تقارير

سيطرة الحوثيين على المخا تُغيّر مجريات الحرب في اليمن والجيوسياسية في البحر الأحمر

16/09/2026, 05:09:15
المصدر : تشاتام هاوس

بقلم: فارع المسلمي

سيطرت جماعة الحوثي المسلحة مؤخراً على مدينة المخا الساحلية الاستراتيجية في جنوب غرب اليمن، وتقدمت بطول ساحل مضيق باب المندب، وهو ما يمثل التغيير الأكثر أهمية في السيطرة الميدانية على الأرض في اليمن منذ سنوات.

بالنسبة لليمن، ينذر هذا الهجوم بإعادة فتح مجريات حرب لم تنتهِ رسمياً قط، لكنها أصبحت أقل عنفاً بشكل ملحوظ منذ الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة في عام 2022. أما بالنسبة للمنطقة ككل، فإن التداعيات تُعد هائلة أيضاً.

إن الموقف الميداني الجديد للحوثيين يمنحهم قدرة أكبر بكثير على التأثير في الملاحة البحرية عبر باب المندب، وهو الممر الضيق الذي يربط خليج عدن بالبحر الأحمر وصولاً إلى قناة السويس.

وبالتزامن مع التهديدات الإيرانية لخطوط الملاحة في مضيق هرمز، بات لدى إيران وحلفائها الآن القدرة على ممارسة الضغوط على اثنين من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم.

كما شن الحوثيون هجمات باتجاه الأراضي السعودية، استهدفت البنية التحتية للطاقة وأسفرت عن إصابة مدنيين حسب التقارير، وهو ما يشكل تصعيداً إضافياً في الصراع يطرح علامات استفهام أمام الرياض وحليفها الأمريكي.

تشرذم المعسكر المناهض للحوثيين
نفذت القوات الحوثية، التي تسيطر على معظم مناطق غرب اليمن، اندفاعة سريعة نحو ساحل البحر الأحمر. انسحبت القوات الموالية للحكومة مع استيلاء الحوثيين على المخا والمناطق المحيطة بها والجزر القريبة.

استفاد الحوثيون من عنصر المفاجأة والجاهزية العسكرية، إلا أن الهجوم كشف في الوقت ذاته عن تشرذم المعسكر المناهض لهم.

تواجه القوات الموالية للحكومة مشكلات في التنسيق؛ إذ يضم المعسكر المناهض للحوثيين مجموعة متنوعة من الفصائل المسلحة المستقلة ذاتياً، والتي كانت تتلقى الدعم من أطراف إقليمية متعددة ولديها طموحات سياسية متضاربة. ولم تنجح المحاولات السعودية لدمجها تحت هيكل قيادي موحد منذ أوائل عام 2026 في محو سنوات من الانقسام.

في المقابل، استغل الحوثيون فترة الهدوء النسبي التي أعقبت هدنة 2022 لتجنيد الأفراد وتحشيدهم، وتحسين الإنتاج المحلي للأسلحة، وتوسيع قدراتهم في مجال الصواريخ والطائرات المسيرة، ونتيجة لذلك، بات الحوثيون يتمتعون بقدرات متقدمة تتفوق على القوات الحكومية في مجالات عدة.

باب المندب والبحر الأحمر والقرن الأفريقي
التساؤل الدولي المباشر يتلخص في طبيعة نوايا الحوثيين تجاه استخدام موقفهم المكتسب والقوي حول باب المندب.

سبق أن ادعى الحوثيون عدم نيتهم فرض رسوم عبور رسمية على السفن المارة عبر المضيق، غير أنه يجب التعامل مع هذه التطمينات بحذر؛ إذ تشير المعطيات إلى أن الحوثيين، منذ بدء هجماتهم على الملاحة في البحر الأحمر عام 2023، يدفعون بعض وكالات الشحن لتقديم مبالغ غير رسمية مقابل المرور الآمن.

كما صرح الحوثيون بأنهم يستهدفون السفن المرتبطة بالسعودية فقط في البحر الأحمر، بيد أن السفينة التي تحمل نفطاً سعودياً قد تكون مملوكة أو مشغلة أو ممولة أو مؤمنة أو مستأجرة من قبل شركات في دول متعددة، وقد تكون متجهة لتفريغ حمولتها أو نفطها في بلد آخر.

بناءً على ذلك، فإن الهجمات الحوثية على شحنات النفط السعودية تطال مصالح تجارية تتجاوز حدود المملكة لتصل إلى أوروبا والصين.

كذلك يُغير التقدم الحوثي الحسابات الأمنية للدول ذات المصالح الاستراتيجية في القرن الأفريقي.

تبعد جيبوتي نحو 20 كيلومتراً فقط عن جزيرة ميون (بريم)، التي يسيطر عليها الحوثيون حالياً حسب التقارير، وهذا يضع حركة مسلحة تمتلك قدرات متطورة متزايدة في مجال الطائرات المسيرة والصواريخ والعمليات البحرية على مقربة شديدة من دولة تستضيف قواعد عسكرية أمريكية وصينية وفرنسية وإيطالية ويابانية، إلى جانب دول أخرى مثل تركيا والإمارات تمتلك مصالح أمنية وتجارية بارزة في المنطقة.

حتى اللحظة، ترجح الحسابات أن الحوثيين يعتمدون خيار التصعيد المنضبط: تحويل الزخم العسكري إلى أوراق ضغط سياسية واقتصادية دون استفزاز رد فعل دولي واسع النطاق قد يؤدي إلى تجريدهم من مكاسبهم، لكن اليمن لم يعد ممكناً التعاطي معه كمسرح أحداث بعيد.

ترامب يواجه خياراً صعباً
تعهدت السعودية بالرد على الهجمات الحوثية التي تستهدف أراضيها. وكانت الرياض قد وقعت مؤخراً معاهدة دفاع مشترك مع تركيا وباكستان، لكن لا يبدو أنها طلبت المساعدة علناً من أي منهما.

أما الولايات المتحدة، الحليف الوثيق للسعودية، فقد التزمت بهدنة مع الحوثيين في مايو 2025، وذلك عقب شنها ضربات جوية ضد الجماعة على خلفية استهدافها للملاحة في البحر الأحمر.

بالنسبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإن التقدم الحوثي الاخير يضعه أمام معضلة معقدة؛ فبينما يرتبط ترامب بعلاقة وثيقة مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وتحرص واشنطن جوهرياً على أمن السعودية، تجد الولايات المتحدة في الوقت نفسه دوافع قوية لتجنب الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مباشرة مع الحوثيين مجدداً.

تمنح الهدنة الحالية كلاً من الطرفين أسباباً لضبط النفس؛ فبالنسبة لترامب، يسهم الحفاظ على هذا الترتيب في إبعاد واشنطن عن مواجهة عسكرية مكلفة أخرى في الشرق الأوسط، في وقت لا تزال فيه منخرطة في أحداث مضيق هرمز.

كذلك يمتلك الحوثيون دوافع قوية لتجنب الصدام مع الولايات المتحدة؛ فالغارات الجوية الأمريكية عام 2025 ألحقت بهم أضراراً جسيمة، وليس لديهم رغبة في استدعاء سيناريو مماثل.

يُنتج هذا الوضع معادلة غريبة: واشنطن والحوثيون يمتلكون أسباباً متكافئة لتجنب مهاجمة بعضهم البعض، حتى في الوقت الذي يصعد فيه الحوثيون الضغط على أحد أقرب شركاء واشنطن الإقليميين.

ومع ذلك، قد لا يتسامح هذا التوازن للانتظار طويلاً؛ فإذا صعّد الحوثيون هجماتهم على الأراضي السعودية، ولا سيما إذا حاولوا تنفيذ توغلات برية ولو محدودة عبر الحدود، قد تجد واشنطن نفسها منساقاً نحو المواجهة.

النيابة الأكبر يدفعها اليمنيون
وسط كل هذه التداعيات الجيوسياسية، تغيب النتيجة الأكثر توقعاً للحرب المتجددة: أن اليمنيين أنفسهم هم من يتحملون القسط الأكبر من المعاناة.

تدخل البلاد هذه المرحلة من الصراع بمؤسسات منقسمة، واقتصاد أنهكته أكثر من عشر سنوات من الحرب، مع تراجع الدعم الإنساني الدولي.

في تعز وحدها، تشير التقارير إلى نزوح نحو 50 ألف شخص منذ 3 سبتمبر. وفي المخا، تبدو التبعات الإنسانية مثيرة للقلق بشكل خاص؛ فمع انهيار المرافق الصحية أو تعذر الوصول إليها، تفيد وسائل إعلام محلية بأن أكثر من 240 امرأة حامل في المنطقة يواجهن خيار الولادة دون رعاية طبية.
كما أن استمرار تعطيل الموانئ والطرق وسلاسل الإمداد سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء والنقل والوقود في بلد يعتمد بشكل أساسي على الواردات.
ورغم أن هذا البعد الدولي الجديد للحرب يجعل اليمن أكثر أهمية استراتيجياً للعالم، إلا أنه ينبغي ألا يحجب المعاناة المعيشية لعامة اليمنيين.

الحاجة إلى مقاربة دولية متماسكة
دأبت الحكومات على التعاطي مع المفاوضات السعودية الحوثية، والأمن البحري، وصول المساعدات الإنسانية، المفاوضات مع إيران، الحكومة اليمنية، وأمن البحر الأحمر كملفات منفصلة، وهو منهج أصبحت إدامة الاستمرار فيه صعبة للغاية.

بات الحوثيون الآن قادرين على التأثير في الملاحة الدولية، وأسواق الطاقة، وأمن الخليج، والقرن الأفريقي، وحسابات الدول الكبرى، وهو ما يستدعي صياغة مقاربة دولية أكثر اتساقاً وتماسكاً.

بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي تحديداً، يجب أن يشكل التصعيد الأخير جرس إنذار؛ إذ لم يطور المجلس سياسة موحدة تجاه اليمن جراء الخلافات بين دوله وتباين علاقاتها مع الفصائل اليمنية. ولكن التمدد الحوثي الأخير يمس أمن الخليج بأكمله، مما يفرض تبني رؤية خليجية شاملة.

كما يجب أن تتحدى التطورات الأخيرة الفكرة القائلة بإمكانية احتواء الحوثيين عبر صفقة ترتيبات مصلحية؛ فالاتفاقيات البحرية الثنائية قد تحمي سفن دولة واحدة، والمفاوضات قد تهدئ جبهة واحدة بشكل موقت، والضربات العسكرية قد تضعف قدرات محددة.

لكن هذه المعالجات تعمل بشكل منفصل، بينما لا يعمل الحوثيون وفق هذا المنطق؛ فالحركة تتصرف في الوقت ذاته سلطة حكم، وفاعلاً مسلحاً من غير الدول، وحليفاً إقليمياً لإيران، ومؤثراً متزايد الأهمية على الأمن البحري.

وبالتالي، فإن التحدي السياسي الرئيسي يكمن في مدى جاهزية الأطراف الإقليمية والدولية لتطوير مقاربة متكاملة لليمن، تربط التسوية السياسية الداخلية بالقضايا الأمنية الأوسع في الخليج والبحر الأحمر والقرن الأفريقي. فالإعراض عن الأزمة في اليمن لا يعني احتواءها، بل هي مسألة وقت قبل أن تتحول إلى أزمة دولية شاسعة.

تقارير

تحليل- كيف أصبح باب المندب ورقة إيران الرابحة؟

لم تكن إيران وراء ظهور الحوثيين، الذين يحتفظون بمصالحهم وطموحاتهم الخاصة. لكن الأسلحة الإيرانية، ومكونات الصواريخ، والطائرات المسيّرة، والتدريب، والخبرة التقنية، ساهمت في تحويل تمرد محلي إلى قوة ذات تأثير عالمي

تقارير

نازحون في اليمن يشتاقون لأحبائهم وللاستقرار مع تقدم الحوثيين

قالت إيمي بوب المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة "وراء كل رقم توجد أسرة فقدت كل شيء.. نزح الكثيرون عدة مرات. ويقطع الناس البحر دون أن يحملوا معهم شيئا لأنهم ⁠لا يملكون خيارا آخر. اليمن بلد يمزقه الفقر والصراع، ولا يمكنه تحمل هذه الأزمة بمفرده".

تقارير

تقدم الحوثيين في اليمن يضع دول الخليج أمام خيارات غير مريحة

مع إحكام جماعة الحوثي الموالية لإيران قبضتها على الممرات المطلة على باب المندب، الذي يُعد أحد أهم شرايين الملاحة العالمية، فتحت طهران جبهة ضغط ثانية تهدد صادرات النفط السعودية التي جرى تحويل مسارها سابقاً لتفادي مضيق هرمز.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.