منوعات
الشاي العدني... نكهة وتقاليد واحتفال
ستدرك وأنت ترتشف الشاي العدني، ذلك المذاق القوي بنكهاته المتعددة، التي تحكي قصة تنوع اليمن بسهولها وجبالها وصحاريها وسواحلها المكنونة في كوب صنع بتجانس فائق.
وعلى رغم المكانة التاريخية البارزة للقهوة في اليمن، فإن الشاي بالحليب، أو "الشاي الملبن" كما يسمه أبناء المدينة، ارتبط بالناس وترسخ حضوره القوي في آخر خمسة عقود، تحديداً حتى يكاد أن يكون المشروب الأول في قائمة الاستهلاك الشعبي اليومي، في معادلة قد تبدو غريبة، لكن لها كثيراً من الأسباب الموضوعية التي أزاحت دلال القهوة عن جلسات الناس اليومية، ليحتل مكانها إبريق الشاي المغلي جيداً بالحليب ومجموعة من التوابل، حتى بات علامة عدنية مميزة تجاوزت الحدود، على رغم أصوله الهندية.
إرث بالنكهة
وفي مبادرة شبابية ذاتية أقيم اليوم في العاصمة اليمنية الموقتة عدن، مهرجان الشاي العدني، تزامناً مع اليوم العالمي للشاي، 21 مايو (أيار) وسط حضور وتفاعل شعبي ورسمي، هدفه لفت الأنظار الى الرمزية الشعبية وإبراز الطقوس الثقافية والإرث الإنساني للمدينة وسكانها.
والمهرجان وفقاً لعضو اللجنة المنظمة، شعيب العفيف، يمثل "فعالية ثقافية سياحية سنوية تجمع كل المقاهي الشهيرة في المدينة هو فرصة لملتقى تراثي، لإقامة فقرات فنية وفعاليات ثقافية ومسابقات شبابية يقدم خلالها الشاي العدني للجمهور والحضور".
وأوضح أنهم أقاموا الإثنين الماضي، "الجلسة التجريبية لتذوق الشاهي العدني بوجود السفيرة الفرنسية لدى اليمن وممثلين لمنظمات دولية".
ويشير العفيف إلى رمزية المكان الذي احتضن يومي المهرجان ممثلاً بالساحة التي تتقدم "منارة عدن" التي تعد "رمز المدينة القديمة التي شيدت منذ ما يزيد على 6 قرون".
ويتميز المشروب التقليدي بنكهته القوية التي تجمع بين الشاي المغلي مع الحليب المبخر، إضافة إلى كميات غنية من التوابل المعطرة مثل الهيل والقرنفل وأحياناً بهارات أخرى مثل الجوز والقرفة والزنجبيل، وبات رمزاً للضيافة في عدن وبعض مناطق اليمن، ويجري تحضيره عن طريق غلي المكونات حتى تتجانس النكهة وتتعزز.
مهارة تعديل المزاج
لفهم الارتباط الوجداني والمزاجي الطاغي بهذا المشروب توضح الكاتبة صوفيا الهدار شيء من أسراره، التي تحصرها في طريقة تحضيره بجمع مكوناته في كوب معتق، "رشفة منه تفتح الذهن وتعدل المزاج".
وتشير الهدار إلى طريقة تحضيره الواحدة، "ولكنها قد تختلف باختلاف المقاهي والبيوت العدنية في بعض تفاصيل طريقة التحضير، وهي ضرورة تتطلبها حالة التنافس الشريف في إعداد أفضل فنجان منه، فالنساء في البيوت يتنافسن على تحضيره، لأن إتقانه دليل على مهارة بارزة في التحضير والنجاح المنزلي".
أما بالنسبة إلى المقاهي الشعبية المنتشرة بكثرة في عدن "تتنافس في تحضيره لكسب ود الزبون وقد تجد في المقهى نفسه قائمة متنوعة من أنواع الشاي العدني، ولكل واحد منها ما يميزه".
طقس كل الأوقات
ترى الهدار، أن من عوامل ارتباط المشروب بثقافة المجتمع اليوم تعود لـ"حال التعود على بدء الناس يومهم بكوب ساخن منه كطقس يومي على رغم حرارة الجو المشابهة". حتى أوقات ما بعد الظهيرة "يحضر فيها رفيقاً لجلسات المقيل والاسترخاء التي تجمع الأسرة والأصدقاء، كما يحضر خلال سهرات الليل التي هو أنيسها المفضل".
تضيف أن "رائحة الشاي الملبن تصبغ نسائم الصبح الباكر بلون الحياة فرائحته المنتشرة في أرجاء عدن، تبعث على النشاط والشعور بالراحة في آن واحد بسبب البصمة العطرية لمدينة عدن وهويتها".
لمسة توابلية خاصة
يكشف الكاتب عقيل سعيد عن سر طغيان حضور الشاي اليوم في اليمن، ويرجعه إلى أكثر من سبب منها التأثر بالاستعمار البريطاني فالأجداد قبل حقبته كانوا يحتسون القهوة فقط، خصوصاً القشر (مشروب مصنوع من مغلي قشور القهوة الخارجية)، لأنه متاح أكثر وأرخص سعراً ويناسب وضعهم المعيشي المنخفض، ولم يكونوا يعرفون الشاي الذي جلبه الاستعمار معه من الهند ولاقى رواجاً واسعاً بين اليمنيين، لرخص ثمنه وسهولة تحضيره ونكهته المنعشة مقارنة بالقهوة والقشر، لأنه ارتبط بالسكر كمشروب ولا يتم تناوله مراً كالقهوة.
ويوضح سعيد أن الوجود الهندي في عدن خلال فترة الاستعمار أوجد الشاي الملبن الهندي الذي انتشر، أضيفت له لمسة عدنية تناسب طبيعة وأجواء المدينة وأهلها ونوعية المياه المستخدمة والخبرة المتراكمة التي تركت لمستها على تحويجته (توابله)، وأضفت عليه مذاقاً خاصاً لا يضاهى.