تقارير
هجمات الحوثيين على السعودية تضع "اتفاقية الدفاع المشترك" الثلاثية الجديدة تحت الاختبار
تضع موجة الهجمات المتصاعدة بالصواريخ بالستية والطائرات المسيرة التي تستهدف مواقع مختلفة عبر المملكة العربية السعودية -بما فيها مدينة مكة المكرمة- معاهدة الدفاع المشترك التي وقّعتها الرياض الشهر الماضي مع تركيا وباكستان أمام اختبار حقيقي وواضح. وحتى الآن، أظهر شركاء السعودية الجدد رغبة ضئيلة في الانخراط في أتون الحرب المتسعة في الشرق الأوسط ضد إيران وحلفائها الحوثيين.
ورغم أن إسلام آباد تعد حليفاً رئيسياً للرياض منذ ستينيات القرن الماضي، وتتمركز لها قوات في المملكة يُقدَّر عددها بنحو 8 آلاف جندي على الأقل، إلى جانب أسراب قتالية ووحدات طائرات مسيرة وعمليات دفاع جوي، إلا أنها التزمت الصمت هذا الأسبوع بشأن التعهد بإرسال مزيد من القوات إلى الشرق الأوسط بالتزامن مع التصعيد الكثيف للهجمات الحوثية ضد السعودية.
وعلى النحو ذاته، أبدت تركيا -الضلع الثاني في هذا التحالف الأمني الثلاثي- موقفاً غير متلزم، واكتفت بعرض تقديم مساعدة "فنية" للسعوديين.
وتنص "اتفاقية مكة" الموقعة في 7 أغسطس على أن أي هجوم مسلح على أحد الأعضاء الثلاثة يُعد هجوماً على الجميع، غير أن محللين أشاروا إلى أن "عتبة" و"آلية" تفعيل المعاهدة لم تُحددا بعد بشكل كامل نظراً لأن هيكلها التنظيمي لا يزال قيد الإنشاء.
وفي تصريح له يوم الأربعاء، وصف رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف العلاقات بين إسلام آباد والرياض بأنها "أشد صلابة"، لكنه لم يعلن عن أي انتشار عسكري جديد، ولم يفصح عما إذا كانت المملكة قد طلبت مساعدة عسكرية مباشرة.
من جانبه، صرح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لشريكة "إن تي في" التركية يوم السبت بأن السعودية "قد تكون لديه احتياجات عسكرية، خاصة في بعض الجوانب الفنية، ولا مشكلة لدينا في تلبيتها". وأضاف: "نحن نلتزم بكلمتنا بموجب هذا التحالف"، مشيراً إلى أن الدول الثلاث تجري مشاورات غير معلنة.
في غضون ذلك، وجه الحوثيون الموالون لإيران تحذيرات لتركيا وباكستان للبقاء بعيداً عن الصراع.
وفي هذا الصدد، بعث رئيس البرلمان التابع للحوثيين، يحيى علي الراعي، رسائل يوم الأربعاء إلى نظيريه الباكستاني والتركي يحثهما فيها على إبقاء بلديهما بعيدين عن السياسات السعودية، والضغط على الرياض لإنهائها الحرب والرفع الكلي للحصار عن اليمن، وفقاً لما نشرته وكالة "سبأ" الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
وعلى الصعيد الميداني، أفادت وكالة "أسوشيتد برس" بأن الدفاعات الجوية السعودية اعترضت يوم الخميس ستة صواريخ بالستية كانت تستهدف ميناء ينبع على البحر الأحمر ومدينة خميس مشيط بالجنوب الغربي. وأعلن الحوثيون لاحقاً إطلاق عشرات الصواريخ والمسيرات باتجاه منطقة جازان الحدودية.
وقد أدت المواجهات المستمرة قرب الممر الملاحي بالبحر الأحمر إلى إرباك الأسواق العالمية، مع فرض الحوثيين حصاراً يتصل بأكبر تصدير للنفط في العالم؛ حيث دأبت السعودية على تحويل نحو 4 ملايين برميل يومياً بعيداً عن مضيق هرمز عبر خط أنابيب "شرق-غرب" المتجه إلى ينبع. وكانت هجمات بالمسيرات اتهمت الرياض ميليشيات عراقية بتنفيذها قد ضربت خط الأنابيب في 10 سبتمبر، ما أدى لإغلاقه في 11 سبتمبر قبل إعادة تشغيله بقدرات محدودة يوم الثلاثاء.
وإذا كانت باكستان تعمل على تعزيز دعمها للسعوديين، فإن هذا الجهد يجري على الأرجح بعيداً عن الأضواء الإعلامية.
وقال السفير الباكستاني السابق لدى الولايات المتحدة والمستشار الأمني للحكومة السعودية، مسعود خان: "في غالب الظن، سيتم الإبقاء على طبيعة الدعم العملياتي سرياً".
وقلل خان من الشكوك المثارة حول "اتفاقية مكة"، مؤكداً لصحيفة "واشنطن تايمز" أن المعاهدة الدفاعية قائمة وفاعلة بالكامل.
وأضاف: "بمجرد التوقيع عليها، أصبحت المعاهدة سارية المفعول"، مبيناً أنه "يمكننا بناءً على طلب رسمي تعزيز وجودنا العسكري سواء داخل إطار اتفاقية مكة أو خارجه".
ولجأت الرياض إلى حلفائها الإقليميين بعد أن ألمحت إدارة ترامب -التي تجري اتصالات مع الحوثيين- إلى أن الولايات المتحدة ستنأى بنفسها عن هذه المواجهة.
وفي هذا السياق، قال أستاذ العلوم السياسية الإماراتي المتقاعد، عبد الخالق عبد الله: "هذا يثبت مجدداً أن أمريكا ليست هنا للدفاع عنا. ليس لدينا اتفاق صارم يفرض على أمريكا إرسال 100 ألف جندي كما فعلت عام 1991 خلال غزو صدام؛ تلك الحقبة انتهت وعلينا الاعتماد على أنفسنا".
ونقلت وكالة "أسوشيتد برس" عن مسؤولين إقليميين أن الرياض طلبت مساعدة في مجال الدفاع الجوي من فرنسا وبريطانيا وباكستان ومصر، بعد أن أدت أشهر من المواجهات مع إيران إلى استنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية الأمريكية.
ويرى عبد الله أنه "لا يوجد بديل للمظلة الأمنية الأمريكية، ويتعلق معظم ذلك بالحصول على أفضل الأسلحة التي يمكن للمال شراؤها، والتي لا يملكها أحد سوى أمريكا".
من جهته، أوضح اللواء الباكستاني المتقاعد زاهد محمود أن صفقة بيع 48 طائرة من طراز F-35 بقيمة 24.3 مليار دولار -والتي وافقت عليها واشنطن مشروطاً الأسبوع الماضي- "لا تحل المشكلة الفورية اليوم". وأضاف أن ما تحتاجه الرياض حالياً هو "أجهزة استشعار، وصواريخ اعتراضية، وقدرات مضادة للطائرات المسيرة، ونظم دفاع جوي وصاروخي متكاملة".
وأشار محمود إلى أن باكستان قد تمد المملكة بهذه الأنظمة، مثل منظومتي الدفاع الجوي الصينيتين HQ-9/P وLY-80، إلى جانب أسلحة مضادة للمسيرات ورادارات وأنظمة إنذار مبكر "لتكمل قدرات منظومة باتريوت السعودية بدلاً من مجرد تكرارها".
وتحضر التكنولوجيا الصينية بالفعل في منظومة الدفاع السعودية؛ إذ نشرت المملكة نظام الليزر الصيني "سيلنت هانتر" (Silent Hunter) كجزء من منظومة حماية المواقع الحيوية وبطاريات الباتريوت ضد المسيرات، كما اشترت طائرات مسيرة صينية مسلحة. وفي المقابل، تعتمد الإمارات أنظمة إسرائيلية، وهو ما ترفضه الرياض لعدم وجود علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.
ولفت محمود إلى أن باكستان تخوض مواجهات ضد مسلحين في خیبر بختونخوا وبلوشستان، وعليها تقييم حجم الإمكانات العسكرية التي يمكنها الاستغناء عنها بحذر.
ووفقاً لـ "مركز صوفان" للأبحاث الأمنية في نيويورك، يرى بعض المسؤولين الباكستانيين أن النزاع في اليمن يسبق توقيع الاتفاقية، وبالتالي قد يقع خارج نطاق بنودها.
إلا أن مسعود خان رفض هذا الطرح قائلاً: "الهجمات الحوثية الجديدة تصاعدت بعد توقيع اتفاقية مكة، وإذا طُلب من باكستان رسمياً، فهي ملزمة بالوقوف إلى جانب السعودية".
وفي سياق متصل، يرى محللون أتراك أن الحذر التركي يأتي عن دراسة ومخطط؛ حيث قالت الباحثة في مركز دراسات الخليج بجامعة قطر، سينيم سينجيز، لصحيفة "واشنطن تايمز" إنه ليس من المناسب إقحام معاهدة مكة في أجندة كل تصعيد ميداني.
وأوضحت سينجيز: "المعاهدة إطار طويل الأجل، وأبعادها المؤسسية والفنية لا تزال بحاجة إلى تعريف وتطوير دقيقين". وأضافت أنه بإمكان تركيا تعزيز الدفاعات السعودية عبر الاتفاقيات القائمة حالياً "مع ترك المسؤولية السياسية والعملياتية المتعلقة باليمن للرياض".
أما مصر، التي طلبت منها الرياض أيضاً مساعدة في الدفاع الجوي، فتبدو أبعد عن الانضمام؛ حيث صرح وزير الخارجية بدر عبد العاطي في أغسطس بأن المؤسسات المصرية تدرس الاتفاقية.
وقال المدير التنفيذي للمركز الوطني للدراسات بالقاهرة، هاني العصار، إن مصر لا ترغب في الانضمام "لكنها قد تُجبر على ذلك في مرحلة ما"، مشيراً إلى أن القاهرة قد تقدم دعماً عسكرياً إذا تم تجاوز خطوط حمراء محددة، "من بينها استهداف المقدسات الإسلامية".
في المقابل، وضع الحوثيون شروطهم؛ حيث أعلن محمد البخيتي، عضو المكتب السياسي للجماعة، أن الهجمات ستستمر حتى ترفع الرياض حصارها المفروض على المناطق الخاضعة لسيطرتهم منذ عقد، لتتبعه مفاوضات.
وادعى البخيتي أن السعودية "خسرت أهم أوراقها وهي الساحل الغربي"، مهدداً عبر قناة تلفزيونية عراقية بأن تركيا وباكستان ستواجهان "قبضة من حديد" إذا دخلتا الحرب.
وعلّق خان على هذه التهديدات بالقول: "باكستان متمرسة في الحروب ولا تخيفها مثل هذه التحذيرات"، كاشفاً عن تحرك إسلام آباد عبر مسار آخر: "في هذه الأثناء، يتواجد مبعوث باكستاني في طهران لإقناع القيادة الإيرانية بالطلب من الحوثيين وقف هجماتهم".
من جانبها، قالت الباحثة البارزة في معهد واشنطن والتي شغلت سابقاً منصب المستشار السياسي للمبعوث الأممي إلى اليمن، أبريل لونجلي ألي، خلال جلسة لنادي "مجموعة الأزمات الدولية" يوم الثلاثاء: "خيارات السعودية تحولت من سيء إلى أسوأ".
وأوضحت أبريل لونجلي ألي، أن الرياض محاصرة بين فكي طوق محكم؛ إيران من جهة هرمز، والحوثيون عند باب المندب، والميليشيات العراقية شمالاً، مؤكدة أن "هذا الوضع يشكل تهديداً وجودياً للسعودية على المدى الطويل".
وأضافت ألي أن الحوثيين نجحوا أيضاً في "إحداث وقيعة بين الولايات المتحدة والسعودية" من خلال طمأنة واشنطن بأن سفنها في أمان، بينما يواصلون الضغط على المملكة بمفردها.
وفي كلمة ألقاها يوم الأحد في منتدى قطر الاقتصادي بنيويورك على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، دعا رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى إيجاد منظومة أمن إقليمي تربط إيران بدول الخليج، وقال: "إيران جارتنا، وبدون إطار أمني يجمعنا كدول خليجية مع إيران ويضمن عدم تشكيل أي منا تهديداً للآخر، فإن هذه المنطقة لن تستمر إلا على المنوال ذاته".
وكان العاهل السعودي الملك سلمان قد اتهم الحوثيين يوم الثلاثاء بمحاولة استهداف مكة المكرمة مجدداً، مؤكداً خلال اجتماع لمجلس الوزراء في جدة أن المحاولة تنتهك حرمة المكرّمات الإسلامية وتستفز مشاعر المسلمين في كل مكان. وينفي الحوثيون استهداف المدينة. وبعيداً عن ذلك، لم يقدم المسؤولون السعوديون تفاصيل حول رد عسكري مرتقب، واكتفى المتحدث باسم التحالف اللواء الركن تركي المالكي بالقول إن التحالف يحتفظ بحق الرد لردع الحوثيين.
واختتم عبد الخالق عبد الله بالقول إن أفضل ما يمكن لوكلاء واشنطن فعله يكمن خارج اليمن: "أفضل شيء يمكن للأمريكيين القيام به هو فتح مضيق هرمز. لقد أدخلونا في هذه الفوضى، ولذا إن كان هناك ما يمكن لأمريكا تقديم للمنطقة ولأصدقائها -إلى جانب تزويدنا بأفضل الأسلحة- فهو إعادة فتح مضيق هرمز".