تقارير
عبدربه منصور هادي.. محطات مفصلية في رئاسة اليمن المضطربة
توفي الرئيس اليمني السابق المشير الركن، عبدربه منصور هادي، الخميس، في مقر إقامته بالعاصمة السعودية الرياض عن عمر ناهز 81 عامًا، الذي حكم اليمن في لحظة تاريخية مفصلية.
وكان هادي يعاني وعكة صحية منذ أسبوعين، إلا أن حالته شهدت تدهوراً متسارعاً خلال اليومين الماضيين، وفارق الحياة عند الساعة السادسة من صباح يوم الخميس 28 مايو 2026.
ونعت رئاسة الجمهورية ومسؤولون وقيادات حزبية وعسكرية الرئيس الراحل هادي، الرئيس هادي، الذي وصل هادي إلى سدة الحكم في لحظة معقدة سياسية وأمنية، وارتبط اسمه فيها بمحطات صعبة ومفصلية عاشها اليمن بكل ما فيها من تعقيدات وتحولات.
وبحسب بيان النعي الصادر عن رئاسة الجمهورية، ارتبط اسم الرئيس اليمني السابق عبدربه منصور هادي بعدد من المحطات المفصلية في تاريخ اليمن الحديث، أبرزها قيادته للمرحلة الانتقالية عقب الإطاحة بنظام علي عبدالله صالح، وأشرف على تنفيذ عملية نقل السلطة وفق المبادرة الخليجية، في خطوة هدفت إلى تجنيب البلاد الانزلاق إلى صراع داخلي واسع.
كما قاد هادي -حسب البيان- مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي جمع مختلف القوى السياسية والمكونات اليمنية، وخرج بوثيقة تضمنت مشروع الدولة الاتحادية، باعتبارها إحدى أبرز محاولات التوافق السياسي في البلاد خلال السنوات الماضية.
ويرى مراقبون أن فترة الرئيس الراحل هادي كانت "الأصعب والأخطر" في تاريخ اليمن الحديث، حيث كان حاضرًا في "قلب العاصفة" والتحولات الكبيرة في تاريخ اليمن الحديث، بدءًا من أحداث 2011، وليس انتهاء بانقلاب مليشيا الحوثي في 2014 على التوافق الوطني والسياسي وما تلاها من أحداث.
ولم يكن وصول هادي إلى الحكم مطلبا شخصيًا أو بتلك السهولة التي توافرت لمن سبقه، ولم يكن الطريق معبّدا أمامه، ووقف صامدًا في وجه تحديات كبيرة هددت كيان الدولة ومستقبل الشعب، لكنه وفق "استراتيجية واقعية" حاول فيها أن تفضي مرحلة إدارته لـ"المرحلة الانتقالية" إلى بناء جمهورية جديدة تقوم على أسس العدالة والحرية والديمقراطية.
ومع تسلّم الرئيس هادي رئاسة البلاد انكشفت "عورة" الجمهورية التي كانت تحكم لـ عقود، فورث تركة ثقيلة وواجه أزمات مركّبة ومعقّدة، حاول حلحلتها بإطلاق "حوار وطني شامل" يجمع كل القوى والاطياف اليمنية، إلا أنه وفي لحظة الإعلان عن الدستور الجديد لـ اليمن الاتحادي الذي ارتضته القوى المشاركة في المؤتمر، انفجر الوضع باجتياح ميليشيا الحوثي لـ العاصمة صنعاء وانقلابها على "الحوار الوطني والتوافق السياسي" لتنزلق الأوضاع إلى "مفترق خطير".
وبعد وضعه تحت الإقامة الجبرية من قبل "الانقلابيين"، ونجاحه في الفرار من صنعاء نحو مدينة عدن ومنها إلى سلطنة عمان فالسعودية، لم يكن هناك من خيار لدى الرئيس هادي سوى المواجهة والطلب من المملكة "التدخل" لإنهاء الانقلاب وإعادة الشرعية لتدخل اليمن مرحلة جديدة من الصراع والانقسام.
وخلال سنوات الحرب، ظل الرئيس هادي صلبًا في مواجهة الانقلاب ولم يتزحزح مطلقًا متمسكا بموقفه الرافض لتسليم اليمن إلى "ميليشيات" أو مشاريع وأجندات خارجية تعبث بمستقبل البلاد، ومتمسكًا بالشرعية الدستورية ومتشبثًا بـ كيان الدولة ومركزها القانوني.
ولم تكن المواجهة مع ميليشيا الحوثي الانقلابية هي المرحلة الخطيرة التي واججها الرئيس هادي بصلابة وبثبات لا يتزحزح، فبعد مرور بضع سنوات من "العاصفة" الموجهة ضد الحوثيين وما اعتبر "بارقة أمل" لليمنيين، دخلت البلاد في أتون مرحلة جديدة من الصراع وقف وراءها أحد أطراف التحالف بقيادة انقلاب جديد على الشرعية، حيث دعمت الامارات "المجلس الانتقالي الجنوبي" ماليًا وسياسيًا وعسكريًا ككيان تقوم أجندته على فصل جنوب البلاد عن شماله والعودة بالأوضاع في اليمن إلى ما قبل 22 مايو 1990، إلا أن الرئيس هادي كان له موقفا سيخلده التاريخ.
وشهدت العلاقة بين الرئيس الراحل عبد ربه منصور هادي ودولة الإمارات العربية المتحدة، توترات وتقلبات سياسية وعسكرية كبيرة، فقبل "انقلاب عدن" نفذت الامارات عملية عسكرية خطيرة بإرسال قوات عسكرية الى سقطرى في ابريل 2018 وطردت القوات الحكومية وسيطرت على مطار المحافظة ومينائها، وهو ما اعتبرتها حكومة الرئيس هادي تجاوزا لـ اهداف التحالف العربي، فكانت الشرارة الأولى للمواجهة.
ورفض الرئيس هادي الترتيبات التي فرضتها الإمارات بـ"القوة" ولم يسلّم بها كـ"أمر واقع"، فوقف "جمهوريا صلبا عتيدًا" في مواجهة مشروع أبوظبي "التقسيمي" بدعمها لـ "الانقلاب الجديد" بتمكين "قوات الانتقالي" من السيطرة على مؤسسات الدولة في أغسطس 2019، وهاجم بشدة قيامها بقصف القوات الحكومية لحظة وصولها إلى منطقة العلم بالعاصمة المؤقتة عدن.
وطالب الرئيس السعودية بالتدخل لوقف الهجوم السافر والقصف الجوي ضد القوات المسلحة الشرعية في البلاد، قائلا إن الإمارات استغلت الظروف التي يمر بها اليمن لتسلط مليشيات الانتقالي ضد مؤسسات الدولة الشرعية، سعيًا لتنفيذ أجندتها في تقسيم اليمن.
ظلت كرة الثلج تتدحرج بشكل كبير في فترة حكم الرئيس هادي، انتهت بمغادرته للمشهد بتسليمه السلطة لـ"مجلس قيادة رئاسي"، إلا أنه ظل حتى اللحظة الأخيرة متمسكًا بخيار الدولة والجمهورية والشرعية الدستورية واليمن الواحد والدولة التي تتسع للجميع، في واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا واضطرابًا في تاريخ اليمن الحديث.