تقارير

كيف تغذي شبكات العملات المشفّرة آلة الحرب الحوثية؟

23/06/2026, 17:01:01
المصدر : ذا ميديا لاين

يصف محللون ومصادر محلية نظامًا قائمًا على عملة تيثر، ومحافظ مؤقتة، ومنصات تداول ضعيفة التنظيم، وشبكات لتحويل الأموال إلى نقد على الأرض.

في قبو مبنى متهالك في العاصمة اليمنية صنعاء، يجلس ناصر شرهان، البالغ من العمر 46 عامًا، تحت ضوء خافت لشمعة. كان موظفًا حكوميًا سابقًا انقطع راتبه منذ سنوات، ويعيش الآن على حافة المجاعة، غير قادر على شراء حتى كيس دقيق لأطفاله الخمسة.

وعلى بُعد بضعة كيلومترات فقط من فراش ناصر البارد، تعمل خوادم إنترنت يديرها الحوثيون بنشاط متواصل، حيث يجري تعدين وتحويل ملايين الدولارات الرقمية عبر الفضاء الإلكتروني، وتوجيهها بالكامل نحو المجهود الحربي ومصالح كبار القيادات الحوثية.

وقال أحدث تقرير لفريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن، الذي قُدّم إلى مجلس الأمن في أكتوبر 2025، إن العقوبات المالية لم تحقق سوى فعالية محدودة. ويعود ذلك إلى حد كبير إلى اعتماد الحوثيين المتزايد على قنوات بديلة وشبكات تهريب متطورة، إلى جانب سيطرتهم الكاملة على قطاع الاتصالات في اليمن، الذي يدر إيرادات كبيرة تُوجَّه مباشرة إلى تمويل الحرب.

ولم يكن لهذا النظام المالي الافتراضي أن يتوسع لولا الثغرات الكبيرة في منصات التداول العالمية. وكشفت تقارير تحقيقية نشرتها صحف نيويورك تايمز وول ستريت جورنال ومجلة فورتشن في أواخر عام 2025 عن وثائق داخلية تشير إلى أن منصة بينانس، أكبر منصة لتداول العملات المشفّرة في العالم، سهّلت تدفقات مالية كبيرة استفادت منها جهات مرتبطة بإيران بسبب ثغرات في إجراءات الامتثال.

وقال أمين جميل، مهندس تحليل رقمي وشبكات، لصحيفة "ذا ميديا لاين" إن الحوثيين لا يعملون بصورة عشوائية في الفضاء الإلكتروني، بل يعتمدون على بنية مالية مصممة بعناية تتمحور حول شبكة ترون وعملة تيثر المستقرة، أو "يو إس دي تي".

وبحسب جميل، فإن اختيار هذه الشبكة وهذه العملة يرجع إلى عاملين رئيسيين. الأول هو انخفاض تكاليف المعاملات وسرعة المعالجة العالية مقارنة بشبكة بيتكوين. أما الثاني، فهو أن تيثر مرتبطة بالدولار الأمريكي، ما يحمي أموال الحوثيين من التقلبات الحادة في أسواق العملات المشفّرة، ويوفر مرونة شبيهة بالدولار النقدي، ولكن في بيئة افتراضية بعيدة عن رقابة الأنظمة المصرفية الدولية.

وأضاف جميل أن دورة غسل هذه الأموال وتحويلها إلى سيولة نقدية تتكون من ثلاث مراحل تقنية. تبدأ العملية بتلقي التحويلات عبر عناوين رقمية مؤقتة يجري إنشاؤها وتغييرها بانتظام لتجنب الرصد والتتبع. ثم تُمرَّر الأموال عبر منصات تداول تعمل تحت رقابة تنظيمية محدودة أو منصات لا تفرض إجراءات صارمة للتحقق من الهوية.

أما المرحلة الثالثة والأخيرة فهي "التحويل إلى نقد على الأرض"، حيث تؤدي شبكات الصرافة المحلية والدولية دورًا حاسمًا في تحويل الرموز الرقمية إلى أموال نقدية بالعملات المحلية أو الأجنبية، وتوزيعها مباشرة لدعم الجبهات أو شراء الأسلحة أو الاستحواذ على العقارات والحصول على جنسيات أجنبية للحوثيين في الخارج.

ولفهم كيفية عمل هذه الشبكة على أرض الواقع، قال مسؤول تقني في يمن نت، شركة الاتصالات العامة في صنعاء، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، إن الحوثيين يستغلون بصورة مباشرة البنية التحتية للشركة وخوادمها، عبر توجيه قدرات الحوسبة وكميات ضخمة من حركة البيانات نحو عمليات تعدين بيتكوين والعملات المشفّرة لصالح شخصيات نافذة وكيانات حوثية.

وقد أدى هذا الاستخدام المكثف وغير القانوني لموارد الشبكة إلى زيادة الضغط على بنية تحتية هشة أصلًا. ووفقًا للمسؤول، فإن ذلك هو السبب الحقيقي وراء استمرار تدهور جودة الإنترنت وبطء سرعات الاتصال بصورة خانقة التي يعاني منها اليمنيون. كما أدى إلى تحويل الكهرباء المخصصة أصلًا للبنية التحتية للاتصالات لتشغيل مرافق التعدين المرتبطة بها.

ومن الجدير بالذكر أن فرقًا تقنية تابعة لشركة هواوي الصينية للاتصالات موجودة في اليمن لصيانة شبكات الاتصالات وتطويرها بموجب عقود تجارية. وزعم المسؤول أن هذا الغطاء التقني قد يُستخدم، في بعض الحالات، لتجهيز خوادم قادرة على التعامل مع أحمال البيانات الضخمة المطلوبة لعمليات التعدين من دون إثارة الشبهات. غير أن هذه المزاعم المحددة لم يكن بالإمكان التحقق منها بصورة مستقلة حتى وقت نشر هذا التقرير.

ولا تقتصر الأنشطة الرقمية للحوثيين على الدعم المالي الخارجي. فقد امتدت آلتهم المالية إلى طرق الشحن الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

وتشير تقارير إعلامية دولية، من بينها هيئة الإذاعة الألمانية "دويتشه فيله"، إلى أن الحوثيين فرضوا ما وصفته بـ"رسوم سلامة" على بعض سفن الشحن ووكلاء الملاحة وشركات التأمين، مقابل ضمانات بعدم استهدافهم بالطائرات المسيّرة أو الصواريخ. وتكمن أهمية هذا المخطط في اشتراط تحويل المدفوعات مباشرة إلى محافظ رقمية مؤقتة، ما يوفر للجماعة سيولة فورية يصعب تتبعها أو تجميدها عبر نظام التحويلات المصرفية التقليدي "سويفت".

وقال فهيم حسن، وهو وسيط ومتداول محلي في العملات المشفّرة بصنعاء، لصحيفة "ذا ميديا لاين" إن الحوثيين فرضوا رقابة صارمة على المحافظ الرقمية لرجال الأعمال والتجار المحليين العاملين في المناطق الخاضعة لسيطرتهم. ووفقًا لفهيم، يتعرض هؤلاء بانتظام للابتزاز، ويُجبرون على دفع إتاوات والتنازل عن أجزاء من أرباحهم تحت تهديد مصادرة الأصول أو الاعتقال. وأضاف حسن أن الحوثيين باتوا يمتلكون معلومات واسعة عن التجار المحليين في سوق العملات المشفّرة، ولم يستبعد احتمال تجنيد بعضهم لعمليات مستقبلية.

وفي وقت تصنف فيه الأمم المتحدة اليمن باعتباره موقعًا لواحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، كانت شبكات البلوك تشين غير المرئية تدعم واقعًا موازيًا، تتدفق فيه مئات ملايين الدولارات من العملات المشفّرة عبر قنوات رقمية لتمويل تصنيع الطائرات المسيّرة وشراء الأسلحة. ولعلها المفارقة الأكثر قتامة في حرب اليمن: سكان يعيشون تحت خط الفقر، في حين تراكم سلطة أمر واقع ثروات عابرة للحدود بضغطة زر وتوجهها نحو المجهود الحربي.

 

تقارير

توسع عسكري في القرن الأفريقي.. شحنات غامضة بين الإمارات وميناء بربرة

أثارت تحركات سفن شحن بين ميناء الفجيرة الإماراتي والمنشآت العسكرية في ميناء بربرة بإقليم أرض الصومال، تساؤلات حول طبيعة النشاط اللوجستي المتزايد في أحد أكثر المواقع حساسية في منطقة البحر الأحمر.

تقارير

(صافر) جاهزة لاستئناف تصدير الغاز المسال

في وقت لا يزال فيه قطاع الطاقة اليمني يعمل تحت وطأة تداعيات الحرب وتراجع الاستثمارات الأجنبية، كشفت شركة «صافر»، أكبر منتِج للنفط والغاز في البلاد، عن خطط تستهدف توسيع الاستفادة من الموارد الهيدروكربونية، تشمل استخدام غاز الميثان وقوداً للسيارات والمنازل، إلى جانب دراسة استثمار احتياطات محتملة من النفط الصخري.

تقارير

بين هرمز وباب المندب.. سلاح الممرات البحرية يعيد تشكيل موازين القوة في المنطقة

في الوقت الذي توصلت فيه إيران والولايات المتحدة إلى اتفاق لوقف إطلاق النار على طريق التوصل إلى اتفاق سلام نهائي، تتصاعد الآمال بإمكانية منع مزيد من التصعيد الإقليمي. ويأتي ذلك بعد أيام قليلة فقط من مخاوف سادت بشأن احتمال تجدد الهجمات في البحر الأحمر من قبل جماعة الحوثي اليمنية، التي تُعدّ، على الأرجح، أبرز حلفاء إيران وأكثرهم تهديداً.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.