تقارير
صهاريج عدن.. إرث سبأ التاريخي يصارع الاندثار
تقف صهاريج عدن التاريخية، في عاصمة اليمن المؤقتة، شاهدة على هندسة معمارية لافتة شيدها الأجداد منذ آلاف السنين.
صمدت تلك الصهاريج الفريدة أمام الحروب والإهمال جراء ظروف البلاد التي تواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية بالعالم جراء الصراع بين الحكومة وجماعة الحوثي منذ نحو 12 عاما.
تلك الصهاريج عبارة عن سلسلة متصلة من أحواض المياه، تبدأ من أعالي جبل شمسان، وتنتهي في وادي الطويلة الذي يصب في مياه البحر بخليج عدن، وشيدت بالأساس لتخزين المياه والحماية من العطش.
تاريخ الصهاريج
وحسب بيانات حكومية اطلعت عليها "الأناضول"، يعود بناء هذه الصهاريج إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، في عهد دولة "سبأ" التي حكمت اليمن في الفترة من 1200 قبل الميلاد إلى 275 ميلاديا، وكانت عاصمتها مدينة مأرب (وسط).
ويبلغ عدد هذه الصهاريج نحو 50، معظمها بات مطمورا تحت الأرض، بينما أثر البناء العشوائي على البعض منها، ولم يتبق سوى 18 صهريجاً فقط، وسط مساع حكومية لإحيائها من جديد.
إرث عالمي
وفي يوليو/ تموز الماضي، أعلن محمد جميح المندوب الدائم لليمن لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، في بيان، أن الأخيرة أدرجت عشرات المواقع اليمنية ضمن القائمة التمهيدية للتراث العالمي، بينها صهاريج عدن.
وتمثّل القائمة التمهيدية خطوة تسبق إجراءات الترشيح النهائي لقائمة التراث العالمي.
وفي الشهر ذاته، أعلنت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الإلكسو) إدراج صهاريج عدن التاريخية ضمن سجل التراث المعماري والعمراني العربي.
معلم سياحي
الصحفية دنيا فرحان تحدثت للأناضول من موقع الصهاريج قائلة إنها من أهم المعالم التاريخية والأثرية التي يفتخر بها أبناء المدينة.
وأضافت فرحان: "هذا الإرث الحضاري يعكس رؤية الأجداد الذين فكروا منذ قرون عديدة في إنشاء منظومة عمرانية قادرة على احتواء مياه السيول ومنع غرق المدينة".
واعتبرت أن الصهاريج لم تُبن فقط لأغراض الحماية وتخزين المياه، بل أصبحت أيضاً معلماً سياحياً يجذب الزوار، لما تتميز به من طابع معماري فريد ومكانة تاريخية كبيرة.
ولفتت إلى أن الاهتمام بهذه الصهاريج تراجع خلال السنوات الأخيرة، غير أن ذلك لا ينتقص من قيمتها التاريخية والأثرية.
وشددت على أن هذه المواقع لا تمثل مجرد خزانات للمياه، بل متنفساً للزوار من مختلف المناطق.
وأشارت إلى أن منظمات مجتمع مدني تبذل جهوداً لتحسين وتطوير الصهاريج وإعادتها إلى الواجهة من جديد، بما يسهم في جذب المزيد من السياح وإحياء هذا المعلم التاريخي المهم.
درع المدينة
من جانبه، أكد علي عبدالله باشة، موظف في وزارة الثقافة يعمل في منظومة صهاريج عدن، أن تاريخ هذه المواقع يعود إلى نحو 3500 سنة بحسب ما يورده المؤرخون.
وأضاف للأناضول، أن هذه الصهاريج شُيدت أساساً لحماية المدينة من السيول والاستفادة من المياه في الزراعة.
ولفت إلى أن مدينة عدن كانت قديماً عبارة عن وادٍ، بينما كان السكان يقيمون في المناطق الجبلية.
وبين أن الصهاريج لعبت دوراً مهماً في تغذية المياه الجوفية والآبار التي كان الأهالي يعتمدون عليها في الشرب والاستخدامات اليومية.
إرث محاصر
وفي تصريح سابق للأناضول، قالت رئيسة مبادرة "هويتي" جاكلين منصور البطاني إن صهاريج عدن تعد "أقدم المعالم على مستوى الجزيرة (العربية) والخليج".
ونبهت إلى أن هذه الصهاريج" باتت محاصرة بالبناء العشوائي الذي قضم مساحات من مداخلها الرئيسية، فضلًا عن الإهمال والخراب الذي طال جدرانها، دون تحرك السلطات المتعاقبة لإنقاذها.
ومبادرة "هويتي" مؤسسة غير حكومية، تُعنى بالدفاع عن المعالم التاريخية والأثرية في عدن وتعمل للمحافظة عليها.
** ترميم بدعم دولي
وفي أكثر من مناسبة، أكدت السلطات اليمنية حرصها على ترميم وإحياء المعالم الأثرية كصهاريج عدن، لكنها تشكو من عدم وجود تمويل ذاتي بسبب تداعيات الحرب.
في أبريل/ نيسان الماضي، بحث وزيرا المياه والبيئة توفيق الشرجبي، والثقافة والسياحة مطيع دماج، مع فريق من البنك الدولي مشروع ترميم صهاريج عدن، في أحدث الخطوات الرسمية بهذا الخصوص.
وخلال المباحثات، شدد وزير المياه والبيئة على أهمية المشروع في الحفاظ على أحد أبرز المعالم التاريخية والبيئية في عدن، حسب وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ).
وأشار إلى دورها الحيوي في دعم التكيف مع التغيرات المناخية، وحماية سكان المدينة من الأضرار البيئية المحتملة.
من جانبه، نبه وزير الثقافة والسياحة، إلى أن المشروع يمثل خطوة هامة في صون التراث الثقافي والتاريخي لعدن، دون الحديث عن تفاصيل المشروع أو موعد انطلاقه.
وشدد على أن أعمال الترميم ستعزز من الجذب السياحي وتطوير البنية التحتية للمواقع الأثرية.
ورغم بعض المواجهات بين فترة وأخرى، يشهد اليمن منذ أبريل/ نيسان 2022، تهدئة من حرب بدأت قبل نحو 12 عاما بين قوات الحكومة الشرعية، وعناصر جماعة الحوثي المسيطرة على محافظات ومدن بينها العاصمة صنعاء (شمال)، منذ 21 سبتمبر/ أيلول 2014.
ودمرت الحرب معظم القطاعات في اليمن، بما في ذلك معالم تاريخية وأثرية، وتسببت في إحدى أكثر الأزمات الإنسانية كارثية في العالم، وسط تحركات أممية مستمرة للدفع بعملية السلام في البلاد.