خطابية تدليسية مفضوحة.

من يفعل ذلك، وإن تعذر بالسلام أو بالسيادة، فهو يمارس استعلاءً بغيضًا، متعاليًا عن حاجة اليمنيين الجماعية إلى بناء دولة لكل اليمنيين، تحميهم وتضمن وجودهم. يتعالى على اليمنيين ونضالهم لأن اللحظة لا تناسب مزاجه، ولأن المعركة ليست على مقاسه.

يتعالى على الجغرافيا والتاريخ حين يجعل الشرط الأول للاستقامة هو عداء الجوار. يحشر الجميع في ورطة ليست ورطتهم حين استجاروا بالسعودية.  إنما غايته عزل الناس وحكومتهم عن أي سند لتواجه جماعة تحشد التاريخ والدين وإيران وميليشيات عابرة للدول لتخوض حرباً همجية على الجميع بلا استثناء.

ويمارس وصاية سياسية وثقافية على الناس حين يحدد لهم أطر النضال اللازمة، ويسفّه جهودهم وإرادتهم. يقصيهم حين ينظر إليهم على أنهم ضحايا لمعركة لا تخصهم وليسوا طرفًا فيها. يريد إطباق حصار عليهم يبعدهم عن الحقل السياسي رغم أن الحرب تدور على رؤوسهم ولحكمهم والتحكم بهم.

يشوش على أذهانهم بخلط كل الأوراق، ويساوي بين هذا وذاك. يعبث بمسرح الجريمة التاريخي حين يرفض تحديد زمن بداية الخراب، ويتهرب من توصيف المعتدي وتشخيصه. يلجأ إلى حيلة سامجة حين يقول : الكلّ سواء.

يتهرب من النظر إلى جرائم وأفعال وتجاوزات طرف ويغض الطرف عن أوجاع الناس ومعاناتهم أو يتقاعس عن البحث عنها والاستماع للأنين المكبوت.

يحتكر المرجعية الأخلاقية، بازدراء فكرة النضال المسلح أمام وحشية بربرية خارجة عن التراضي الاجتماعي والسياسي، متنحيًا عن إدراك حقيقة الحرب التاريخية في بناء الأمم. يخرج عن موضوعيته واستقامته  حين ينظر إلى القتلى على أنهم أعداد فائضة، ويزدري الجرحى الذين اعتُدي عليهم في بيوتهم وأملاكهم. يعتل ميزانه عن يضع المعتدي والمعتدى عليه في كفة واحدة.

غير راضٍ عن الجبهة الإعلامية أو الثقافية، لكنه لا يريد أن ينخرط فيها، بل يحتقرها ويلمزها بالارتهان، وقد أخلى مكانه وأحجم عن الاشتباك الحقيقي مع قضايا الناس. لم يدرك أن عجلة التاريخ يمكن أن تتجاوزه، أو أن يهال عليه تراب الزمن.

يتذاكى على حدس الشعب ويتصور أن كلماته المرصوصة بعناية وتنميق ومواقفه الملونة بالوان هادئة يمكن أن تخدع الشعب كل الوقت وطول الوقت.

مقالات

هل تستعيد الدولة اليمنية فرصتها؟

السلام الذي يجمّد توازنات القوة المسلحة لا ينهي الحرب، وإنما يؤجلها؛ أما السلام الحقيقي فيبدأ حين تصبح الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار، وتتحول المنافسة من الجبهات إلى المؤسسات.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.