تقارير
اليمن وكرة القدم في مواجهة الحرب الأهلية: "كم سيكون رائعاً أن نمنح العالم عنواناً مختلفاً"
فضل نور الدين ولد علي، المدرب الجزائري للمنتخب اليمني، عدم التذرع بالأعذار الكروية التقليدية عقب خسارة فريقه بهدف دون رد أمام قطر في كأس الخليج يوم السبت، رغم عدم احتساب ركلة جزاء واضحة لصالحهم. وتسببت هذه الهزيمة في خروج "الأحمر" من البطولة الإقليمية التي تضم ثمانية منتخبات وتُقام في جدة بالمملكة العربية السعودية، وذلك قبل مباراة واحدة من نهاية دور المجموعات.
وثمة عوامل أخرى كان بإمكان المدرب الجزائري سردها لتبرير الهزيمة أمام منتخب شارك في كأس العالم؛ إذ تمتلك قطر أسباير زون، واستادات حديثة للغاية، ويتولى تدريبها جولين لوبيتيجي، المدرب السابق لإسبانيا وريال مدريد. وفي المقابل، لا يمتلك اليمن أي مقومات تقترب من ذلك، كما لم يخض أي مباراة على أرضه منذ عام 2012، حين فاز على فلسطين بهدفين مقابل هدف في صنعاء.
وبعد عامين من تلك المباراة، خضعت العاصمة لسيطرة الحوثيين، وهي جماعة مسلحة مدعومة من إيران، ما أدى إلى تدخل تحالف بقيادة السعودية واندلاع سنوات من الصراع. ورغم أن الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022 أسهمت في تخفيف حدة المواجهات، إلا أن الأوضاع تصاعدت مجدداً. ففي أوائل سبتمبر، تقدم الحوثيون الساحل الغربي في أول تقدم عسكري واسع النطاق منذ خمس سنوات، وواصلوا استهداف الرياض ومناطق أخرى داخل السعودية بالهجمات الصاروخية.
في ذلك الوقت، كان المنتخب الوطني يخوض معسكراً تدريبياً في مدينة عدن الساحلية الجنوبية، مقر مجلس القيادة الرئاسي، وهو الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والمدعومة من السعودية.
ويقول ولد علي: "كان الوضع في عدن مستقراً إلى حد ما. بذلنا قصارى جهدنا وأقمنا معسكراً تدريبياً للاعبين المحليين، ثم التحقنا ببقية أفراد الفريق في جدة".
ويضيف: "الوضع السياسي غير مستقر، وعلينا كرياضيين التعامل بحذر؛ فالمحيط مليء بالمشتتات، لكننا نحرص دائماً على صب تركيزنا على كرة القدم والسعي لتقديم الأفضل. في السعودية، حظينا باستقبال رائع، فالناس هنا ودودون للغاية، كما توفرت لنا منشآت تدريبية وفنادق وكل المستلزمات على أعلى مستوى، ما مكننا من التفرغ التام للكرة".
شكلت الخسارة بأربعة أهداف دون رد أمام الإمارات في المباراة الافتتاحية مواجهة صريحة مع الواقع، غير أن المنتخب الإماراتي يعتمد على قائمة غنية باللاعبين المجنسين من الخارج، إلى جانب تواجد النجم أندريس إنييستا مدرباً في دوري الدرجة الثانية هناك. في المقابل، يفتقر اليمن إلى دوري محلي منتظم نتيجة ظروف الصراع، ومع ذلك تمكن الفريق من تغلب على البحرين بنتيجة خماسية لقاء هدفين في ختام مبارياته بالمجموعة.
ويعلق ولد علي قائلاً: "توقف الدوري لفترة طويلة قبل أن يستأنف نشاطه هذا العام ويكتمل نصفه الأول. هذا أمر بالغ الأهمية، فاللاعبون بحاجة ماسة للمنافسة للحفاظ على لياقتهم وإبراز مواهبهم".
وتابع: "الجمهور يدعمنا بقوة؛ فكرة القدم في اليمن تشبه العقيدة لدى الناس، فالجميع يعشق اللعبة ويتابع المنتخب ونجومه بشغف، فالشعب اليمني لا يختلف عن أي شعب آخر في حبه للحياة والرياضة".
ينشط معظم لاعبي المنتخب في الدوري المحلي، وقبل انطلاق النسخة السابعة والعشرين من كأس الخليج، كان اليمن هو الوحيد من بين المنتخبات الثمانية المشاركة الذي لم يحرز البطولة قط، بل ولم يتجاوز دور المجموعات في تاريخه.
ويجد اللاعبون صعوبة في الحفاظ على كامل تركيزهم أثناء تواجدهم في السعودية؛ وعن ذلك يقول المدرب: "إنهم يقلقون باستمرار بشأن المستجدات في البلاد، ويتمنون السلامة لعائلاتهم. هذا أمر طبيعي إنسانياً، لكنهم يتعاملون باحترافية، وأطلب منهم دائماً التركيز على المباريات. لقد خضت هذه التجربة من قبل ولدي خبرة بالتعامل مع الجوانب الجيوسياسية في المنطقة".
أمضى ولد علي ثلاث سنوات مدرباً لمنتخب فلسطين بين عامي 2018 و2021، بعد أكثر من أربع سنوات عمل خلالها مدرباً مساعداً، لذا فإن العمل وسط أزمات الاستقرار ليس أمراً غريباً عليه. وعن المقارنة بين التجربتين يقول: "كل حالة لها طبيعتها؛ فالوضع في اليمن شأن داخلي بين اليمنيين أنفسهم".
ويستطرد: "بالنسبة للمدرب، كانت التجربة في فلسطين شاقة للغاية؛ إذ كان جنود الاحتلال الإسرائيلي يوقفونني لثمانٍ أو عشر ساعات قبل أن أتمكن من الوصول للتدريب. اللاعبون هناك لا يتمتعون بهامش من الحرية، وعندما كنا نرافق المنتخب للسفر، كانوا يعرقلون تنقلاتهم. رغم ذلك، كان شرفاً لي العمل مع فلسطين، فالصعوبات التي يواجهونها فرضت عليهم ولم تكن بآيديهم".
ولا يُستبعد أن تجمع الأقدار بين اليمن وفلسطين مجدداً في نهائيات كأس آسيا 2027 التي تستضيفها السعودية أيضاً. ففي يونيو الماضي، حقق المنتخب اليمني مفاجأة سارة بفوزه على لبنان ليقتنص آخر البطاقات المؤهلة للبطولة القارية التي تُقام كل أربع سنوات. وعن ذلك الإنجاز يقول ولد علي: "كان يوماً مشهوداً لكرة القدم اليمنية، ونأمل أن نكون قد رسمنا البسمة على وجوه أبناء شعبنا ولو لبرهة".
وفي يناير المقبل، يعود اليمن إلى جدة لخوض مواجهته الأولى أمام منتخب كوريا الجنوبية، مدججاً بنجومه العالميين أمثال لي كانغ إن لاعب أتلتيكو مدريد، وكيم مين جاي مدافع بايرن ميونخ، وسون هيونغ مين. وستكون هذه المواجهة اختباراً من عيار مختلف تماماً عن كأس الخليج، في وقت تترقب فيه الجماهير في الداخل هذه اللحظة بشغف.
ويختتم ولد علي حديثه قائلاً: "سنسعى مجدداً لرفع رأس شعبنا وإشعاره بالفخر. كم سيكون رائعاً أن نمنح العالم عنواناً مختلفاً عن اليمن؛ فمتى ما كنا متعدين، نؤمن بقدرتنا على مقارعة أي منافس".