تقارير

السعودية تنجر إلى حرب حاولت جاهدة تجنبها

30/07/2026, 10:08:29

قضت المملكة العربية السعودية خمسة أشهر وهي تحاول عدم الانجرار إلى صراع إقليمي، حيث أبقت على قنوات الاتصال مفتوحة مع طهران حتى عندما استهدفت الطائرات المسيرة الإيرانية قطاعها النفطي.

والآن، تبدو المملكة محاصرة، حيث تواجه أعداءً من ثلاثة اتجاهات: إيران، بالإضافة إلى حلفائها في العراق واليمن.

في الأسبوع الماضي، واجهت المملكة هجمات صاروخية من الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، وهجمات بطائرات مسيرة من ميليشيات موالية لإيران في العراق، وثمة تهديدات متجددة من طهران.

وفجر الثلاثاء بالتوقيت المحلي، أصبح من الواضح أن ضبط النفس لم يعد خياراً؛ حيث نفذت مقاتلاتها، إلى جانب طائرات أمريكية، ضربات في جميع أنحاء شرق العراق.

لكن المخاطر عالية

إن التورط في صراع أوسع سيكون خياراً خطيراً ومكلفاً للغاية بالنسبة للرياض. فعلى مدى العقد الماضي، ركزت المملكة على فتح أراضيها أمام الاستثمار الأجنبي وجعلها القوة الاقتصادية الإقليمية، وهو ما دفع جزئياً سياستها القائمة على الانفراج والتهدئة مع إيران قبل الحرب بوقت طويل، مما أدى إلى اتفاق بوساطة صينية في عام 2023.

وهذه الاستراتيجية أصبحت الآن على جهاز التنفس الاصطناعي، حيث تجد السعودية نفسها في قلب العاصفة. إن مواجهة خصوم غير متوقعين ومتمرسين في الحرب غير المتكافئة (اللامتماثلة) من ثلاثة اتجاهات يمثل كابوساً للمخططين العسكريين.

أنفقت السعودية عشرات الملايين من الدولارات لتحديث جيشها وشراء أحدث أنظمة الدفاع الصاروخي، لكنها تمتلك مساحة برية ضخمة (حوالي خمس مساحة الولايات المتحدة)، وشواطئ ويتوجب الدفاع عنها، فضلاً عن أن بنيتها التحتية النفطية منتشرة على نطاق واسع.

تهديد الحوثيين
في نهاية الأسبوع، أطلق الحوثيون صواريخ على مجمعين نفطيين سعوديين على ساحل البحر الأحمر. وتُظهر صور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو المحددة جغرافياً أضراراً جسيمة في إحدى تلك المنشآت في جازان بالقرب من الحدود مع اليمن.

وجاءت الضربات الصاروخية بعد هجمات للحوثيين على ناقلتي نفط سعوديتين في البحر الأحمر، عقب إعلان الجماعة فرض حظر بحري على الشحن السعودي الذي يعبر مضيق باب المندب. كما أعلن الحوثيون عن هجوم آخر على سفينة سعودية يوم الاثنين.

بالنسبة للسعوديين، الذين أعادوا توجيه جزء كبير من صادراتهم النفطية عبر موانئ البحر الأحمر مثل ينبع في ظل استمرار شلل مضيق هرمز، فإن الحظر البحري يمثل تصعيداً كبيراً.

إنهم يخططون للتوسع في صادرات النفط عبر البحر الأحمر لتصل إلى نحو 9 ملايين برميل يومياً على مدى السنوات الثلاث المقبلة. لكن الناقلات التي تغادر ينبع متجهة إلى الأسواق الآسيوية يجب أن تعبر باب المندب، مما يترك نحو ثلاثة أرباع الصادرات عبر البحر الأحمر عرضة للتعطيل من قبل الحوثيين، وفقاً للمحللين.

قضت السعودية سبع سنوات في محاولة فاشلة للإطاحة بالحوثيين من شمال اليمن، حيث شنّت تحالفاً عسكرياً واسع النطاق ضد الجماعة المسلحة في عام 2015. وقد تسبب الصراع الناجم عن ذلك في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وتم التوصل إلى هدنة في عام 2022، لكنها لم تتحول قط إلى سلام دائم، حيث حافظت السعودية على حظر اقتصادي وجوي على المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

وفِي وقت سابق من هذا الشهر، اتهم الحوثيون السعودية بقصف مطار العاصمة صنعاء لمنع هبوط رحلة مباشرة قادمة من طهران بعد تجاهلها تحذيرات بتحويل مسارها.

وكانت الرحلة تقل وفداً حوثياً عائداً من تشييع المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي. لكن نواف عبيد، من قسم دراسات الحرب في كينجز كوليدج لندن، يقول إن "التركيز كان ينصب أيضاً على ما قد يكون تم نقله على متن تلك الطائرة".

وقد أطلق ذلك دورة جديدة من العنف، توجت بالهجمات الصاروخية خلال نهاية الأسبوع.

يقول المحلل محمد الباشا: "لقد تم تجاوز جميع الخطوط الحمراء، والضغط على جميع أزرار (السعودية) من قبل الحوثيين".

وصرح مصدر إقليمي لـ"CNN" يوم الاثنين بأن قوة كبيرة من المقاتلين اليمنيين المناهضين للحوثيين تتجمع في صحاري شرق اليمن. وإذا تقدمت هذه القوات، فستكون مدعومة بسلاح الجو السعودي، بما في ذلك مروحيات الأباتشي الهجومية.

لكن في الوقت الحالي، يرى المحللون أن الرد السعودي من المرجح أن يقتصر على الضربات الجوية. ويوم الجمعة، استهدف سلاح الجو السعودي ميناء الحديدة، وهو أكبر ميناء يخضع لسيطرة الحوثيين، رداً على الهجمات التي طالت الناقلات.

ووفقاً لعبيد، فإن سلاح الجو السعودي أصبح أكثر قدرة بكثير مما كان عليه قبل 10 سنوات في كشف التهديدات العسكرية المشتتة وتتبعها والاشتباك معها، حيث يمتلك أنظمة متكاملة "تقصر بشكل كبير الوقت بين الكشف والاشتباك".

لكن هناك أيضاً احتمال شراء صمت الحوثيين أو التوصل إلى تسوية مالية معهم؛ إذ طالما طالبوا بأموال لتغطية رواتب موظفيهم المدنيين وميليشياتهم.

وبحسب الباشا، "يبدو أن الحوثيين يتبعون نهج كوريا الشمالية، حيث يستخدمون دورات متكررة من الاستفزاز لانتزاع مكاسب سياسية واقتصادية... محولين أراضيهم جنوب السعودية والبحر الأحمر إلى مسرح لعملياتهم".

ولكن يبدو من غير الواضح ما إذا كانوا سيرتضون التخلي عن رعاتهم الإيرانيين مقابل الأموال السعودية.

التهديد من العراق
بين بساتين النخيل في جنوب العراق، أطلقت ميليشيات موالية لإيران رشقات من الطائرات المسيرة استهدفت بنى تحتية سعودية حيوية والعاصمة الرياض يومي الاثنين والثلاثاء، وفقاً لوزارة الدفاع السعودية. ويرى المحللون أن الحوثيين ربما قدموا مساعدة تقنية لهذه الميليشيات.

لقد نفد صبر الرياض، وفي فجر الثلاثاء، "نفذت ضربات دقيقة ومباشرة" ضد الميليشيات في شرق العراق "المرتبطة بالهجمات على المنشآت النفطية في المملكة"، وفقاً لبيان وزارة الدفاع.

وكان هناك خط أحمر جديد، حيث أضافت الوزارة أن "المملكة تؤكد أنها لا تسعى إلى التصعيد، ولكنها سترد على أي عدوان تتعرض له".

ووفقاً لهيئة الحشد الشعبي، وهي المظلة الجامعة للميليشيات، فقد سقط "عدد من القتلى والجرحى" جراء الضربات.

من جانبها، قالت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) إن العملية المشتركة كانت "رداً قوياً" على أكثر من 30 هجوماً بطائرات مسيرة ذكرت أن الحرس الثوري الإيراني هو من وجه بها.

وفي الأسابيع الأولى من الحرب، تم إطلاق مئات الطائرات المسيرة من العراق باتجاه المنشآت الأمريكية والسعودية، وفقاً للقيادة المركزية الأمريكية. ورغم وقف إطلاق النار، تلتها هجمات أخرى في مايو.

ولن ينسى المسؤولون السعوديون الهجوم الدقيق والمدمّر على مصفاة بقيق في عام 2019، والذي تسبب في تعطيل نحو نصف إنتاج السعودية من النفط.

وقد أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن ذلك الهجوم، لكن مصادر استخباراتية صرحت لـ CNN في ذلك الوقت أنه رجحت انطلاقه من العراق. وفي تلك الحادثة، اختارت السعودية عدم الرد عسكرياً، لكنها حمّلت إيران المسؤولية.

التهديد الإيراني
في شهري مارس وأبريل، سارعت السلطات السعودية للاستثمار في تقنيات مضادة للطائرات المسيرة مع استهداف طائرات «شاهد» الإيرانية للمنشآت النفطية على ساحلها الشرقي. وحينها زار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الرياض لتقديم نظام دفاعي متكامل للتصدي لأسراب الطائرات المسيرة الإيرانية.

لكن مثل هذه المنظومات الدفاعية لا يتم تركيبها بين عشية وضحاها. ولا تزال السعودية تواجه التهديد المزدوج المتمثل في الطائرات المسيرة الإيرانية والصوارخ الباليستية قصيرة المدى من عبر الخليج.

ورغم أن إيران لم تستهدف السعودية بشكل مباشر منذ أبريل، إلا أن وزارة خارجيها ادعت مجدداً هذا الأسبوع أن "بعض دول الخليج العربي شاركت بشكل مستقل في هجمات عسكرية على إيران. والولايات المتحدة هي المسؤولة عن الهجمات، ولكن لا يمكن تجاهل دور بعض دول المنطقة".

وقد نفذت السعودية بعض الضربات الجوية ضد إيران في بداية الصراع، لكنها كانت محددة بدقة، وفقاً لدبلوماسي مطلع على الأحداث.

وقال الدبلوماسي لـ"CNN" في مايو إن ذلك كان رداً متناسباً يهدف إلى إظهار أن المملكة قادر على الدفاع عن نفسها "حتى لو لم تكن الولايات المتحدة موجودة".

وفي حال تعرضت السعودية لهجمات جديدة بالصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، فقد تواجه خياراً أحلى طعميه مر: إما الرد المباشر بطريقة تجرها إلى عمق الحرب، أو غض الطرف واستفزاز نظام طهران الذي يراه الكثيرون أكثر تشددًا مما كان عليه قبل الحرب.

وتواجه السعودية بالفعل ضربة اقتصادية كبيرة جراء الصراع. ففي الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام، سجلت أكبر عجز ربع سنوي لها منذ عام 2018 بسبب زيادة الإنفاق لامتصاص آثار الحرب وركود الاقتصاد.

وقد تم تعويض العجز جزئياً من خلال ارتفاع الإيرادات الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط، لكن أي اضطراب إضافي في إنتاج النفط وصادراته من شأنه أن يضع ذلك في خطر. وبالفعل، تم تقليص نطاق العديد من المشاريع الضخمة في المملكة.

جوار مضطرب
في النهاية، تجد السعودية نفسها في منتصف منطقة تبدو أكثر تهديداً وتقلبًا مما كانت عليه في 28 فبراير، وهو اليوم الذي بدأت فيه الحرب.

وقد تفاجأ المسؤولون السعوديون بالتقلبات السريعة في سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران وغزة.

ورغم أن التعاون العسكري بين السعودية والولايات المتحدة يظل وثيقاً، إلا أن هناك تخوفاً أوسع في الرياض من البقاء وحيدة لمواجهة إيران أكثر عدوانية وجرأة بمجرد تراجع الاهتمام الأمريكي.

تقف المملكة وحلفاؤها عند مفترق طرق. ولا يساعد في هذا الوضع أن السعودية والإمارات العربية المتحدة بدأتا للتو في ترميم العلاقات التي تضررت بسبب المغادرة المفاجئة للإمارات من تحالف أوبك، والاختلافات حول الصراع مع إيران، الخلاف حول من ينبغي دعمهم ضد الحوثيين في اليمن.

لقد قررت السعودية بوضوح أنه لا يمكنها استيعاب المزيد من الضربات دون أن ترد بالمثل.

سي إن إن
تقارير

الحوثيون والميليشيات العراقية... تحالف يتجاوز حدود التنسيق

شهدت العلاقة بين الجماعة الحوثية والفصائل العراقية المسلحة الموالية لإيران تطوراً مستمراً خلال السنوات الأخيرة، بعدما انتقلت من مستوى التنسيق السياسي والإعلامي إلى شراكة عملياتية تشمل الجوانب العسكرية، واللوجستية، والاستخباراتية، في إطار ما يعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده طهران في المنطقة.

تقارير

كيف يدفع الحوثيون باتجاه حرب جديدة مع السعودية؟

بعد أربعة أعوام من الجمود السياسي في اليمن، بدأ الحوثيون يشعرون بإحباط متزايد، فالهدنة بين الجماعة المدعومة من إيران والسعودية تحولت إلى حالة جمود هشة، ورأى الحوثيون، أنهم يريدون توسيع نفوذهم على اليمن والسيطرة على موارده النفطية، بعد ان شعروا بأنهم لم يعودوا يملكون الكثير ليخسروه.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.