تقارير
كيف يمكن للحوثيين أن يضعوا العالم في مأزقين بحريين خطيرين؟
ظلت الجبهة اليمنية، التي تشكل تهديدًا دائمًا لـ (إسرائيل) وتتحول أحيانًا إلى تهديد قاتل، هادئة نسبيًا خلال الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. لكن بينما لم يكن الحوثيون، حلفاء الجمهورية الإسلامية في اليمن، يطلقون سوى عدد محدود من الطائرات المسيّرة والصواريخ، كانوا يراقبون ما يجري عن كثب.
وبعد أن صمدوا أمام موجات عديدة من الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية منذ عام 2024، والتي ألحقت أضرارًا كبيرة بالبنية التحتية الحيوية، ومع تفاقم الأزمات الاقتصادية في اليمن، بات الحوثيون يبحثون عن مصادر جديدة للتمويل.
ومن تجربة راعيهم الإيراني في الحرب، خرجت الجماعة بدروس رئيسية، أهمها أن فرض رسوم على السفن المارة عبر المضيق الضيق الذي يفصل المحيط الهندي عن البحر الأحمر (باب المندب) قد يكون مصدرًا مربحًا للأموال، وأن المملكة العربية السعودية تبقى عرضة للضغط.
وتنص مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران على أن إيران ستسمح للسفن بالعبور عبر مضيق هرمز "دون أي رسوم لمدة ستين يومًا فقط".
وقد بدأت الجمهورية الإسلامية بالفعل في وضع الأساس لنظام رسوم جديد، عبر إلزام شركات الشحن بالحصول على تأمين معتمد من "هيئة مضيق الخليج الفارسي" المستحدثة، والتي فرضت عليها وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات في أواخر مايو، ووصفتها بأنها "محاولة جديدة من الحرس الثوري الإيراني لتحويل حملته القائمة على الإرهاب الذي ترعاه الدولة إلى مصدر دخل من خلال ابتزاز السفن العابرة لمضيق هرمز".
وخلال فترة الستين يومًا توفر إيران هذا التأمين مجانًا، لكنها تعتزم فرض رسوم عليه بعد انتهاء المهلة، بما يعني عمليًا إنشاء نظام لفرض رسوم عبور في المضيق تحت غطاء تقديم خدمة.
وكان الرئيس دونالد ترامب قد أكد أنه لن تكون هناك أي رسوم بعد انتهاء فترة الستين يومًا "ما لم تُفرض من قبل الولايات المتحدة ولصالحها، إذا لم يُستكمل الاتفاق". إلا أنه، وبصرف النظر عن هذه التأكيدات، فإن الصراع الأخير ومذكرة التفاهم قد أضعفا الثقة في التزام الولايات المتحدة بحرية الملاحة، وبالأخص في استعداد واشنطن لاستخدام القوة من أجل حمايتها.
ولا تقتصر معاناة تعطل الممرات البحرية على الحكومات وحدها، بل تمتد أيضًا إلى شركات الشحن الخاصة. فقد أدى عجز المجتمع الدولي عن إعادة فتح البحر الأحمر بشكل حاسم بعد أن بدأ الحوثيون حملتهم ضد السفن التجارية في عام 2023 إلى تردد شركات الشحن في العودة إلى هذا المسار.
وكان فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة المعني باليمن قد أفاد، في أكتوبر 2024، وفي خضم حملة الحوثيين ضد الملاحة في البحر الأحمر، بأن الجماعة كانت تجبي "رسوم عبور آمن غير قانونية" تُقدر بنحو 180 مليون دولار شهريًا، وهو ادعاء نفاه الحوثيون.
وعادت المخاوف بشأن فرض رسوم عبور في البحر الأحمر إلى الواجهة مجددًا في تقرير نشرته "لويدز ليست" في أبريل 2026، نقلًا عن شركة الأمن والاستخبارات "أوبسيديان إنترناشيونال".
إغلاق إيران لمضيق هرمز دفع دول الخليج إلى إعادة توجيه صادراتها النفطية نحو ميناء ينبع على البحر الأحمر، رغم استمرار المخاوف من تهديدات الحوثيين. وخلال الفترة من مارس إلى مايو، صدّرت السعودية عبر الميناء ما متوسطه نحو 3.6 ملايين برميل يوميًا، مقارنة بحوالي 750 ألف برميل يوميًا قبل اندلاع الصراع مع إيران. كما تعتزم رفع صادراتها عبر ينبع إلى أكثر من خمسة ملايين برميل يوميًا.
كما بدأت دول الخليج في نقل المنتجات غير النفطية، بما في ذلك الأسمدة التي تشتد الحاجة إليها، عبر شاحنات تجتاز الصحراء العربية لتصديرها عبر البحر الأحمر. وعلى الرغم من أن مذكرة التفاهم تتيح استئناف جزء من حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، فإن البحر الأحمر سيظل ممرًا حيويًا، سواء لارتباطه بقناة السويس أو باعتباره منفذًا بديلًا لصادرات دول الخليج.
ويضع الحوثيون أيضًا نصب أعينهم مصدرًا آخر محتملًا للأموال، يتمثل في جارهم الشمالي. ففي مارس، أعلن زعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي، أن حجم الأضرار التي يُحمّل مسؤوليتها للتحالف الذي قادته السعودية ضد الجماعة منذ عام 2015 وحتى التوصل إلى هدنة عام 2022 تجاوز 57 مليار دولار، وذلك في عرض غير معتاد من حيث تفصيلاته.
واستمرت خطابات عبد الملك الحوثي خلال شهر يونيو في التأكيد على رواية الجماعة التي تحمل السعودية، إلى جانب الولايات المتحدة والإمارات، مسؤولية "المؤامرات" التي يقول إنها استغلت اليمن وأفقرته. وبطبيعة الحال، لا يأتي الخطاب على أي ذكر لمسؤولية الحوثيين عن أعمال العنف الواسعة وسوء الإدارة والنهب التي شلت البلاد.
وفي السابق، كان الحوثيون مقيدين بمخاوف من أن يؤدي رفع سقف مطالبهم بسرعة إلى استثارة رد فعل من الرياض، وربما رد عسكري أيضًا. إلا أن السعودية تبقى عرضة لتهديدات الحوثيين، إذ تقع منشآتها النفطية ومدنها وبنيتها التحتية الحيوية جميعها ضمن مدى الطائرات المسيّرة والصواريخ التي تمتلكها الجماعة.
وخلال العمليات التي قادها التحالف السعودي ضد الحوثيين، أظهرت الجماعة المدعومة من إيران استعدادها وقدرتها على استهداف دول الخليج، ولا سيما السعودية، عبر مئات الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ. ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف قدراتها عن التطور، بل ازدادت تقدمًا.
وبعد أن تحملت السعودية مئات الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية منذ 28 فبراير، فإنها ليست متحمسة لتكبد المزيد من الأضرار.
فقد نجحت إيران في استهداف عدد من مصافي النفط السعودية وحقول النفط وخط أنابيب الشرق–الغرب، الذي يتيح للمملكة تصدير النفط عبر البحر الأحمر، وهو ما أثر في قدرتها على إنتاج النفط والغاز الطبيعي وتكريرهما وتصديرهما.
ورغم أن المملكة تمكنت من إصلاح جزء كبير من تلك الأضرار في وقت قصير نسبيًا، فإن المخاوف المرتبطة بالتداعيات الاقتصادية لأي انقطاع أو أضرار مستقبلية لم تتبدد.
ولا تبدو الرياض راغبة في خوض صراع جديد في الوقت الراهن. ومع ذلك، إذا قررت القيادة السعودية التحرك ضد الحوثيين، فإنها ستسعى أولًا إلى الحصول على ضمانات بدعم أمريكي قبل الإقدام على أي عمل واسع النطاق ضد الجماعة، وهي ضمانات يُستبعد أن تحصل عليها في ظل رغبة واشنطن في تجنب الانخراط في صراعات جديدة في المنطقة.
وقد خرج الحوثيون من الحرب التي اندلعت عقب هجوم حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 وهم يتمتعون بمكانة أعلى داخل شبكة "محور المقاومة" التي تقودها إيران. غير أنهم، إذا أرادوا مواصلة سعيهم إلى توسيع نفوذهم الإقليمي، بل والعالمي، فسيحتاجون إلى تدفق جديد من الأموال.
وإذا أظهرت واشنطن استعدادًا لتقديم تنازلات للجهة الراعية، فمن المرجح أن تزداد شهية الوكلاء أيضًا. ويدرك الحوثيون أنهم يمتلكون أوراق ضغط، وسيستخدمونها لابتزاز ليس جيرانهم فحسب، بل المجتمع الدولي بأسره.