رأي

الانتهازية القبلية وتجارة الولاءات في اليمن

الانتهازية القبلية وتجارة الولاءات في اليمن

ليست الانتهازية القبلية في اليمن ظاهرة طارئة فرضتها الحرب الراهنة، ولا هي مجرد انحرافات فردية ظهرت مع انهيار الدولة وتعدد مراكز النفوذ. إنها ظاهرة لها جذور تاريخية، وتكشف عن نمط من السلوك السياسي والاجتماعي أتقن فيه بعض أصحاب النفوذ تحويل الولاءات والتناقضات بين الخصوم إلى مصادر للمكاسب، حتى أصبح استمرار الصراع في أحيان كثيرة مصلحة لدى أطراف تستفيد منه أكثر مما تستفيد من انتهائه.

ومن يقرأ تاريخ اليمن، ويتأمل طبيعة العلاقة بين بعض القوى القبلية ومراكز النفوذ المتعاقبة، سيجد أن المسألة لم تكن دائمًا مجرد انحياز إلى هذا الطرف أو ذاك، أو انتقال من معسكر إلى آخر تبعًا لتغير موازين القوة. ففي حالات كثيرة، كان الأمر أكثر تعقيدًا: توزيع للأدوار بين أطراف متعارضة، وإدارة للتناقضات بينها، واستثمار لما يعرضه كل طرف من أموال وامتيازات مقابل خدمات وولاءات لا تصمد بالضرورة أمام عرض أفضل من منافس آخر.

ولعل ما أورده الدكتور عبدالرحمن البيضاني، نائب رئيس الجمهورية الأسبق، في كتابه «أزمة الأمة العربية وثورة اليمن»، يقدم صورة بالغة الدلالة عن هذه الظاهرة خلال سنوات الثورة والجمهورية.

يقول البيضاني، في الصفحة 543، إن الكرم المفرط الذي ساد تصرفات القيادة العسكرية المصرية في اليمن والسفارة المصرية في صنعاء، والإسراف في بذل الأموال لكثير من رجال القبائل باسم شراء ولائهم للثورة، أدى إلى توسيع ساحة القتال في اليمن، وأساء إلى سمعة مصر الدولية.

ثم يروي كيف كان بعض شيوخ القبائل يدفعون رجالهم إلى التمرد، ثم يستنزفون الأموال المصرية باسم إعادتهم إلى صف الجمهوريين، فيما كان آخرون يوزعون الأدوار بينهم؛ فريق يحلب بقرة المصريين، وآخر يحلب بقرة السعوديين، ثم يقتسمون ما يحصلون عليه «بالعدل والقسطاس»، دون أن يجحف أحدهم بحقوق الآخر.

ويورد رواية أكثر تفصيلًا عن شيخ يتلقى الملايين من الجانب المصري باسم الجمهوريين، ثم يذهب إلى شيخ المتمردين ويقتسم معه الأموال، فينسحب الأخير برجاله. وعندما يغضب الممول السعودي ويدفع أموالًا إضافية لشيخ المتمردين، يذهب هذا الأخير إلى شيخ الجمهوريين ويقتسم معه الغنيمة.

هذه ليست مجرد حكاية عن تبديل الولاءات، وإنما صورة لاقتصاد حرب متكامل، يتوزع فيه الخصوم الأدوار، ويصبح استمرار المعركة مصلحة مشتركة لمن يفترض أنهم يقفون على طرفي نقيض. فكل طرف يقدم نفسه للممول باعتباره قادرًا على تغيير موازين المعركة، فيما تكون هناك ترتيبات أخرى تضمن استمرار تدفق الأموال وتقاسم العوائد.

والأكثر دلالة أن البيضاني يشير إلى أن هذه الممارسات لم تكن وليدة حرب الثورة والجمهورية، وإنما سبق أن عرفتها بعض القوى القبلية في حروب الأئمة مع الإدريسي، حيث كان المقاتلون يقفون مع من يدفع أكثر، وتتأرجح موازين القتال تبعًا لما يُعرض عليهم من أموال.

وهذا يعني أن الظاهرة لم تكن مرتبطة بنظام سياسي بعينه، ولا بشعار جمهوري أو إمامي، وإنما بنمط من العلاقة بين بعض أصحاب النفوذ ومراكز القوة والتمويل، يقوم على توظيف الرجال والولاءات والمواقف باعتبارها خدمات قابلة للبيع والشراء.

والمؤسف أن بعض من أتقنوا هذه المهنة لم يعودوا يكتفون بالعمل مع طرف ضد آخر، وإنما أصبحوا قادرين على توزيع الأدوار داخل القبيلة الواحدة، فيما تظل الروابط والمصالح المشتركة قائمة بينهم. وقد تجد الشيخ نفسه يحشد لهذا الطرف، ويقدم خدماته للطرف الآخر، طالما أن المتنافسين مستعدون للدفع مقابل خدماته، وطالما أن توزيع الأدوار يضمن استمرار المكاسب.

وفي مثل هذه البيئة، لا تعود الشعارات السياسية أو الأيديولوجية أو الوطنية أو حتى الدينية كافية لتفسير المواقف؛ فقد يتحدث هذا عن الجمهورية، وذاك عن الإمامة، وثالث عن المقاومة، ورابع عن مكافحة الإرهاب، بينما تتوزع المصالح والأدوار بينهم بصورة لا علاقة لها بالغايات التي يعلنونها للناس.

في مقالات سابقة تناولت بالتفصيل جذور العلاقة المنفعية بين القوى القبلية ومراكز السلطة في تاريخ اليمن، منذ مراحله القديمة، وعبر مراحل مختلفة من القرون الاثني عشر الماضية، حيث تكررت صور التحالف والتخادم بين القبيلة والحكام والطامحين إلى الحكم. وكانت علاقة القبيلة بالإمامة من أبرز تجليات ذلك؛ إذ تداخلت المصالح والتحالفات والصراعات، وتبادل الطرفان توظيف القوة والنفوذ، وفقًا لموازين كل مرحلة وحساباتها.

ولذلك لم يكن غريبًا أن تتحول بعض مناطق اليمن، عبر مراحل مختلفة، إلى ساحات لتنافس القوى الخارجية، وأن يجد أصحاب النفوذ المحلي فرصتهم في تسويق خدماتهم لكل طرف، واستثمار تناقضات الأطراف المتنافسة، بدلًا من أن يكون موقفهم محكومًا بمصلحة المجتمع أو بمشروع وطني جامع.

وفي امتداد لهذه القراءة، كتبت في منشور ساخر في أكتوبر 2014، عقب دخول الحوثيين صنعاء، أن السياسيين وتجار الحروب في اليمن يوزعون أنفسهم على الدول الإقليمية والدولية، كل واحد منهم يمسك له دولة ويحلبها من طرف، مرة باسم مكافحة الشيوعية، ومرة باسم مكافحة الإخوان، ومرة باسم مواجهة إيران، ومرة باسم مكافحة الإرهاب، ومرة باسم ترسيخ الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وختمت ذلك المنشور بعبارة ظللت أرددها منذ ذلك الحين: «غدًا سيكتشف العالم أجمع أنه قد تعرض لأكبر عملية نصب في تاريخ العمالة والارتزاق الدولية على يد السياسيين وتجار الحروب في اليمن».

لم تكن تلك العبارة مجرد سخرية من سياسيين يبحثون عن ممولين، وإنما كانت تعبيرًا عن مفارقة أعمق: أن بعض الأطراف الخارجية تتصور أنها تدير لعبة النفوذ في اليمن، وتختار وكلاءها وتوزع عليهم الأدوار، بينما قد يكون هؤلاء الوكلاء أنفسهم قد أتقنوا استثمار تناقضات الأطراف المتنافسة، وتحويل صراعاتها إلى سوق مفتوحة للمصالح.

وقد حذرت في أكتوبر 2018 من عودة الأئمة والأشراف والسلاطين والباشوات وأمراء الطوائف وشيوخ الحارات والعشائر، في ظل توجهات دولية وإقليمية تعيد تدوير القوى التقليدية وتصديرها إلى مجتمعاتنا تحت عناوين مختلفة. وكتبت في ديسمبر 2021 عن توجه لإحياء أدوار المشيخات والسلطنات باعتبارها بدائل عن الدولة، بما يتيح عزل المناطق الغنية بالثروات والمواقع الاستراتيجية وإدارتها بعيدًا عن مؤسسات الدولة والمجتمع الوطني الأوسع.

واليوم، تبدو هذه التحذيرات أكثر اتصالًا بواقع اليمن. فمع تعدد مراكز النفوذ وتراجع مؤسسات الدولة، تتسع فرص توظيف المشيخات والولاءات القبلية في صراعات تتجاوز الشأن المحلي، وتصبح هذه التكوينات قنوات مناسبة لتمرير النفوذ الإقليمي والدولي، وإدارة مناطق ومجتمعات خارج الأطر المؤسسية للدولة الوطنية. ولعل المؤتمر الذي انعقد في جنيف لإطلاق ما سُمّي «ميثاق الشرف القبلي اليمني»، برعاية مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، يقدم مثالًا راهنًا يستحق التأمل في ضوء هذه التحذيرات، وما تثيره من تساؤلات حول دور المشيخات والوجاهات التقليدية في مستقبل الدولة اليمنية.

وتزداد خطورة هذا المسار في ظل المعركة الوطنية الراهنة لإنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة الدولة؛ فهذه المعركة لا تتعلق باستعادة سلطة غائبة فحسب، وإنما باستعادة مرجعية وطنية واحدة تحتكم إليها البلاد. وأي مسار يعيد توزيع النفوذ بين المشيخات ومراكز القوى والولاءات المتنافسة، خارج مؤسسات الدولة، يهدد بإبقاء اليمن أسيرًا لتعدد السلطات حتى بعد انتهاء الانقلاب.

فالقوى الخارجية، سواء كانت إقليمية أو دولية، لا تتعامل جميعها مع اليمن من زاوية واحدة، ولكل منها حساباتها ومصالحها وأولوياتها الجيوسياسية. وفي ظل ضعف مؤسسات الدولة، قد تجد بعض هذه القوى في المشيخات والوجاهات التقليدية وسطاء أكثر سهولة في التعامل، وأقل ارتباطًا بالاشتراطات القانونية والمؤسسية التي تفرضها العلاقات مع دولة وطنية مستقلة.

ولا يقتصر الأمر على الاستعانة بهذه التكوينات في الوساطة أو التهدئة، وإنما قد يتجاوز ذلك إلى تغذية الولاءات وإحياء المشيخات وتوسيع نفوذها، بما يجعلها مراكز تأثير موازية لمؤسسات الدولة، وقنوات يمكن من خلالها إدارة المصالح وتمرير التفاهمات بعيدًا عن الرقابة والمساءلة العامتين.

وهنا تلتقي مصلحة بعض أصحاب النفوذ المحلي مع حسابات بعض القوى الخارجية: الأول يجد في استمرار التنافس والصراع فرصة لمراكمة المال والوجاهة والنفوذ، والثاني يجد في هذه الشبكات وسيلة للتأثير في المجتمع وإدارة المصالح بأقل قدر من الالتزامات تجاه مؤسسات الدولة الوطنية. أما اليمن، فيظل الخاسر من هذه العلاقة، إذ تتوزع سلطته بين مراكز نفوذ متنافسة، وتتراجع فرص بناء مؤسسات عامة تحتكم إلى القانون وتخضع للمساءلة.

لكن من المهم ألا نخلط بين القبيلة بوصفها مكونًا اجتماعيًا له مكانته ودوره، وبين توظيف العصبية القبلية وتحويل المشيخات إلى سلطات سياسية موازية. فالمشكلة ليست في القبيلة ولا في كل شيوخها، وإنما في تحويل النفوذ الاجتماعي إلى امتياز سياسي، وفي استثمار الولاءات القبلية لخدمة مشاريع لا تعبر بالضرورة عن مصالح أبناء القبيلة أو المجتمع الذي ينتمون إليه.

إن الدولة المدنية لا يمكن أن تقوم في ظل تعدد السلطات الشخصية ومراكز النفوذ التي تتقاسم القرار والموارد والولاءات. ولا يمكن بناء مواطنة متساوية ما دامت الحقوق والواجبات تتحدد وفق الانتماء القبلي أو المكانة الاجتماعية أو القدرة على الحشد، بدلًا من أن تكون محكومة بالقانون.

والمفارقة أن بعض القوى التي تتحدث عن الاستقرار والسلام وحماية المجتمعات المحلية قد تساهم، من حيث لا تعلن أو ربما دون أن تضع النتائج في حسابها، في إدامة البنى التي تجعل الصراع أكثر قابلية للاستمرار. فشراء الولاءات قد يحقق تفاهمات مؤقتة، وإحياء المشيخات قد يوفر قنوات سريعة للتواصل والنفوذ، لكنه لا يبني دولة، ولا يؤسس لمجتمع تحكمه المواطنة والقانون.

لقد أثبت التاريخ اليمني أن من يحولون الولاءات إلى تجارة لا يعنيهم كثيرًا من ينتصر في نهاية المطاف؛ ما يعنيهم هو أن تظل هناك أطراف متنافسة تحتاج إلى خدماتهم، وممولون مستعدون للدفع، وصراعات تتيح لهم تجديد أدوارهم ومكاسبهم.

وهذه هي إحدى المعضلات التي ينبغي أن يتجاوزها اليمن إذا أراد الخروج من دوامة الحروب والتبعية: أن يتوقف التعامل مع الرجال والولاءات باعتبارهم سلعًا في سوق النفوذ، وأن تصبح الدولة ومؤسساتها هي المرجعية الوحيدة لإدارة الشأن العام، لا المشيخات ولا الوسطاء ولا تجار الحروب.

فاليمن لا يحتاج إلى مزيد من الوسطاء الذين يتقنون اقتسام الغنائم بين الخصوم، ولا إلى قوى خارجية تعيد إحياء مراكز النفوذ التقليدية لتدير من خلالها مصالحها. إنه يحتاج إلى دولة لا يكون فيها الولاء مصدرًا للامتياز، ولا تتحول فيها الحرب إلى مورد للثراء والنفوذ، ولا يصبح مستقبل الناس رهينة لمن يجيد بيع المواقف وتوزيع الأدوار.

 

نقلا عن صفحة الكاتب على 'فيسبوك'

رأي

الرياض لا تقبل ذلك على نفسها!

الوضع الطبيعي هو أن تتصدى الدولة والحكومة، بكل مكوناتهما واعضائها، للحملات والمشاريع والمخاطر التي قد تتعرض لها وحدة البلاد، على نحو تلقائي ودون هوادة. وألّا يشارك في الحكومة إلا من هو ملتزم بذلك ضمناً وصراحة، دون أدنى شك أو ريب، أو تحفظ أو تردد، أو تقلب في المواقف.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.