تقارير
حصار تعز يدخل مرحلة حرجة: مخاوف من شلل صحي وتفاقم أزمة الإمدادات الأساسية
يحذر مسؤولون يمنيون ودوليون من كارثة محتملة جراء فرض ميلشيا الحوثي حصاراً على مدينة تعز، إحدى كبرى مدن اليمن، مما ترك سكانها أمام تناقص حاد في إمدادات الغذاء والمياه الوقود.
ويأتي هذا الحصار مع دخول أسبوعه الثالث في ظل تصاعد الحرب بين الحوثيين المدعومين من إيران، والذين يسيطرون على جزء كبير من شمال اليمن، والحكومة اليمنية المدعومة من السعودية، حيث تدور معارك ضارية على ضواحي تعز التي تحيط بها الميليشيات الآن.
وفي مقابلات هاتفية، أفاد سكان ومسؤولون بأن الأسر باتت تفتقر إلى الغذاء ومياه الشرب النظيفة، وأن المستشفيات استنفدت مخزونها من الوقود والمستلزمات الطبية بشكل شبه كامل.
وتقول الهان الشيباني، وهي من سكان تعز وتعيش في منزل يضم أفراداً سبعة: "الوضع كارثي حقاً"، مشيرة إلى أن عائلتها لجأت إلى غلي مياه الصنبور المالحة، في وقت عجزت فيه والدتها وجدتها المصابتان بمرض السكري عن العثور على أوديتهما في صيدليات المدينة. وأضافت قائلة: "ما يخيفني أكثر هو شح الإمدادات الغذائية... كيف يُفترض بالناس أن يعيشوا؟".
وتكاد الخضروات تنعدم تماماً في الأسواق، وبسبب انعدام الغاز، تعتمد العائلات على حطب التدفئة والفحم أو صناديق الكرتون لطهي وجباتها. وتضيف الشيباني: "من يحظى ببعض الخضروات في منزله يُعتبر محظوظاً كأنه من أفراد العائلة المالكة".
من جانبه، حمّل الحوثيون خصومهم من قوات الحكومة الشرعية مسؤولية تدهور الأوضاع في تعز، زاعمين أنهم من يعرقلون الطرق المؤدية إلى المدينة، ومطالبين إياهم بالاستسلام. وعند سؤاله عن الوضع الإنساني، قال أحمد أمين، محافظ المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين في المحافظة، إن الميليشيا مستعدة "لفتح أي طرق آمنة تخفف من معاناة المدنيين" وتسعى لتنسيق إيصال الإمدادات الغذائية.
وتُعد تعز مركزاً ثقافياً وفكرياً في مرتفعات جنوب غرب اليمن، وهي منطقة حضرية مكتظة يسكنها مئات الآلاف، وربما أكثر بكثير.
ويوم الثلاثاء، أعرب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، عن قلقه البالغ إزاء الأوضاع، داعياً الحوثيين إلى السماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى المدينة. وأكد أن إغلاق الميليشيا للطريق الرابط بين تعز وجنوب اليمن "يعرض المدنيين لمخاطر جسيمة".
وعقب سيطرة الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء عام 2014، اجتاحرت الميليشيا أجزاء واسعة من شمال غرب اليمن وبدأت في فرض حصار على تعز. وقد تصدى المقاتلون الموالون للحكومة للحوثيين لسنوات، مما منح المدينة سمعة كمعقل للصمود. ورغم خضوع تعز للحصار آنذاك، إلا أن السكان والشركات حافظوا على حد أدنى من التواصل مع بقية مناطق البلاد.
وفي عام 2022، أدت هدنة إلى إحلال سلام هش، إلا أن القتال تجدد هذا العام بالتزامن مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران وتصاعد التوتر بين الحوثيين والسعودية.
وبحسب إعلانات الأمم المتحدة يوم الاثنين، فقد نزح أكثر من 250 ألف شخص في اليمن منذ أغسطس/آب الماضي. وفي الشهر الماضي، استولى الحوثيون على ساحل البحر الأحمر في البلاد قبل أن يتحركوا لمحاصرة تعز، في حين لم يحقق هجوم معاكس شنته القوات الحكومية بدعم من طائرات التحالف السعودي سوى تقدم محدود.
ولا يزال القتال في تصاعد؛ ففي يوم الاثنين، شن الحوثيون هجوماً على معسكر للجيش وسط البلاد، مما أسفر عن مقتل عشرات الجنود. وفي اليوم التالي، أعلن المحافظ عوض الوزير أن حصيلة الضحايا ارتفعت إلى 73 قتيلاً، مما يجعل هذا الهجوم من أدمى الهجمات في النزاع حتى الآن.
وبدأت أزمة تعز تلوح في الأفق أوائل أكتوبر، إثر سيطرة الحوثيين على آخر طريق يربط المدينة بجنوب اليمن، وفقاً لما ذكره شايع الجابري، الاستشاري في مركز المدنيين للدعم والمناصرة (وهو منظمة محلية غير ربحية).
وأوضح الجابري، أن السلع الأساسية كـ "اللبن" بدأت تختفي من الأسواق، وبادر السكان إلى تخزين البنزين وغاز الطهي، مضيفاً أن القمامة تتراكم في الشوارع وأن العديد من صهاريج نقل المياه النظيفة باتت عالقة بسبب الاشتباكات.
ومع محاولة بعض العاملين الفرار، تبقى الطرق الخارجة عن المدينة بالغة الخطورة، ويؤكد السكان والمسؤولون أن الوضع الحالي أسوأ حتى من الحصار السابق.
بدورها، حذرت وكيلة محافظة تعز للشؤون الصحية والبيئية، الدكتورة إيلان عبد الحق، من أن المستشفيات "باتت على وشك الإغلاق التام".
وفي ذات السياق، أشار مدير الجودة ومكافحة العدوى في مستشفى الثورة (المستشفى الرئيسي بالمدينة)، محمد الفقيه، إلى نفاد مخزون الوقود المشغل للمولدات الكهربائية بشكل شبه كامل، إلى جانب نفاد أدوية الحالات الحرجة.
وقال محمد الفقيه: "إن لم يُرفع الحصار، فنتوقع كارثة صحية في المدينة ووفاة العديد من مرضى الأمراض المزمنة ومرضى السرطان".
أما على أطراف المدينة، فتتواصل المعارك تحت قصف حوثي مكثف، بحسب العقيد عبد الباسط البحر، الضابط في الجيش اليمني، الذي قال: "تشعر وكأنك محاصر من كل الجانب، ولا توجد إمدادات عسكرية جديدة. وحين تنفد مخزوناتنا الحالية، لن تتبقى لدينا أي موارد أخرى".
ورغم ذلك، استبعد العقيد البحر أي دعوات حوثية للاستسلام، مؤكداً بالقول: "الموت أثناء المقاومة أشرف وأفضل بكثير من الموت استسلاماً... فالحياة تحت حكم الميليشيا هي بحد ذاتها شكل من أشكال الموت".