مقالات
إلى وزيرة الخارجية اليمنية الجديدة.. أعيدوا القضية إلى جوهرها
تتولى وزيرة الخارجية اليمنية الجديدة مسؤوليتها في مرحلة شديدة التعقيد؛ فاليمن لا يخوض فقط معركة سياسية وعسكرية، بل يخوض أيضًا معركة على الرواية التي يقدم بها قضيته للعالم.
وبعد أكثر من اثني عشر عامًا على الانقلاب الحوثي، تبدو المفارقة أن الشرعية اليمنية تمتلك أقوى رواية سياسية وقانونية في هذا الصراع، لكنها لم تنجح دائمًا في وضعها في مقدمة خطابها.
فالقضية اليمنية في جوهرها ليست مجرد علاقة الحوثيين بإيران، رغم أهمية هذا البعد وتأثيره، وليست صراعًا مذهبيًا أو تاريخيًا، رغم أهمية دراسة الخلفيات الفكرية للجماعة.
القضية الأساسية هي أن جماعة الحوثي شاركت في العملية السياسية، ثم انقلبت بقوة السلاح على التوافق الوطني، وأسقطت مؤسسات الدولة، وأطاحت بمخرجات الحوار الوطني والمرجعيات التي حظيت باعتراف وطني وإقليمي ودولي.
هذه هي الرواية التي تمنح الشرعية قوتها، لأنها تقوم على وقائع سياسية وقانونية واضحة.
كما أن سلوك الحوثيين بعد الانقلاب عزز هذه الحقيقة؛ فبدلًا من بناء نموذج دولة، أقامت الجماعة سلطة أمر واقع تقوم على القوة، انتهاكات لحقوق الإنسان، واعتقالات وإخفاء قسري، وزراعة ألغام، وتجنيد للاطفال، ومصادرة ممتلكات، وفرض جبايات تحت مسميات مختلفة، وإخضاع الاقتصاد والمجتمع لخدمة مشروع الحرب، وهي وقائع ينبغي أن تكون في صدارة الخطاب الدبلوماسي اليمني لأنها تخاطب العالم بلغة القانون والحقوق.
لكن مع طول الحرب وتعثر استعادة الدولة، واجه الحوثيون أزمة شرعية داخلية؛ فلم يقدموا نموذج للحكم ناجح في مناطق سيطرتهم، ولم ينجحوا في تحويل سلطة السلاح إلى دولة، لذلك اتجهوا إلى نقل الصراع إلى المجال الإقليمي، عبر تقديم أنفسهم كجزء من مواجهة إسرائيل والدفاع عن القضية الفلسطينية، ثم تصعيدهم في البحر الأحمر تحت هذا العنوان.
وقد منحهم ذلك فرصة لإعادة تقديم صورتهم أمام بعض الأطراف، من جماعة انقلابية داخل اليمن إلى فاعل إقليمي مرتبط بما يسمى "محور المقاومة"، وهنا انتقلت زاوية النظر الدولية تجاههم تدريجيًا من قضية انقلاب داخلي على الدولة اليمنية إلى قضية أمن إقليمي وامتداد للنفوذ الإيراني.
لكن هذا التحول يحمل مفارقة مهمة؛ فاهتمام المجتمع الدولي بالحوثيين لم يأتِ دائمًا من تبني الرواية اليمنية حول الانقلاب على الدولة، بل جاء بدرجة كبيرة بسبب ارتباط الجماعة بحسابات الإقليم وتهديد الملاحة الدولية. وهذا يوضح أهمية أن تستعيد الدبلوماسية اليمنية روايتها الخاصة، وألا تترك تعريف القضية للآخرين.
وفي المقابل، فإن جزءًا من الخطاب السياسي للشرعية ابتعد تدريجيًا عن جوهر القضية، واتجه نحو التركيز على البعد الإيراني والخلفيات التاريخية والهوياتية للحوثيين. ولهذا التحول أسباب مفهومة؛ فسنوات الحرب الطويلة، وتدهور الأوضاع المعيشية، واتساع الغضب الشعبي، دفعت بعض الخطابات الأكثر حدة إلى الواجهة، كما أن الأولويات الإقليمية التي تنظر إلى الحوثيين باعتبارهم امتدادًا للنفوذ الإيراني أثرت في طبيعة الخطاب السياسي.
غير أن مواءمة الخطاب الرسمي مع الغضب الشعبي أو الأولويات الإقليمية لا ينبغي أن تؤدي إلى فقدان الرواية الأساسية التي تمنح القضية اليمنية قوتها، فالتركيز على الهوية أو المذهب يمنح الحوثيين فرصة لتقديم أنفسهم أمام بعض الدوائر الدولية باعتبارهم جماعة مستهدفة بسبب هويتها، لا بسبب أفعالها، كما أن تقديم أنفسهم كقوة تواجه الإسلام السياسي يلامس مخاوف بعض القوى الإقليمية والدولية، فينقل النقاش من سؤال: من انقلب على الدولة؟ إلى سؤال: من يمثل التوازن الإقليمي؟
معالي وزيرة الخارجية...
إن المهمة الأساسية أمام الدبلوماسية اليمنية ليست البحث عن رواية جديدة، بل إعادة القضية إلى جوهرها.
اليمن كان يسير في مسار سياسي توافقي، وجماعة مسلحة قررت إسقاط هذا المسار بالقوة، ثم أقامت سلطة خارج إطار الدولة والقانون.
هذه الرواية لا تستهدف هوية أحد، ولا تحتاج إلى مبالغات، لأنها تستند إلى الوقائع. وهي الرواية القادرة على جمع اليمنيين، وإقناع المجتمع الدولي، وإجبار الخصم على الدفاع عن أفعاله بدل الدفاع عن هويته.
فالدول لا تستعيد مكانتها فقط باستعادة الأرض، بل باستعادة روايتها أيضًا.