مقالات

الزعامات النسائية تعيد اكتشاف اليمن (٢-٢)

02/09/2026, 11:20:59
بقلم : يزن زياد

 تمضي السلسلة التاريخية من بلقيس إلى أروى الصليحية، ومن الذاكرة الشعبية إلى المرأة اليمنية الحديثة. ولا ينبغي أن نتعامل مع هذه الشخصيات باعتبارها سلسلة متجانسة سياسيًا؛ فبلقيس شخصية قرآنية يحيط بتفاصيل تاريخها نقاش، وأروى تنتمي إلى عصر مختلف كليًا، وغزال وهيلة تنتميان إلى الموروث الشعبي، بينما تنتمي القيادات المعاصرة إلى الدولة الحديثة والحركة السياسية والمدنية.

لكن بينها خيط واحد: المرأة اليمنية لم تكن دائماً خارج الفعل العام. لقد حضرت بأشكال متعددة: ملكة، وحاكمة، وشاعرة، وناشطة، وأكاديمية، ودبلوماسية، ووزيرة، وصانعة سلام. وهذا وحده كافٍ لإعادة النظر في الفكرة السائدة التي تصور خروج المرأة إلى المجال العام بوصفه "ظاهرة دخيلة".

 

تحول نوعي 

في العصر الحديث، يصعب الحديث عن الزعامة النسائية اليمنية دون التوقف عند توكل كرمان. فقد ارتبط اسمها بثورة 11 فبراير الشبابية الشعبية السلمية عام 2011 التي نتج عنها تغيير اجتماعي وسياسي يكاد يكون جذرياً في بلادنا. وأصبحت لاحقاً أول امرأة عربية وثاني امرأة مسلمة تفوز بجائزة نوبل للسلام، بالمشاركة مع إلين جونسون سيرليف وليما غبوي، تقديراً لدورها القيادي والريادي في النضال السلمي.

وهنا حدث تحول نوعي، حيث لم تعد المرأة اليمنية مجرد فاعل محلي داخل المجتمع اليمني. لقد صار صوتها حاضراً في المجال الدولي عابراً للجغرافيا والانتماءات السياسية والعرقية إلى المجال والفضاء الانساني الأوسع حيث انتقلت من ساحة صنعاء إلى المنابر العالمية، ومن النقاش الداخلي حول مستقبل اليمن إلى نقاش دولي حول الديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام في العالم أجمع.

قد يختلف اليمنيون حول مواقفها السياسية، وهذا حق مشروع. لكن الاختلاف السياسي لا يمحو الحقيقة التاريخية البسيطة: إن امرأة يمنية أصبحت واحدة من أبرز الوجوه العالمية المرتبطة بالنضال السلمي في القرن الحادي والعشرين. وهذه حقيقة تتجاوز الأشخاص إلى دلالتها الرمزية على مكانة المرأة اليمنية.

ثم تأتي أفراح عبد العزيز الزوبة في لحظة شديدة الدلالة. ففي يوليو 2026 أصبحت أول امرأة يمنية تتولى حقيبة الخارجية في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً بعد مسار مهني طويل في الإدارة العامة والتخطيط والتنمية وبناء السلام، وشغلت قبل ذلك وزارة التخطيط والتعاون الدولي، كما كانت النائب الأول للأمين العام لمؤتمر الحوار الوطني وعضواً في لجنة صياغة الدستور. وهذه ليست مجرد "سابقة نسائية".

إن حقيبة الخارجية تحديداً من أكثر الحقائب تعبيرا عن سيادة الدولة وقرارها الخارجي وصورتها أمام العالم. فحين تجلس امرأة يمنية على رأس هذه الوزارة، فإن المسألة لم تعد مجرد مشاركة المرأة في الدولة. بل وصلت المرأة اليمنية إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في هندسة الدولة نفسها.

وفي الاتجاه نفسه تأتي جميلة علي رجاء، ففي أبريل من هذا العام أدت اليمين سفيرة فوق العادة ومفوضة للجمهورية اليمنية لدى الولايات المتحدة، كأول امرأة يمنية تتولى سفارة اليمن في واشنطن عاصمة القرار الدولي، ثم قدمت أوراق اعتمادها للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض في 23 مايو 2026.

وهنا أيضاً تتجاوز المسألة فكرة "وجود امرأة في منصب". فالسفير يمثل الدولة أمام واحدة من أهم عواصم العالم. إنه يتحدث باسم اليمن، ويشرح مصالحها، ويدافع عن موقفها، ويفاوض باسمها، ويحمل صورتها السياسية إلى الخارج. أي أن المرأة اليمنية هنا لا تجلس فقط في مجلس الرجال. إنها تجلس في مجلس الدول.

هذه النماذج لا تمثل حالات منفصلة، إنها جزء من مسيرة متواصلة، وفي هذا السياق يمكن التذكير بعدد من النساء اللواتي كان لهن حضور في المجال العام، من أمثال أمة العليم السوسوة، ووهيبة فارع، وحورية مشهور واسمهان العلس، ورضية شمشير، ونجاة جمعان، وشفيقة الوحش، وفريدة اليريمي، وبلقيس اللهبي، وسامية الأغبري، ومعين العبيدي، وبلقيس أبو أصبع، وبشرى المقطري، وأروى عثمان، والشهيدة افتهان المشهري...الخ.

بالعودة إلى ألفت الدبعي، فكما هو واضح، فليست حالة معزولة، فهي أكاديمية تدخل مجالس الوجاهات، وتجلس مع الرجال، وتناقشهم، وتصغي إليهم، وتحاول أن تبني جسوراً بين المجتمع والأجهزة الأمنية، وبين المتباعدين سياسيا، وبين مناطق أثقلتها الحساسية والانقسام. ومع ذلك، لا مشكلة أن يختلف الناس حولها، فمن حقهم أن يختلفوا. كما أنه لا مشكلة، أن ينجح عملها في ملف، ويفشل في أخر. بعبارة أخرى، إن سؤال "لماذا تحضر مجالس الرجال" ليس السؤال الصحيح، السؤال الصحيح هو ماذا فعلت في هذه المجالس؟ هل قربت بين المختلفين، هل خففت من الاحتقان؟ هل ساعدت في بناء الثقة؟ هل أسهمت في حل نزاعات؟ هل جعلت الدولة أقرب إلى المجتمع؟ إن كانت الإجابة نعم، فقد فعلت ما ينبغي على أي قائد مجتمعي أن يفعله، بصرف النظر عن كونه رجلاً أو امرأة.

إن الزعامة النسائية ليست زينة وطنية، بل أخطر ما يمكن فعله تجاه النساء القياديات هو تحويلهن إلى "رموز جميلة"، فالرمز لا يكفي، فاليمن يحتاج إلى قيادات تستطيع العمل، واحدة تستطيع التفاوض، وأخرى تستطيع الإدارة، وثالثة تستطيع بناء السلام، ورابعة تستطيع تمثيل الدولة في الخارج، وخامسة تستطيع إدارة المؤسسات، وسادسة تستطيع أن تنزل إلى المجتمع وتفهم تركيبته. كما هي اخرى في الحقل تزرع وتجلب الحطب وتطعم الماشية والأطفال معاً. وأخرى تقاوم مرارة الفقد، فهذه أرملة لأحد ضحايا الحرب القذرة، وأخرى ثكلى، وطفلة يتيمة لذات السبب. إننا لا نحتاج يا سادة إلى أن نضع المرأة في واجهة الصورة كي نقول إننا مجتمع متقدم. نحتاج إلى أن نمنحها حق المشاركة في عملية صناعة القرار

 

صلات بين الماضي والحاضر 

قد لا تكون هناك صلة مباشرة بين الملكة أروى وتوكل كرمان وألفت، ولا بين غزال المقدشية وأفراح الزوبة، ولا بين هيلة الجبنية وجميلة رجاء. لكن ثمة صلة أعمق: أن كل واحدة منهن وسعت -بطريقتها- الحدود التي كان المجتمع يتخيل أن المرأة تستطيع الوصول إليها. واحدة قالت شعراً، وأخرى حكمت، وثالثة ثارت سلميا، ورابعة تولت وزارة، وخامسة تمثل بلادها في واشنطن. وأخرى تنزل اليوم إلى قرى تعز ومجالسها لتبحث عن طريق للصلح. وغداً ستكون في حضرموت، وصنعاء، ولحج، وصعدة.

ويكفي أن نستعيد قصة ملكة سبأ في القرآن الكريم، فالقرآن لم يقدمها شخصية هامشية تنتظر أن يتخذ الرجال القرار عنها، بل يقدمها في قلب عملية القرار. تستشير قومها "ما كنت قاطعة امراً حتى تشهدون"، وتقرأ ميزان القوة وتحذر من نتائج الحرب "إن الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة". ثم بعد الاستشارة، تختار المسار السياسي الذي تراه أصلح "إني مرسلة إليهم بهدية فناظرةٌ بما يرجع المرسلون"، الآية الكريمة في القرآن الأهم في هذا السياق ربما ليست أنها ملكة، بل قولها: "ما كنتُ قاطعةً أمراً حتى تشهدون". إنها صورة للسلطة القائمة على المشاورة والحساب السياسي وقراءة نتائج الخيارات، لا على الانفعال. ولا يلزم من ذلك أن نجزم بكل التفاصيل التاريخية المتداولة حول شخصية بلقيس؛ فالهوية التاريخية الدقيقة للملكة القرآنية ما تزال موضوع نقاش، وإن كانت مملكة سبأ نفسها مرتبطة تاريخياً باليمن القديم ربما أكثر من ثلاثة ألف سنة.

ثم تأتي أروى الصليحية "سيدة بنت احمد الصليحي"، المثال التاريخي الأكثر وضوحاً وتوثيقاً. امرأة حكمت اليمن في القرن الحادي عشر والثاني عشر، وأصبحت الحاكمة الفعلية للدولة الصليحية، وظلت في السلطة حتى وفاتها عام 1138. وتخصص لها الدراسات الأكاديمية الحديثة يمنياً وعربياً مساحة معتبرة باعتبارها حالة نادرة للسلطة النسائية في التاريخ الإسلامي واليمني، ولم يقتصر أثرها على السياسة.

فجبلة نفسها مرتبطة باسمها، وتوثق اليونسكو صلتها بتأسيس المدينة في القرن الحادي عشر، فيما بقي مسجد الملكة أروى والسواقي والطرقات شاهدًا عمرانيًا على حضورها في التاريخ اليمني، بالتوازي مع حضور سياسي وسلطوي في العدالة الاجتماعية والتعليم والأوقاف وغيرها من المآثر؛ أي أن المرأة التي كان يمكن أن يقال لها اليوم: "لماذا تدخلين مجلس الرجال" كانت في الماضي تبني المدينة نفسها!!  إن الدرس الأهم من التاريخ ليس أن المرأة كانت دائما أفضل من الرجل، ولكن الدرس أن القيادة في بلادنا لم تكن حكرا أبدياً على الرجال، وهذا وحده كافٍ لإسقاط الادعاء بأن مشاركة المرأة في صناعة القرار تناقض الطبيعة اليمنية.

في المجتمعات المستقرة، توجد مؤسسات تقوم بجزء كبير من مهمة الوساطة. أما في المجتمعات المنقسمة، فتزداد أهمية الشخصيات القادرة على وصل المساحات المنفصلة: الأكاديمي بالمجتمع، الدولة بالوجاهة، الأمن بالمواطن، الحزب بالمدني، والنخبة بالناس. وهنا تصبح المصالحة وظيفة اجتماعية قبل أن تصبح وظيفة سياسية. ولذلك فإن نجاح أي قيادة نسائية في هذا المجال لن يقاس بعدد صور الاجتماعات أو طبيعة أماكن تلك الاجتماعات، بل سيُقاس بقدرتها على إنتاج الثقة. وبقدرتها على جعل المختلفين يتحدثون معا. وبقدرتها على منع الخلاف من التحول إلى خصومة اجتماعية دائمة، وبقدرتها في النهاية على تقريب الدولة من المجتمع.

وتشير خبرات الأمم المتحدة في اليمن إلى أن النساء شاركن بالفعل في حل النزاعات المحلية وبناء السلام المجتمعي، وأن هذا الدور كان في بعض المناطق مستمرا حتى خلال مراحل الحرب. كما تشير برامج الأمم المتحدة الأحدث إلى الحاجة إلى نقل هذا التأثير من المستوى المحلي إلى مستويات أوسع من صنع القرار، فالمرأة لا تحتاج إلى مقعد، بل إلى مساحة تأثير. وهنا يجب أن نخرج من الخطاب التقليدي حول "تمكين المرأة". لأن المشكلة في رأيي لم تعد فقط في غياب المرأة عن المناصب، لكنها في أن بعض النساء حين يصلن إلى تلك المواقع يُراد لهن أن يبقين بلا تأثير حقيقي، أو يكن جزءا من الصورة لا من القرار، أن تُحسب نسبتهن، لا أصواتهن، أن يُقال إنهن موجودات، دون أن يُسمح لهن بإعادة تعريف الأولويات، وهذا ما يجعل فكرة "الزعامة النسائية" أكثر أهمية من مجرد "المشاركة النسائية"، فالزعامة تعني أن تكون المرأة صاحبة رؤية، وصاحبة شبكة ثقة، وقادرة على الوساطة، وقادرة على الاختلاف، وقادرة أيضاً على تحمل النقد والمساءلة، وهذا هو الطريق الذي بدأ عدد من النساء اليمنيات في شقه خلال العقود الأخيرة.

مقالات

هذا ما تملكه تركيا وتفتقده إسرائيل

تؤمن تركيا بأن استقرار الدول المجاورة وازدهارها يصبان في مصلحة أمنها ورفاهها. ولذلك تنفذ مشروع «ممر التنمية» لدعم التنمية الاقتصادية في العراق، كما تدافع عن وحدة الأراضي السورية وتدعم جهود الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في سوريا.

مقالات

كان يقال : في اليمن لا تشعر أنك غريب!

عندما نستحضر العنصرية التي اندلعت من فئات وجهات ضد بقية أهل اليمن، في السنوات الخمس عشرة الماضية، فلا نستغرب أن يحصل تجاوز وظلم بحق طالبة عربية من سوريا الشقيقة والعزيزة بحق.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.