تقارير
من "الانتقالي الجنوبي" إلى "الجنوب العربي".. قراءة في دلالات التغيير المفاجئ ومآلات مشروع الانفصال
في خطوة مستغربة ومبهمة، أثارت عاصفة من الجدل الواسع في الأوساط السياسية والشعبية، طرأ تغيير مفاجئ على هوية "المجلس الانتقالي الجنوبي" -أو ما تبقى من هذا الكيان المعلن حله- ليتحول اسمه في المنصات وعلى ألسنة ناشطيه وإعلامييه إلى "المجلس الانتقالي للجنوب العربي".
هذا التحول، الذي جاء خالياً من أي إعلان رسمي أو قرار من القيادات العليا، لم يقتصر على كونه مجرد تعديل لفظي، بل فتح الباب واسعاً لقراءة مشهد معقد يعيد رسم التحالفات، ويضرب في صميم شرعية المشاريع السياسية القائمة.
إدارة الأزمة أم أزمة إدارة؟
بدأت القصة حين غيرت الحسابات الرسمية للقنوات التابعة للمجلس وهيئاته وناشطوه الاسم بشكل متزامن ومفاجئ. غياب البيان الرسمي أو القرار القيادي الشفاف أعاد إلى الأذهان الطريقة التي يُدار بها المجلس بعيداً عن هيئاته المؤسسية، مما يوحي بأن القرار اُتخذ في غرف مغلقة أو فرض كأمر واقع من قبل تيار محدد داخل الكيان المتبقي.
ويعتقد مراقبون أن هذا التغيير قد يمثل حيلة قانونية للالتفاف على إعلان حل المجلس، في محاولة لخلق كيان جديد بعباءة تاريخية تضمن استمرار النفوذ السياسي للأطراف المتحكمة فيه حالياً.
استدعاء الماضي: هروب من "اليمننة" أم ردة عن "أكتوبر"؟
يكمن الوجه الأكثر إثارة للغرابة في هذا التحول باستدعاء مشروع "اتحاد الجنوب العربي"؛ وهو هيكل فيدرالي ومشروع سياسي هندسته بريطانيا في الخمسينيات والستينيات لتوحيد مستعمرة عدن والمحميات المحيطة بها تحت إدارة واحدة موالية لها قبل الاستقلال.
ينقسم الشارع والنخب حول هذه الخطوة إلى تيارين:
- أنصار التسمية الجديدة: يبررون الخطوة بأنها محاولة ضرورية لـ "الهروب من اليمننة"، وفك الارتباط التام بكل ما يربط الجنوب بالشمال، سياسياً وتاريخياً واسمياً.
- المعارضون: يرون في هذا الاستدعاء ردة صريحة عن ثورة 14 أكتوبر المجيدة، وضربة قاصمة لمشروعية الاستقلال الوطني. والأخطر من ذلك، أنه ينسف الأساس القانوني والسياسي لدولة ما قبل عام 1990 (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية)، وهي الدولة التي يستند إليها مشروع الانفصال نفسه في المطالبة باستعادة حدوده المعترف بها دولياً.
تخلٍ استراتيجي عن حضرموت والشرق
جغرافياً وتاريخياً، لم تكن حضرموت والمحافظات الشرقية ( المهرة وسقطرى وشبوة ) جزءاً من مشروع "اتحاد الجنوب العربي" البريطاني. بناءً على ذلك، يُقرأ هذا التغيير الاسمي كإعلان تخلٍ واضح وصريح عن هذه المناطق الاستراتيجية الحيوية.
هذا التحول يثبت عملياً الحدود التاريخية والسياسية الفاصلة بين عدن والمحافظات المجاورة لها من جهة، وبين حضرموت والمحافظات الشرقية من جهة أخرى، مما يكرس انقساماً جغرافياً ومجتمعياً ينسف فكرة "الجنوب الموحد" التي طالما تغنى بها المجلس.
صراع الأجنحة: الرابطة والاشتراكي في معركة البقاء
الغوص في القراءات الداخلية لردود الفعل يكشف عن عُقد سياسية أعمق، حيث يمثل التغيير انعكاساً لاحتدام الخلاف بين قطبي المشروع الانفصالي: حزب رابطة أبناء الجنوب والحزب الاشتراكي اليمني.
تشير المعطيات إلى أن "حزب الرابطة" -الذي بات المتحكم الفعلي بما تبقى من هياكل المجلس- هندس هذا التغيير لقطع الطريق أمام الحزب الاشتراكي اليمني وإقصائه من أي مستقبل سياسي في الجنوب، مستغلاً التباين التاريخي بين المدرستين.
وما يؤكد عمق هذا الصدع الداخلي، هو الهجوم اللاذع الذي شنه عيدروس النقيب، رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي ومسؤول العلاقات الخارجية السابق للمجلس الانتقالي، حيث حذر بشدة من خطورة هذا التغيير، معتبراً أن الحديث عن "دولة الجنوب العربي" يعكس "فقراً في المعطيات وغياباً للدراسات"، ووصف الخطوة بأنها "متاهة عبثية"، مؤكداً أنه "لم يكن في التاريخ دولة اسمها 'الجنوب العربي'، ولم يكن لهذا الاسم أي حضور في جميع مراحل العلاقة بين الجمهوريتين الجنوبية والشمالية".
خلاصة المشهد
لا يبدو أن تغيير اسم المجلس الانتقالي سيمنح بقاياه قبلة الحياة أو يعيدها إلى صدارة المشهد الذي يجري إبعادها عنه تدريجياً؛ بل على العكس، جاءت هذه الخطوة لتكرس انقساماً حقيقياً وعميقاً داخل مشروع الانفصال الجنوبي ذاته.
فبدلاً من توحيد الصفوف، أثارت التسمية الجديدة مخاوف التفتت الجغرافي (عزل حضرموت والشرق)، وأشعلت صراع إرادات وتصفية حسابات تاريخية بين الشركاء السياسيين (الرابطة والاشتراكي)، لتدخل القضية الجنوبية برمتها في منعطف غامض يفقدها أهم أوراق شرعيتها التاريخية والقانونية.