03/05/2026, 05:51:31
المصدر : تشاتام هاوس - د. نيل كويليام
أدّت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران إلى طرح العديد من التحديات أمام المملكة العربية السعودية، بما في ذلك إغلاق مضيق هرمز، وتعميق الخلاف مع الإمارات العربية المتحدة، وخروج الأخيرة من منظمة أوبك. كما منحت الحرب ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، فرصة للتأمل وإعادة النظر.
قبل صعود محمد بن سلمان، كانت السياسة السعودية بطيئة وتعتمد على التوافق، وكانت إلى حد كبير قابلة للتنبؤ. أما ولي العهد فقد نشّط البيئة الداخلية، وانتهج سياسة خارجية أكثر حزمًا، وأحيانًا غير متوقعة، ما أدخل السعودية في مواقف صعبة.
غير أن حرب إيران أعادت مرة أخرى إبطاء عملية صنع القرار في المملكة، في ظل إعادة القيادة تقييم استراتيجيتها طويلة المدى. وهي تدرك تمامًا أن نتائج هذا الصراع، أيًا كانت، ستحدد مستقبل المنطقة لما لا يقل عن العقدين القادمين.
من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر
ليس من المستغرب أن يتركز تقييم السعودية حاليًا على مضيق هرمز، الذي تمر عبره معظم صادراتها النفطية وغيرها من السلع. وعلى الرغم من إدراك المملكة منذ زمن طويل لمدى تعرضها للاضطراب في هذا الممر الحيوي، فإن إغلاقًا مستمرًا له كان يُعد تاريخيًا أمرًا غير مرجح للغاية. لكن هذا الإغلاق كشف عن نقطة ضعف رئيسية، ليس فقط في التجارة، بل أيضًا في نجاح استراتيجية "رؤية 2030".
الآن وبعد أن تم إغلاق هرمز مرة واحدة، سيظل خطر تكرار ذلك قائمًا دائمًا. وهذا يشكل تهديدًا طويل الأمد لتدفقات التجارة وخطط التحول الاقتصادي في السعودية. كما أن الاضطرابات المتكررة أو المطولة ستؤثر سلبًا على الإيرادات، وثقة المستثمرين، وقدرة المملكة على تقديم نفسها كمركز مستقر للتجارة والخدمات اللوجستية والتمويل. وتعتمد طموحات "رؤية 2030" وما يليها على تدفقات طاقة وإيرادات يمكن التنبؤ بها، وعلى بيئة بحرية آمنة.
ولهذا بدأت المملكة في إعادة تقييم جغرافيتها الاقتصادية، من خلال تقليل اعتمادها على هرمز وإعادة توجيه سياساتها نحو البحر الأحمر. وستصبح المشاريع على الساحل الغربي للسعودية، بما في ذلك الموانئ والمناطق الصناعية والمشاريع السياحية، من الأولويات الرئيسية. كما يمنح امتلاك المملكة لساحلين ميزة جغرافية كبيرة مقارنة بجيرانها، ستسعى لاستغلالها للتميّز — خاصة عن الإمارات — كمركز رئيسي للتصدير والخدمات اللوجستية في المنطقة.
ويعني هذا التحول غربًا أن شركة أرامكو السعودية ستحتاج إلى إعادة توجيه صادرات النفط الخام نحو البحر الأحمر، أو على الأقل بناء قدرة لنقل 7 ملايين برميل يوميًا لمعادلة مستويات ما قبل الحرب. وهي حاليًا تنقل نحو 4 ملايين برميل يوميًا عبر خطوط الأنابيب من الشرق إلى الغرب، وتصدرها عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر. ورغم انخفاض الصادرات الحالية، فإن السعودية في وضع أقوى من العديد من جيرانها في الخليج، الذين لا تزال صادراتهم محصورة داخل الخليج. ومع وصول أسعار النفط إلى نحو 120 دولارًا للبرميل، أي ما يقارب ضعف مستويات ما قبل الحرب، تحتفظ الرياض بقدر من المرونة المالية.
ومع ذلك، ستكون هناك حاجة إلى استثمارات طويلة الأجل كبيرة في البنية التحتية، لتمكين نقل السلع — خاصة النفط — بين البحر الأحمر والمراكز الحضرية الرئيسية في الخليج، إذا أرادت السعودية ترسيخ نفسها كمركز تجاري إقليمي. وستكون التكاليف الأعلى والجداول الزمنية الأطول أمرًا لا مفر منه، لكن الطبيعة الهيكلية لمشكلة هرمز لا تترك للمملكة خيارًا آخر.
لكن إعادة توجيه المسارات بعيدًا عن هرمز لن تقضي على المخاطر، بل ستنقلها فقط إلى موقع آخر. إذ تُظهر الهجمات على الشحن في البحر الأحمر من قبل الحوثيين المدعومين من إيران أن انعدام الأمن البحري سيصبح عائقًا رئيسيًا أمام التوجه السعودي نحو الغرب، وليس مسألة ثانوية.
الحرب مع إيران تعيد إشعال الخلاف مع الإمارات
يساعد خطر انعدام الأمن البحري على طموحات السعودية في البحر الأحمر في تفسير ترددها في الانخراط المباشر في الحرب ضد إيران، وسعيها للحد من التصعيد. إذ تدرك القيادة أن الرد العسكري على الضربات الإيرانية لن يزيد فقط من المخاطر على أصولها النفطية وبنيتها التحتية الحيوية، بل قد يدفع الحوثيين أيضًا إلى الانخراط بشكل مباشر في الصراع. وهذا بدوره سيعرض طرق التصدير البديلة للسعودية للخطر، مما يقوض جهودها الأساسية لتنويع مساراتها بعيدًا عن هرمز.
كما يفسر ذلك اختلاف مواقف السعودية والإمارات تجاه الحرب، وتصاعد التوترات بينهما. فقد اتخذت أبوظبي موقفًا متشددًا تجاه إيران، أقرب بكثير إلى موقف الولايات المتحدة وإسرائيل مقارنة بجيرانها في الخليج. وقد انتقد مسؤولون إماراتيون كبار كلًا من القيادة الإيرانية بسبب استهدافها مواقع داخل الإمارات، وكذلك شركاء إقليميين لعدم ردهم بشكل أكثر حزمًا أو إظهار دعم أكبر.
وبدأت السعودية تنظر إلى إسرائيل وتصرفاتها باعتبارها تهديدًا للأمن الإقليمي، وبالتالي ترى في تقارب الإمارات معها أمرًا سلبيًا. ونتيجة لذلك، أصبح موقف أبوظبي مصدر إزعاج متزايد للرياض. كما أن قرار الإمارات الانسحاب من أوبك، رغم أنه لم يكن مفاجئًا بالكامل، يمثل ضربة أخرى للمملكة. وعلى الرغم من أن السعودية ستظل اللاعب المهيمن داخل أوبك، فإنها ستكون المنتج الرئيسي الوحيد الذي يمتلك طاقة فائضة كبيرة، وقد تضطر إلى خفض إنتاجها وصادراتها مستقبلًا لتعويض زيادات الإنتاج الإماراتي.
والأهم من ذلك، أن التنافس بين البلدين على النفوذ في البحر الأحمر مرشح للتصاعد. إذ سيصبح التحكم في الوصول والمسارات والأمن على طول هذا الممر المائي عنصرًا محوريًا في الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية للسعودية. وفي الوقت نفسه، تبني الإمارات شبكة استراتيجية من الموانئ والقواعد العسكرية عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي، لتأمين طرق التجارة العالمية وتعزيز نفوذها الاقتصادي.
إعادة تفكير استراتيجية
تستغل القيادة السعودية الحرب أيضًا لإعادة ترتيب أولويات إنفاقها تحت غطاء الأزمة. فقد كانت مراجعة المشاريع العملاقة جارية بالفعل قبل الصراع، وتوفر الحرب مع إيران مبررًا لإجراء تغييرات إضافية كبيرة في استراتيجية الاستثمار دون التعرض لانتقادات بالفشل.
وهناك تركيز متجدد على الصناعات المحلية الأساسية للتنمية الوطنية والأمن الاقتصادي. وقد بدأ صندوق الاستثمارات العامة في تقليص التزاماته الخارجية البارزة، بما في ذلك استثماراته في دوري LIV Golf، ورعاياته وشراكاته المرتبطة بدار الأوبرا المتروبوليتان في نيويورك. كما وافق على بيع جزئي لحصة كبيرة في نادي الهلال، أحد أبرز الأندية في المملكة، مع التخطيط لبيع حصص في أندية أخرى مثل النصر والأهلي والاتحاد. ويشير ذلك إلى تحول نحو إنفاق أكثر حذرًا وانضباطًا ماليًا أكبر، والابتعاد عن المشاريع الاستعراضية.
لقد تعلّم محمد بن سلمان درسين قاسيين من التدخل السعودي في اليمن: الأول، أن للقرارات المتسرعة ثمنًا؛ والثاني، أنه لا وجود لحرب سريعة. وربما يفسر ذلك تردده في المشاركة في الحرب ضد إيران أو حتى دعمها علنًا. وبدلًا من ذلك، يبدو أن السعودية عادت إلى نهجها التقليدي، مفضلة الحذر والصبر والتموضع طويل الأمد على المكاسب قصيرة الأجل.
تقارير
من بايدن إلى ترامب.. القضاء الأمريكي ينتصر لحق اليمنيين في الحماية المؤقتة
أصدرت محكمة فيدرالية اليوم حكماً عاجلاً قضى بالوقف الفوري لقرار إدارة ترامب بإنهاء وضع الحماية المؤقتة (TPS) للمواطنين اليمنيين. ونص القرار على أن يبقى وضع الحماية سارياً إلى حين صدور حكم نهائي في الدعوى القضائية المتعلقة بذلك.
تقارير
إنسحاب الإمارات من أوبك يعزز تعاونها الأمني مع إسرائيل ويوسع الهوة مع السعودية
بعد أن تحملت الإمارات العبء الأكبر من الهجوم الإيراني المضاد، تعمل القوة المالية الخليجية على تعزيز تعاونها الأمني مع (إسرائيل)، وتوسيع الهوة مع السعودية.
تقارير
ما وراء هجمات الحوثيين.. كيف يعيد الاقتصاد الخفي تشكيل تجارة البحر الأحمر؟
ُقرأ هجمات الحوثيين على الملاحة باعتبارها أداة ضغط جيوسياسي. لكن هذا الفهم غير مكتمل. لهذه الهجمات أثر ثانٍ أقل وضوحاً – وهو أثر اقتصادي.
نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.