تقارير
منهجية التعتيم.. كيف تستغلها مليشيا الحوثي لاختطاف المدنيين بذريعة التخابر؟
قالت وكالة الأنباء الروسية إن رئيس حكومة الحوثيين غير المعترف بها دوليًا، أحمد الرهوي، قُتل في القصف الجوي الذي شنه العدوان الإسرائيلي، أمس، على صنعاء.
ونقلت وكالة "سبوتنيك" عن مصدر يمني مقرّب من عائلة الرهوي أن مقاتلات جوية إسرائيلية قصفت منزلًا في منطقة حدة جنوب صنعاء، ما أسفر عن سقوط أربعة قتلى بينهم الرهوي وعدد من مرافقيه، فيما أُصيب آخرون.
كالعادة، تفرض مليشيا الحوثي الانقلابية حظرًا صارمًا لنشر أو تداول أي معلومات تتعلق بما تسفر عنه الغارات الإسرائيلية، كما تمنع المدنيين حتى من نشر أي تعازٍ ذات صلة بهذه الغارات.
فبالرغم من مرور قرابة 48 ساعة على الغارات الإسرائيلية، لا تزال المليشيا تمنع تداول أي معلومات بخصوص مصير الرهوي أو هوية من كانوا معه وقت استهدافه.
-"شو إعلامي"
يقول الصحفي المتخصص في رصد الانتهاكات الحوثية، حفظ الله العميري: "بالنسبة لموضوع الضربات الإسرائيلية واستهداف بعض قيادة المليشيا في صنعاء، لا زالت هذه الأخبار غير مؤكدة بشكل رسمي، لكنها تقريبًا تأكدت بشكل شبه رسمي".
وأضاف: "المليشيا بالأساس لا تعتمد على هؤلاء الواجهة التي تستخدمهم، رئيس الوزراء، وحتى هناك أخبار قرأتها قبل قليل باستهداف وزير الإدارة المحلية، وأيضًا وزير النقل، وغيرها من القيادات التي تعتبر في الواجهة، لكن المليشيا تعدها من الدرجة الثانية أو الثالثة أو الرابعة داخل مليشيات الحوثي".
وتابع: "هذه القيادات عبارة عن واجهة فقط، وأنا أرى أن العدو الإسرائيلي حقق من هذه الضربة شو (استعراض) إعلامي كبير بمقتل رئيس وزراء الحوثي إذا تأكد الخبر، بينما مليشيا الحوثي ستستخدمها للدعوة إلى التحشيد لصالحها، وخاصة مع اقتراب المولد النبوي".
وأردف: "أنت تلاحظ في كل فترة الحوثي في كل مناسبة طائفية يخرج، يعني يستهدف بعض القيادات، يعمل 'شو' إعلامي من أجل إخراج الناس".
وزاد: "أنا أعتقد إذا قُتل رئيس الوزراء فستعلن مليشيا الحوثي عنه مع الأيام القادمة؛ كون هذه القيادات غير مهمة بالنسبة لها، واستهدافها يأتي في مصلحتها أساسًا؛ لأن هذه القيادات ليست من الجناح العسكري، ليست من الجناح العقائدي، ليست من الجناح الأيديولوجي، وليس لها قيمة سوى صورة في الواجهة".
وقال: "لن يطول هذا التعتيم؛ لأن الحقائق ستظهر، فالحوثي ينتظر فقط إيقاف الضربات، وإيقاف حرب غزة من أجل الإعلان عن الخسائر، وتشكيل رواية حسب ما يشكِّلها هو بعد أن يتأكد من أن الرواية التي يُعد لها قد اكتملت، وأن يتأكد أيضًا أن هذه الرواية لن تُستخدم ضده، ولن تحصره في زاوية النقد".
-الخوف من غضب الشعب
يقول الصحفي صدام الحريبي: "إن تعامل مليشيا الحوثي مع هذه الضربات اختلف بشكل كبير عما كانت تمارسه أثناء قصف التحالف العربي في بداية الحرب، فحاليًا تقوم المليشيا بالتعامل مع الضربات بطريقة أخرى، أولًا من خلال التحكم بالرواية، حيث لا تريد أن تظهر للناس بأنها عاجزة عن حماية المدنيين، فيدفعها هذا إلى تعمد إخفاء الضحايا".
وأضاف: "أيضًا لكي لا تتزعزع صورتها كقوة منتصرة، تريد أن تتحكم بالروايات وتخرجها بالطريقة التي تريدها".
وتابع: "الموضوع الآخر، وهو المهم، الذي يتعلق بالخوف من غضب المجتمع في صنعاء وفي مناطق سيطرتها. فإذا سُمح للمواطنين في صنعاء بالقيام بتصوير الضربات وهناك ضحايا، وقامت أسر هؤلاء الضحايا بفتح مجالس عزاء، تخاف مليشيا الحوثي أن تكبر موجة الغضب، وتتحول هذه الموجة إلى ثورة ضدها في هذه المناطق، خصوصًا بالتزامن مع الجوع والفقر الذي يعانيه الناس هناك".
وأردف: "أعتقد بأنه إذا كثّف الكيان الصهيوني من ضرباته في صنعاء، خصوصًا في شهر سبتمبر، فهو خدمة للحوثي، خدمة مجانية يقدِّمها للحوثي؛ كونه يستخدمها في حشد الناس وإجبارهم على الخروج والاحتفاء بذكرى انقلابه، وهذا يستدعي تشكيك الناس بالضربات الصهيونية".
-سياسة التعتيم
منذ سيطرتها على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، اعتمدت مليشيا الحوثي سياسة منهجية قائمة على التعتيم الإعلامي، وحجب المعلومات، خصوصًا فيما يتعلق بالضربات الجوية والخسائر البشرية في صفوفها.
وتتمثل هذه السياسة في منع وسائل الإعلام المستقلة من التغطية، ومصادرة هواتف المدنيين، وإغلاق شبكات الإنترنت في بعض الأحيان، وفرض رقابة صارمة على ما يُنشر في المِنصات المحلية.
ويستند الحوثيون في ذلك إلى معادلة تقوم على التحكم الكامل بالرواية الرسمية، بحيث لا تُتاح أي مساحة لظهور روايات مغايرة تكشف حجم خسائرهم أو فشلهم في حماية المدنيين.
هذه المنهجية خدمت المليشيا في استثمار الضربات العسكرية سياسيًا وإعلاميًا لصالحها، حيث تحوّل كل قصف إلى أداة لتجييش الشارع، وإعادة إنتاج خطاب "المظلومية" الذي تستخدمه في تعبئة أنصارها، خصوصًا في المناسبات الدينية أو السياسية.
كما يخشى الحوثيون من أن يؤدي السماح للمدنيين بتداول الأخبار أو إقامة مجالس عزاء علنية للضحايا إلى تأجيج غضب شعبي واسع قد يتحول إلى موجة احتجاج ضد سلطتهم، خاصة في ظل تفاقم الأوضاع المعيشية والجوع والفقر في مناطق سيطرتهم.
ولهذا، فإن سياسة التعتيم بالنسبة لهم ليست مجرد تكتيك إعلامي، بل أداة للبقاء في السلطة والتحكم بالمجتمع.