تقارير
كيف أشعلت حرب إيران وتحالفات الحوثيين فوضى البحر الأحمر وخليج عدن؟
في 26 أبريل 2026، أفادت عمليات التجارة البحرية التابعة للمملكة المتحدة بأن أشخاصًا غير مصرح لهم استولوا على سفينة شحن شمال شرق غاراكاد على الساحل الأوسط للصومال، وقاموا بتحويل مسارها قسرًا إلى المياه الإقليمية الصومالية. وقبل ذلك، كانت السلطات قد حذّرت من ناقلة تم الصعود إليها شمال شرق مارييو وسُحبت جنوبًا إلى المياه الصومالية. وتشير عمليتا الاختطاف هاتان، اللتان وقعتا في فترة زمنية متقاربة، إلى عودة نشاط القرصنة الصومالية. كما تدلان على أن خليج عدن ومنطقة القرن الأفريقي الأوسع قد دخلا مرحلة جديدة من تصاعد انعدام الأمن البحري. وتُظهر هذه الحوادث ملامح ديناميكية إقليمية أوسع، تتداخل فيها الحرب المرتبطة بإيران، وتوسع حركة الشباب ميدانيًا وشبكيًا، وعسكرة البحر الأحمر وباب المندب، بحيث يعزز كل منها الآخر.
لقد خلقت الحرب المرتبطة بإيران تأثيرات متسلسلة امتدت إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط. فقد أعادت القوى الغربية ودول الخليج توجيه الأصول البحرية والاستخباراتية والجوية نحو شرق البحر المتوسط وشمال البحر الأحمر، حيث انخرط الحوثيون وشبكات مدعومة من إيران، إلى جانب جهات فاعلة حكومية وغير حكومية أخرى، في مواجهات متصاعدة. وأدى هذا التحول إلى تقليص الدوريات البحرية والمراقبة الجوية في خليج عدن وغرب المحيط الهندي، ما أوجد فراغًا أمنيًا على طول الساحل الصومالي وفي مداخل باب المندب، حيث باتت السفن تعمل في بيئة أقل قابلية للتنبؤ. وقد ارتفعت مخاطر القرصنة والسطو المسلح والتنسيق مع شبكات برية.
ينبغي فهم القرصنة الصومالية باعتبارها مشروعًا إجراميًا وأداة سياسية-عسكرية في آن واحد. وتُظهر الأنماط التاريخية أن موجات تصاعد القرصنة غالبًا ما تعقب فترات انهيار الدولة، والنزاعات الإقليمية، وانشغال القوى الخارجية. ويتوافق الانتعاش الحالي مع هذا النمط، إذ يحدث في إطار بنية فيدرالية صومالية باتت أكثر هشاشة وتنازعًا. فعلى سبيل المثال، أدى الانقسام في مارس 2024 بين الحكومة الفيدرالية في مقديشو وبونتلاند إلى إضعاف سلطة الدولة على الساحل، حيث انسحبت بونتلاند من الاتحاد احتجاجًا على إصلاحات دستورية. وفي هذا المشهد المتشظي، تعمل الشبكات البحرية المحلية بحرية أكبر، بعضها قائم على أسس قبلية، وأخرى مرتبطة بشبكات إجرامية أو جماعات متمردة، مستفيدة من الثغرات بين السلطات الفيدرالية والإقليمية.
تعتمد القرصنة اليوم على قدرات متقدمة في المراقبة وتبادل المعلومات والدعم اللوجستي من شبكات برية. إذ يراقب القراصنة الصوماليون حركة السفن عبر بيانات تتبع بحرية مفتوحة المصدر، ومخبرين محليين، وأحيانًا من خلال تواطؤ مع مسؤولين أو أطراف في الموانئ. ويمكن لهذه الجهات توفير معلومات عن قيمة الشحنات وملكيتها ومساراتها. وتشير عمليتا الاختطاف في أبريل 2026 إلى أن العمليات كانت موجهة بعناية، واعتمدت على معرفة دقيقة بممرات الشحن وجداول السفن. وعند نجاحها، تحقق مثل هذه العمليات فدى مالية بملايين الدولارات، غالبًا ما يُعاد توظيفها في شراء الأسلحة، ودعم شبكات النفوذ المحلية، وتمويل الجماعات المسلحة في الداخل.
وتُعد حركة الشباب من أبرز المستفيدين من هذا النظام المتداخل بين الأنشطة البحرية غير المشروعة. فقد حافظت الحركة منذ فترة طويلة على وجود لها على طول الساحل الصومالي، وتسيطر على أجزاء منه، وتفرض ضرائب على التجارة البحرية، وتستخدم الموانئ والمراسي كنقاط لوجستية. وتشير تقارير إلى أن الحركة تتزايد في تنسيقها مع القراصنة وشبكات إجرامية أخرى، ما يحول خليج عدن إلى مساحة رمادية تتقاطع فيها أنشطة الإرهاب والتهريب والقرصنة. وقد استُخدمت الفدى الناتجة عن عمليات اختطاف سابقة، مثل سفينة "إم في عبد الله" في أبريل 2024، في تمويل عمليات الحركة، بما في ذلك التجنيد وشراء الأسلحة والحفاظ على ملاذات آمنة في مناطق نائية. وتمثل حوادث أبريل 2026 مصادر محتملة للإيرادات يمكن أن تعزز القدرات العملياتية لحركة تسيطر بالفعل على مساحات واسعة في وسط وجنوب الصومال.
في الوقت ذاته، تُعمّق علاقات حركة الشباب مع الحوثيين البعد الإقليمي لهذا التهديد. فقد وثّق تقرير لفريق خبراء تابع للأمم المتحدة عام 2025 تزايد التعاون بين الطرفين، بما يشمل نقل الطائرات المسيّرة والعبوات الناسفة والأسلحة الخفيفة عبر مسارات بحرية وممرات برية، خصوصًا عبر خليج عدن والقرن الأفريقي، وأحيانًا عبر شبكات مرتبطة بالسعودية. ويستفيد الحوثيون من وجود طرف متعاطف على الجانب المقابل لباب المندب، ما يساعدهم على توسيع نفوذهم واختبار ردود الفعل الغربية والإقليمية وتأمين مسارات بديلة للإمداد والمعلومات. أما حركة الشباب، فتوفر لها هذه العلاقة إمكانية الوصول إلى أسلحة أكثر تطورًا وخبرات تقنية، بما يعزز قدرتها على تنفيذ هجمات أكثر تعقيدًا وتعطيل حركة الملاحة البحرية.
من جهة أخرى، أدى تراجع الإدارة الأمريكية عن جهود بناء الدولة في أفريقيا، رغم استمرار العمليات العسكرية، ولا سيما في الصومال، إلى تعميق هذه التحديات. وبالتوازي مع ذلك، قد تحفّز الهجمات المنسقة واسعة النطاق الأخيرة التي نفذتها جماعات مرتبطة بالقاعدة في مالي حركة الشباب، من خلال إظهار إمكانية تحقيق تقدم كبير ضد حكومات ضعيفة.
وقد أدى تلاقي هذه العوامل إلى تحويل القرن الأفريقي وباب المندب والبحر الأحمر من منطقة يهيمن عليها نهج مكافحة الإرهاب إلى ساحة صراعات بالوكالة. إذ تستثمر دول الخليج وقوى متوسطة أخرى بشكل كبير في الموانئ والقواعد العسكرية والشراكات الأمنية في المنطقة، بهدف تأمين الوصول إلى البحر الأحمر والمناطق المحيطة به. وتدفع هذه الاستثمارات اعتبارات اقتصادية واحتياجات أمن الطاقة وتنامي التنافس بين هذه القوى لتوسيع نفوذها وتعزيز حضورها الأمني. غير أن هذا التنافس غالبًا ما يُهمّش جهود بناء الدولة والمصالحة طويلة الأمد، كما في الصومال، حيث يتركز اهتمام الجهات الخارجية على تأمين التحالفات واتفاقيات الوصول بدلًا من بناء مؤسسات شاملة وخاضعة للمساءلة.
تجد الحكومة الفيدرالية الصومالية نفسها واقعة بين هذه الضغوط الخارجية وأولوياتها الداخلية. فقد تحوّل تركيزها نحو ترسيخ السلطة بين النخب الموالية والتفاوض على تحالفات مع دول الخليج، في وقت تتصاعد فيه الخلافات الدستورية والانتخابية. وغالبًا ما جاء هذا التحول على حساب إصلاح القطاع الأمني ووضع استراتيجية متماسكة لمكافحة الإرهاب. وتواصل بعثات مدعومة من الاتحاد الأفريقي وشركاء غربيون ثنائيون تقديم الدعم المادي والعسكري، إلا أن اهتمامهم تشتت بسبب فجوات التمويل والحرب المرتبطة بإيران وأزمات عالمية أخرى. وقد أدى هذا المزيج من الانقسام الداخلي والانشغال الخارجي إلى خلق فجوة أمنية استغلتها حركة الشباب لتوسيع سيطرتها الإقليمية وإعادة التسلح وإعادة التموضع كفاعل شبه دولتي، حيث تدير أراضي وتجمع الضرائب وتقدم خدمات أساسية لسكان يفتقرون إلى دعم الدولة.
وتزيد التغيرات المناخية وشح الموارد من تعقيد هذا المشهد. إذ يُعد القرن الأفريقي من أكثر مناطق أفريقيا عرضة لتأثيرات المناخ، حيث تؤدي موجات الجفاف المتكررة وتذبذب الأمطار والتصحر إلى تقويض سبل عيش الرعاة والمزارعين. ومع ندرة الأراضي الصالحة للزراعة والمياه، تتصاعد المنافسة على الموارد، ما يؤجج التوترات بين العشائر والمجتمعات، وهو ما تستغله حركة الشباب. كما تؤدي النزوح وانعدام الأمن الغذائي والاعتماد على المساعدات الإنسانية إلى خلق بيئة خصبة للعنف والتجنيد، حيث يجد الشباب أنفسهم أمام بدائل محدودة خارج الاقتصاد الهامشي والإقصاء الاجتماعي. وفي هذا السياق، تتجاوز القرصنة قبالة الساحل الصومالي كونها نشاطًا إجراميًا، لتعكس أزمة أعمق في الحكم وسبل العيش والسيطرة على الأرض.
علاوة على ذلك، فإن توسع حركة الشباب الساحلي، إلى جانب علاقاتها مع الحوثيين، يزيد من خطر ربط الشبكات الجهادية الأفريقية بنشاطات العنف في البحر الأحمر، ما يهدد بشكل أوسع حركة الشحن العالمية وإيصال المساعدات الإنسانية.
تركز القوى الخارجية في القرن الأفريقي بشكل متزايد على بناء التحالفات وتأمين الوصول، في حين تفتقر المنطقة إلى القدرة المؤسسية لتنسيق استراتيجية أمن بحري متماسكة أو إطار موحد لمكافحة الإرهاب. وقد تحولت مناطق خليج عدن وباب المندب، التي كانت تُدار سابقًا بشكل أساسي عبر تحالفات بحرية دولية، إلى مساحات تنشط فيها الجهات المحلية والقراصنة والشبكات الإرهابية في ظل صراعات بين الدول. ويجمع هذا المشهد متعدد الطبقات بين هجمات الحوثيين البحرية في البحر الأحمر، والقرصنة الصومالية في خليج عدن، وعمليات حركة الشباب البرية والشبكية، ما يخلق بيئة أمنية معقدة لا يمكن معالجتها عبر مقاربات أحادية المجال أو طرف واحد.
إن الروابط بين هذه الظواهر عميقة، إذ إن كل تصاعد في القرصنة، أو توسع لحركة الشباب، أو توتر في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، يُعد في الوقت نفسه نتيجة وسببًا للديناميات الأساسية ذاتها. فالدول الضعيفة، والتدخلات الخارجية، والشبكات العنيفة، تواصل إعادة تشكيل الأمن والتجارة والسياسة في المنطقة، وهي تحولات ستستمر آثارها إلى ما بعد أي حادثة منفردة في البحر.