تقارير

التصعيد العسكري يضيّق خيارات السعودية والحوثيين ويُبعد فرص التسوية في اليمن

19/10/2026, 02:33:00
المصدر : واشنطن بوست

منذ هجومهم الدامي على المطار في العاصمة السعودية يوم السبت الماضي، شنّ مسلحو الحوثي هجمات استهدفت شركة "أرامكو"، شركة النفط المملوكة للدولة، والقصر الرئاسي التابع للحكومة اليمنية المدعومة من السعودية، مما زاد من حدة الصراع في حربٍ لا تلوح في أفقها أي مخرج واضح.

وأطلقت السعودية في ظل هذه الهجمات الحوثية، حملة عسكرية في اليمن لاستعادة الأراضي التي سيطرت عليها الميليشيات المدعومة من إيران، ووفقاً لمسؤولين اثنين من الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية، فإن القيادة السعودية ترى في تحقيق انتصار ميداني خيارها الوحيد.

وتُعد المعارك التي دارت في الأسابيع الأخيرة فصلاً جديداً في حرب أهلية مريرة استمرت، بشكل متقطع، لأكثر من عقد من الزمن.

وقال أحد المسؤولين اليمنيين، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته نظراً لحساسية القضايا الأمنية: "من الواضح أن الحوثيين وحلفاءهم في إيران كانوا يستعدون للحرب خلال السنوات التي كان يُفترض أن يسود فيها السلام. وهذه الحرب لن تقتصر تداعياتها على السعودية واليمن فحسب، بل ستطال العالم بأسره".

وقد تحول هذا الصراع المتصاعد الآن إلى الجبهة الأكثر اضطراباً ضمن سلسلة من النزاعات الإقليمية الواسعة التي اندلعت عقب هجمات شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في فبراير؛ مما دفع طهران للرد بهجمات استهدفت دول الخليج العربي، كما شنّ "حزب الله"، الجماعة المسلحة اللبنانية، هجمات ضد إسرائيل.

ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، أدت تكاليف الوقود المرتفعة إلى تحول الناخبين ضد الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس دونالد ترامب.

ويسعى البيت الأبيض جاهداً لخفض هذه التكاليف، بما في ذلك رفع العقوبات عن صادرات الديزل الروسية، لكن دون جدوى حتى الآن، ودون أن يطرأ أي تغيير على نتائج استطلاعات الرأي.

وأبدى ترامب، الذي تربطه علاقة وثيقة بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للمملكة، تردداً في الانخراط عسكرياً في الحرب ضد الحوثيين، فالحملة الأمريكية التي استهدفت المسلحين العام الماضي أسفرت عن خسائر بشرية كبيرة، لكنها لم تنجح في إنهاء الصراع، وعقب الهجوم على مطار الرياض، صرّح ترامب للصحفيين بأنه يدرس إمكانية المشاركة في الضربات السعودية ضد الحوثيين، إلا أن تصريحاته في هذا الشأن اتسمت بالتخبط.

وصرح ترامب للصحفيين يوم الجمعة بأن المملكة العربية السعودية قد تقبل على الأرجح المساعدة من إسرائيل، ملمّحاً، مرة أخرى ودون أدلة قوية، إلى أن المملكة قد تنضم إلى "اتفاقيات أبراهام"، وهي إطار للسلام وافقت بموجبه عدة دول عربية على الاعتراف بإسرائيل، ولم يستجب المكتب الإعلامي السعودي لطلبات التعليق.

وفي ظل استبعاد التدخل الأمريكي، يرى مسؤولون ومحللون إقليميون أن الحرب التي تخوضها السعودية ضد الحوثيين تحولت إلى "لعبة صفرية"؛ حيث يصعّد كل طرف هجماته، بينما لا تزال المفاوضات، في الوقت الراهن، خارج الحسابات.

وقال المسؤول اليمني: "المفاوضات ليست خياراً مطروحاً في الوقت الحالي، ولا أحد يتحدث عنها".

ويرى المسؤولان اليمنيان، إلى جانب رائد كريملي، وهو دبلوماسي سعودي رفيع المستوى، أن التصعيد من جانب الحوثيين مدفوع جزئياً من قِبل إيران، التي تسعى لتعزيز موقفها في صراعها المستمر مع الولايات المتحدة.

وذكر كريملي، الذي يشغل منصب نائب وزير الخارجية للدبلوماسية العامة في المملكة العربية السعودية، خلال إيجاز صحفي نادر يوم الخميس، أن الرياض تعتقد أن إيران ليست مستعدة لتقديم تنازلات في صراعها مع الولايات المتحدة، وأنها "شجّعت" الحوثيين على التصعيد.

وأشار المسؤولان اليمنيان إلى أنه بينما حقق الحوثيون تقدماً ميدانياً لافتاً، بالسيطرة على أراضٍ على طول ساحل البحر الأحمر في اليمن، وإعلانهم السيطرة على مضيق باب المندب الاستراتيجي، فشل المجتمع الدولي في التعامل مع الموقف، وقد يدفع الآن ثمناً باهظاً.

ويذكر أن نحو 20% من حركة التجارة العالمية تمر عبر مضيق باب المندب، متجهةً إلى قناة السويس أو قادمة منها، وهي القناة التي تربط في نهاية المطاف بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي. وأكد المسؤولان اليمنيان أن تداعيات هذه الاضطرابات ستتجاوز حدود منطقة الشرق الأوسط.

وأكد أحد المسؤولين أن المكاسب التي يحققها الحوثيون، الذين يتلقون أيضاً دعماً من روسيا والصين، تُعد "مكاسب لأعداء الولايات المتحدة وأوروبا".

وقال المسؤول: "لقد أخفقت النخب في الولايات المتحدة في إدراك أهمية هذه المنطقة"، مضيفاً أن ثمة تساؤلاً مطروحاً حول الكيفية التي سيؤثر بها سيطرة الحوثيين، وداعميهم الإيرانيين، على مضيق باب المندب على احتياجات أوروبا من الطاقة مع اقتراب فصل الشتاء.

وأسفرت الحرب الأهلية بين المتمردين الحوثيين والقوات الحكومية المدعومة من السعودية في الفترة ما بين عامي 2015 و2022، عن مقتل مئات الآلاف في اليمن، وهو بلد فقير يبلغ عدد سكانه نحو 35 مليون نسمة ويقع في الطرف الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة العربية، وقد تجدد القتال في يوليو، حين بدأ الحوثيون بشن هجمات على منشآت نفطية سعودية وفرض حصار على السفن السعودية التي تعبر البحر الأحمر.

ووسّع التحالف الذي تدعمه السعودية في اليمن نطاق عملياته؛ فبعد أن كان يركز في الغالب على ضرب أهداف عسكرية، بات يستهدف أيضاً البنية التحتية النفطية الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

ويقول أحمد ناجي، وهو باحث أول متخصص في الشأن اليمني لدى "مجموعة الأزمات الدولية"، وهي مؤسسة بحثية تتخذ من بروكسل مقراً لها، إن الحوثيين ردوا بالمثل، مطبّقين بذلك استراتيجية يلخصونها في شعار: "ميناء مقابل ميناء، ومطار مقابل مطار، وحصار مقابل حصار"، ويضيف ناجي أن الضربات الجوية المكثفة التي يشنها التحالف بقيادة السعودية تلحق بالحوثيين أضراراً أكبر مما يقرون به، لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أن أداء التحالف على الأرض جاء أضعف بكثير مما كان متوقعاً.

ويتابع ناجي: "إنها حرب مصيرية وحاسمة؛ فهي التي ستحدد مستقبل اليمن وأمن منطقة الخليج. وأعتقد أن كلا الطرفين يدركان حجم الرهانات... لقد تحول الصراع إلى لعبة صفرية".

من جانبه، يوضح الكاتب والمعلق السعودي علي الشهابي أن هناك "قدراً من الإحباط" في الرياض بسبب عدم تقديم الولايات المتحدة دعماً عبر طائراتها العسكرية، ويستدرك الشهابي قائلاً: "لكن في المقابل، هناك تقدير للدعم الذي يقدمه الأمريكيون، لا سيما في مجالي الاستخبارات والتواجد الميداني".

ويشير الشهابي إلى أن السعودية، التي لطالما كانت رائدة عالمياً في إنتاج النفط، أعطت الأولوية لحماية بنيتها التحتية النفطية، ولم تتوقع أن يقدم الحوثيون على "مهاجمة مطار مدني"، ويضيف أنه بعد ذلك الهجوم، الذي أسفر عن مقتل 13 شخصاً، بدأت السعودية في إعادة ترتيب أولويات دفاعاتها الجوية، مع التركيز على توجيه ضربات قوية للحوثيين، ويقول: "ستعمل السعودية على إلحاق الأذى بالحوثيين لدفعهم نحو تبني نهج أكثر عقلانية".

وكان اليمن يواجه وضعاً إنسانياً كارثياً؛ إذ يعاني 18 مليون شخص من جوع شديد، وفقاً لبيانات برنامج الأغذية العالمي، ونزح أكثر من 200 ألف شخص منذ سبتمبر، مما زاد من حدة عدم الاستقرار.

واضاف مسؤول يمني آخر أنه ما دام الحوثيون يفرضون حصاراً على مدينة تعز، الخاضعة لسيطرة الحكومة، ويمنعون وصول الغذاء والإمدادات إلى سكانها الذين يقارب عددهم مليون نسمة، فإن الحكومة "لن تتراجع عن القتال"، واختتم قائلاً: "للأسف، نحن أمام طريق مسدود".

وحذّر وزير الصحة اليمني، قاسم بحيبح، يوم السبت الماضي، من وقوع "كارثة صحية وإنسانية"، مشيراً إلى أن المستشفيات في مدينة تعز تعاني من نقص حاد في الوقود والإمدادات الطبية.

ورأى آدم بارون، الباحث في مؤسسة "نيو أمريكا" وهي مركز أبحاث مقره واشنطن، أن جماعة الحوثي تمر حالياً "بأوج قوتها في السنوات الأخيرة"، مما يضع السعودية أمام خيارات بالغة الصعوبة، حيث يبدو التصعيد العسكري الخيار الأكثر واقعية من بينها.

واضاف بارون أنه إذا لم تقبل السعودية بالوضع الراهن الناشئ، فسيتعين عليها "الإقرار بأن الحوثيين سيصبحون قوة إقليمية مهيمنة، تمتلك القدرة على تصنيع الأسلحة، وتملك ترسانة عسكرية تفوق في حجمها ما تمتلكه بعض الدول".

من جانبه، أكد محمد الباشا، وهو مستشار مخاطر يمني-أمريكي، أن الحوثيين يتبنون نهجاً متطرفاً للغاية يجعل من المستحيل على السعودية، جارتهم، القبول بهم.

واوضح الباشا أن مطالب الحوثيين تشمل السيطرة على المطارات والموانئ، والحصول على تعويضات من السعودية عن سنوات الحرب، بالإضافة إلى صرف رواتب حكومية لأفرادهم.

واشار الباشا إلى أن فرص التفاوض تبدو ضئيلة للغاية، بينما تظل احتمالات التصعيد كبيرة؛ إذ يتجاوز الحوثيون "كل الخطوط الحمراء" من خلال شن هجمات تستهدف المدنيين، بمن فيهم حجاج مسلمون كانوا من بين ضحايا الهجوم الذي استهدف المطار، واختتم الباشا قائلاً: "لا يزال هناك متسع لمزيد من القتال العنيف، ولمزيد من التطورات الكارثية".

تقارير

كيف تتعامل الدبلوماسية والسياسة الروسية مع تداعيات الصراع المحتدم في اليمن؟

تشير التغطية الإعلامية المحدودة إلى أن روسيا لا تكتفي بعرض نفسها وسيطاً في الصراع، بل يُزعم أنها تقدم مساعدات لجماعة الحوثي المدعومة من إيران، والتي يحتفظ المسؤولون الروس باتصالات علنية معها.

تقارير

حرب السعودية في اليمن تضع باكستان في موقف صعب

مع تساقط صواريخ الحوثيين المدعومين من إيران على مدن في السعودية، وشن القوات المدعومة من الرياض هجوماً جديداً في اليمن، فعّلت السعودية اتفاقية للدفاع المشترك، ما دفع باكستان نحو صراع أمضت أشهراً تحاول تجنب الانخراط فيه، ويحظى بمعارضة شعبية واسعة في الداخل.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.