مقالات

الخليج تحت الضغط: كيف حوّلت إيران فجوات الإقليم إلى طوق حول السعودية؟

29/07/2026, 12:45:19

كشفت حرب 2026 قدرة طهران على إحداث أذى واسع بأدوات محدودة الكلفة، مستفيدة من تركز المصالح والمنشآت الحيوية الخليجية في نطاقات ضيقة، واعتماد اقتصادات المنطقة على استمرار الطاقة والملاحة والتجارة من دون اضطراب. ويمثل الأمن والاستقرار رأسمالًا رئيسيًا لدول الخليج؛ فأي اهتزاز في صورتهما ينعكس سريعًا على الأسواق والتأمين والاستثمار والعمالة الأجنبية.

 

تملك دول مجلس التعاون مؤسسات دفاع مشترك وقدرات تسليحية متقدمة، فيما بقي عملها أقرب إلى الاستجابات الوطنية والثنائية منه إلى منظومة عمليات موحدة. وأصبحت السعودية الهدف الأهم للضغط الإيراني؛ فهي مركز الثقل الخليجي، وصاحبة أكبر طاقة تصديرية، والدولة الأقدر على تشكيل جبهة عربية توازن إيران.

 

حدود التضامن الخليجي

 

أظهرت الهجمات الإيرانية وهجمات الجماعات المرتبطة بطهران فجوة بين التضامن السياسي والعمل العسكري المشترك. أكد مجلس التعاون مع الأردن، في 23 يوليو، «حق الدفاع عن النفس، فرادى أو جماعات»، وأعلن تضامنه مع السعودية. وبقيت إدارة الخطر وطنية أو ثنائية، مع اعتماد أساسي على الولايات المتحدة في الإنذار المبكر والاعتراض والرد.

 

تملك دول المجلس اتفاقية للدفاع المشترك، وقوات درع الجزيرة، وقيادة عسكرية موحدة، ومشروعات للإنذار والربط الدفاعي. وخلال الحرب لم تظهر هذه المؤسسات كقيادة عمليات تدير مسرحًا واحدًا، وتوزع الأهداف وذخائر الاعتراض، وتحدد قواعد التعامل مع الهجمات المنطلقة من إيران أو العراق أو اليمن. وظل التضامن موقفًا سياسيًا لم يكتسب قوة الردع العسكري الجماعي.

 

فاقم هذا الخلل بحث بعض الدول عن ترتيبات منفردة مع طهران. وفي 12 يونيو، نقلت رويترز عن أربعة مصادر أن الإمارات وافقت على الإفراج تدريجيًا عن 10 إلى 20 مليار دولار مقابل وقف الهجمات وإعادة بناء العلاقات، وأن أكثر من 3 مليارات أُتيحت بالفعل. ولم تحدد الوكالة ملكية الأموال، فيما نفت أبوظبي أي تحويل. وتزامنت الاتصالات، وفق تسلسل رويترز، مع توقف الهجمات على الإمارات وتحول ثقلها نحو الكويت والبحرين، بما عزز اتجاه كل دولة إلى تأمين نفسها عبر قنواتها الخاصة.

 

وتدير عُمان علاقتها بإيران من موقع يجمع الجغرافيا بالمصلحة والوساطة. وقد شكل البلدان مجموعة عمل لبحث إدارة الملاحة في هرمز، فيما رفضت مسقط الرسوم الإلزامية وتمسكت بالقانون الدولي. وأدى تعدد المسارات إلى تفاوت التعرض للخطر؛ فبقيت السعودية والكويت والبحرين تحت ضغط إيران وأذرعها، واتسع هامش الحركة أمام الإمارات وعُمان.

 

العمق العربي المنكشف

 

بدأ الخلل الأوسع في العراق بعد غزو 2003. فقد فتح تفكيك الجيش وأجهزة الدولة وإعادة بناء النظام على المحاصصة المجال أمام أحزاب وفصائل نشأت في إيران أو ارتبطت بها. واتسع نفوذ طهران بعد صعود تنظيم الدولة الإسلامية ودمج فصائل شيعية في هيئة الحشد الشعبي، مع احتفاظ بعضها بقياداته وشبكاته وصلاته العملياتية بالحرس الثوري.

 

أنتج هذا المسار سيادة مجزأة. تحتفظ الدولة العراقية بمؤسساتها الدستورية وعلاقاتها الخارجية ومواردها النفطية، وتملك الحكومة هامشًا للموازنة بين إيران والولايات المتحدة ودول الخليج. وفي المجال الأمني، تعمل فصائل مسلحة من داخل الدولة وخارج تسلسلها الفعلي، وتملك قدرة على تعطيل قرارات الحكومة أو تنفيذ عمليات تتعارض مع سياستها المعلنة. ومن ثم يتركز النفوذ الإيراني في شبكات السلاح والأحزاب والقدرة على التعطيل، من دون أن يشمل جميع مؤسسات الدولة أو يلغي استقلال الفاعلين العراقيين.

 

تمثل الهجمات الأخيرة المنطلقة من العراق، وفق الرواية السعودية والأمريكية، نتيجة مباشرة لهذا الانقسام في السلطة الأمنية. ففي 28 يوليو نفذت القوات السعودية والأمريكية ضربات ضد مواقع قالت القيادة المركزية الأمريكية إن الحرس الثوري وجّهها لمهاجمة القوات الأمريكية والبنية النفطية السعودية. نفت إيران صلتها بالمقذوفات، واحتجت هيئة الحشد الشعبي على استهداف مقراتها. وتكشف الواقعة حدود سيطرة بغداد على المجال الأمني، وقدرة الفصائل المرتبطة بإيران على استخدام الأراضي العراقية خارج مقتضيات السياسة الرسمية للدولة.

 

وفي اليمن، أتاح انهيار الدولة وتعدد التشكيلات المسلحة لمليشيا الحوثي بناء سلطة عسكرية على حدود السعودية وبالقرب من باب المندب. وأسهم الدعم الإيراني في تطوير قدراتها الصاروخية والبحرية، بالتوازي مع تفكيك المعسكر المناهض لها وإضعاف الحكومة المعترف بها دوليًا.

 

دخلت الإمارات اليمن ضمن تحالف أعلن أن هدفه إعادة الحكومة الشرعية، ثم بنت بنية عسكرية وسياسية موازية أضعفت الحكومة وقلصت سلطتها. فقد أنشأت ومولت ودربت تشكيلات عملت خارج السيطرة الفعلية لوزارتي الدفاع والداخلية، منها الحزام الأمني والنخب المحلية، ودعمت المجلس الانتقالي الجنوبي ومشروعه الانفصالي. وقرر فريق خبراء الأمم المتحدة أن بعض هذه القوات، وإن أُدرجت اسميًا ضمن مؤسسات الدولة، خضعت فعليًا لقيادة عملياتية إماراتية.

 

استُخدمت هذه التشكيلات في الصراع على عدن وشبوة وسقطرى وحضرموت، وفي إخراج الحكومة من مؤسسات ومواقع وموانئ ومعسكرات تابعة لها. وأفضى ذلك إلى تفكيك سلسلة القيادة الحكومية، وتجزئة المناطق المحررة، وتحويل جزء من السلاح والموارد بعيدًا عن جبهة الحوثيين. وفيما انشغل خصوم المليشيا بصراعات السيطرة والنفوذ، احتفظ الحوثيون بقيادة مركزية وواصلوا تطوير قدرتهم على تهديد السعودية وباب المندب.

 

أسهم المساران الإماراتي والسعودي في إضعاف المعسكر المناهض للحوثيين بوسائل مختلفة. بنت الإمارات القوات الموازية، ورعت المشروع الانفصالي، واستخدمته ضد الحكومة التي دخل التحالف لإعادتها. وأخفقت السعودية، بصفتها قائدة التحالف، في منع تقويض الشرعية وتوحيد القوات وتنفيذ اتفاق الرياض، ثم اتجهت إلى التفاوض المنفرد مع الحوثيين من دون بناء جبهة يمنية متماسكة.

 

يمثل السودان الحلقة الأبعد في العمق العربي المتصل بأمن الخليج. فاستمرار الحرب يضعف الدولة الواقعة على الضفة الغربية للبحر الأحمر ويفتح الموانئ والسواحل للتنافس الخارجي والتهريب والجماعات المسلحة. واتهم خبراء أمميون وأعضاء في الكونغرس الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، وهو ما تنفيه أبوظبي. وتنبع أهمية السودان من موقعه المقابل للساحل السعودي، وارتباط استقراره بأمن الموانئ ومسارات التجارة ومنع تحول البحر الأحمر إلى فضاء تتقاسمه القوى الخارجية والجماعات المسلحة.

 

قدرة الإيذاء ونقاط الحساسية الخليجية

 

أنفقت السعودية، وفق تقديرات معهد ستوكهولم، نحو 83.2 مليار دولار عسكريًا في 2025، مقابل 7.4 مليارات دولار للإنفاق الإيراني المعلن، مع وجود تمويل إيراني خارج الموازنة لبرامج الصواريخ والمسيّرات. وتكشف هذه الفجوة أن مصدر الضغط الإيراني يقوم على توظيف الصواريخ والمسيّرات والأذرع المسلحة وتهديد الممرات البحرية في مواجهة دول تملك قوات جوية متقدمة ومنظومات اعتراض حديثة، وتدافع في الوقت نفسه عن شبكة كثيفة من الأهداف مرتفعة القيمة.

 

تتركز منشآت النفط والغاز والتكرير والتصدير، ومحطات الكهرباء والتحلية، والموانئ والمطارات، في مساحات محدودة ومترابطة. وتتيح هذه البنية لصواريخ أو مسيّرات قليلة تعطيل الإنتاج والنقل والتأمين وسلاسل الإمداد.

 

كما أن الأمن أصل اقتصادي تقوم عليه السياحة والعقارات والطيران والخدمات المالية وجذب الاستثمارات والكفاءات الأجنبية. ولهذا تستطيع هجمات محدودة رفع كلفة التأمين وتغيير مسارات السفن والطائرات وتأجيل الاستثمارات، حتى عندما يكون الضرر المادي المباشر محدودًا.

 

وتضيف التركيبة السكانية عاملًا آخر. فعدد المواطنين محدود في معظم دول المجلس، وقاعدة التجنيد والتعبئة أضيق من حجم المصالح والمنشآت المطلوب الدفاع عنها. وتملك السعودية قاعدة بشرية وعسكرية أكبر، في مقابل مساحة واسعة وحدود طويلة ومنشآت موزعة بين الخليج والبحر الأحمر. وتستثمر إيران هذه الحساسية لتحويل قدراتها الصاروخية والبحرية إلى ضغط سياسي واقتصادي يفوق أثرها العسكري المباشر.

 

تطويق السعودية

 

تستهدف إيران السعودية بوصفها مركز الثقل الخليجي، بما تملكه من حجم جغرافي ومالي وعسكري، ورمزية دينية، وقدرة على بناء تحالف عربي مضاد. ويرفع تعطيل منشآتها أو صادراتها كلفة الحرب عالميًا ويمنح طهران ورقة تفاوض مؤثرة. وتركز الاستراتيجية الإيرانية على دفع الرياض إلى حذر مزمن وربط قراراتها الإقليمية باحتمال استهداف النفط والمدن والممرات.

 

وتجسد هذا الضغط في مضيقي هرمز وباب المندب. سعت إيران إلى فرض دور مباشر في إدارة مسارات العبور في هرمز، وربطت فتح المضيق بقبول تصور يمنحها السيطرة على مسار الدخول وجزء من مسار الخروج. وفي الجنوب، أعلن الحوثيون حصار الموانئ السعودية وهاجموا منشآت أرامكو في جازان وينبع. ولم تعبر باب المندب في 26 يوليو سوى 11 سفينة تجارية محملة بالسلع، فيما بقي عبور هرمز دون 10 سفن يوميًا خلال عطلة نهاية الأسبوع.

 

وتضيف سياسة الرئيس دونالد ترامب ضغطًا على القرار السعودي؛ إذ تربط احتياجات المملكة الأمنية والتقنية بترتيبات سياسية تتصل بإسرائيل وبالاستراتيجية الأمريكية الأوسع في المنطقة. وقد ربط ترامب المضي في الاتفاق النووي المدني بانضمام السعودية إلى الاتفاقات الإبراهيمية، قائلًا: «عليهم أن يكونوا أعضاء في الاتفاقات الإبراهيمية». ومع وجود قوات وقواعد أمريكية في الخليج، تصبح السعودية معرضة لنتائج قرارات عسكرية لا تتحكم منفردة في توقيتها أو سقفها.

 

خيارات السعودية

 

تحتاج السعودية إلى دفع الدفاع الخليجي نحو التشغيل المشترك عبر مركز موحد للإنذار وتحديد مصادر الإطلاق، وتوزيع ذخائر الاعتراض، وحماية منشآت الطاقة والتحلية والموانئ، ووضع قواعد معلنة للرد. فصفقات السلاح تظل محدودة الأثر في غياب القيادة، وتستطيع المسيّرة الرخيصة استنزاف صاروخ اعتراض مرتفع الكلفة.

 

ويقتضي تقليل قابلية المملكة للإيذاء توزيع المخزونات ومراكز القيادة، وتحصين المنشآت الحيوية، وبناء بدائل تشغيلية للموانئ والمطارات، وزيادة مخزون الذخائر وقطع الغيار، وتوسيع الدفاعات منخفضة الكلفة المضادة للمسيّرات. كما يتطلب رفع قدرة المرافق المدنية على استعادة العمل، وتوسيع قاعدة الكفاءات الوطنية في التشغيل والصيانة والدفاع السيبراني والاحتياط والتعبئة.

 

ويمتد الردع إلى العراق واليمن. ففي العراق، تخدم المصالح السعودية مساعدة بغداد على احتكار السلاح وربطها اقتصاديًا بالخليج. وفي اليمن، يتطلب الأمر توحيد القيادة العسكرية المناهضة للحوثيين، وترميم مؤسسات الدولة، ومعالجة آثار التدخل الإماراتي والقوات الموازية، وربط أي تفاوض مع الحوثيين بضمانات تنفيذ ومحاسبة على الهجمات.

 

وتبقى الدبلوماسية مع إيران ضرورية ضمن آلية تحقق وجدول لوقف هجمات الأذرع وكلفة محددة عند الخرق. فالتسوية التي تمنح إيران حقًا فعليًا في تصنيف السفن أو تحصيل الرسوم في هرمز، أو تمنح الحوثيين سلطة مماثلة في باب المندب، ستنقل الابتزاز من ممارسة عسكرية طارئة إلى ترتيب إقليمي دائم.

 

مسارات التصعيد والتهدئة

 

يرجح استمرار ردع منخفض الشدة يقوم على الاعتراضات والضربات المحدودة والوساطات التي تمنع الانفجار وتبقي أدوات الضغط قائمة. ويرتفع احتمال الحرب الواسعة إذا أصابت هجمة منشأة سعودية استراتيجية أو أوقعت عددًا كبيرًا من الضحايا، أو إذا توسعت الضربات داخل العراق وإيران. ويتمثل الخطر الأبعد في تسوية سريعة توقف النار مقابل قبول ضمني بنفوذ إيران والحوثيين على الممرات البحرية.

 

تتطلب إزالة الطوق استعادة العمق العربي وبناء دفاع خليجي قابل للعمل: عراقًا يحتكر السلاح، ويمنًا له دولة وقيادة موحدة، وسودانًا قابلًا للحياة، وعلاقة سعودية ـ إماراتية تضبط التنافس، وتوقف دعم البنى المسلحة الموازية، وتعيد مؤسسات الدولة اليمنية إلى مركز أي ترتيب أمني أو سياسي.

مقالات

الأمن الإقليمي يبدأ من اليمن

يومًا بعد يوم، تثبت الأحداث المتسارعة أن اليمن لم يعد، في معادلات المنطقة الملتهبة منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، مجرد ساحة نزاع داخلي قابلة للاحتواء عبر تسوية سياسية محدودة أو هدنة مؤقتة، مهما طالت مدتها. بل إن الأزمة اليمنية خرجت منذ زمن من إطارها الوطني الطبيعي، لتتحول بفعل سياسات جماعة الحوثيين وارتهانها لراعيها الإقليمي، إيران ـ إلى ملف إقليمي بالغ التعقيد، تتقاطع فيه الجغرافيا مع الجيوبوليتيكا، ويتداخل فيه المحلي بالإقليمي، بحيث تحولت الجماعة من فاعل داخلي مسلح إلى فاعل مؤثر في حسابات الأمن العربي والدولي.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.