أخبار سياسية
توكل كرمان من بروكسل: الانتقال السياسي في اليمن أُفشل وعلى أوروبا تجديد دورها في الدفاع عن الديمقراطية
أكدت الناشطة الحائزة على جائزة نوبل للسلام، توكل كرمان، أن الانتقال السياسي في اليمن "لم يفشل، بل أُفشل"، معتبرة أن الثورة المضادة والجماعات المسلحة والتدخلات الإقليمية والتآمر الدولي أسهمت في تدمير فرصة سياسية صنعها اليمنيون بأنفسهم للانتقال نحو آفاق الحرية والرفاه.
وأضافت كرمان خلال مشاركتها اليوم الثلاثاء في القمة الأوروبية للديمقراطية في بروكسل، أن انتكاسة الربيع العربي لم تكن، نتيجة مطالبة شعوبة بالحرية والديمقراطية، وإنما جاءت نتيجة خذلان تطلعاتها المشروعة، في وقت جرى فيه تمويل قوى الاستبداد والثورة المضادة وتسليحها وتمكينها من إجهاض مسارات التحول الديمقراطي.
وأشارت إلى أن المشروع الحوثي المسلح المدعوم من إيران استبدل السياسة بالسلاح وتحدى سلطة الدولة، مؤكدة أن اليمنيين يستحقون دولة ديمقراطية ذات سيادة، وجيشاً وطنياً واحداً تحت سلطة شرعية، وسلاماً يعيد للدولة دورها بدلاً من تكريس حكم الميليشيات.
وتطرقت كرمان إلى تجربتها في اليمن والربيع العربي، قائلة إنها تنتمي إلى جيل تعلّم الديمقراطية في الشوارع والساحات وتحت القمع والرصاص، مشيرة إلى خروج ملايين اليمنيين سلمياً عام 2011 للمطالبة بالكرامة والحكم الرشيد والمساواة والحرية.
ودعت كرمان، أوروبا إلى تجديد دورها في الدفاع عن الديمقراطية والقانون الدولي وحقوق الإنسان، محذرة من تصاعد السلطوية وعودة منطق القوة والهيمنة إلى العلاقات الدولية.
وقالت كرمان إن العالم لا يمر بمجرد موجة تراجع ديمقراطي، بل يشهد تحولاً أعمق في النظام الدولي، في ظل التطبيق الانتقائي للقانون الدولي، وعجز المؤسسات متعددة الأطراف عن منع الحروب وحماية المدنيين، بالتوازي مع تصاعد نفوذ الأنظمة السلطوية.
وأكدت أن على أوروبا أن تحدد نوع القوة التي تريد أن تمثلها في هذا العالم المتغير، مشيرة إلى أن التجربة الأوروبية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية قامت على إخضاع السلطة للقانون، ومحاسبة الحكومات، وحماية حقوق الإنسان، وبناء الأمن على أساس التعاون لا الهيمنة.
وشددت كرمان على أن مفهوم الأمن يتجاوز الجيوش والحدود والأسلحة، ليشمل استقلال القضاء، وحرية الصحافة، ونزاهة الانتخابات، وقوة المجتمع المدني، وثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.
وحذرت من أن انهيار الديمقراطيات لا يحدث عادة بصورة مفاجئة، وإنما يبدأ بتآكل تدريجي لمؤسساتها وقيمها، من خلال استهداف الصحفيين، وترهيب القضاة، ونزع الشرعية عن المعارضة، وتحويل الأقليات إلى كبش فداء، وإغراق المجال العام بالمعلومات المضللة.
وقالت إن الديمقراطية مطالبة بإثبات قدرتها على تحسين حياة الناس، من خلال مكافحة الفساد، وحماية الحقوق الاجتماعية، وتوفير الفرص، وتنظيم الذكاء الاصطناعي، ومنح الشباب دوراً حقيقياً في القرارات التي ترسم مستقبلهم.
وحذرت من الخلط بين الاستبداد والاستقرار، مؤكدة أن القمع قد يؤجل الصراع لكنه لا يعالج أسبابه، وأنه "لا استقرار مستداماً من دون مؤسسات خاضعة للمساءلة، ولا سلام دائماً من دون عدالة، ولا أمن حقيقياً من دون حرية".
ودعت كرمان أوروبا إلى مراجعة سياساتها الخارجية والتوقف عن دعم الأنظمة الديكتاتورية تحت ذريعة تحقيق الاستقرار قصير الأجل، مؤكدة أن الديمقراطية ليست قيمة أوروبية أو غربية، وأن الكرامة الإنسانية لا تتوقف عند حدود القارة.
كما شددت على ضرورة أن تواجه أوروبا إرثها الاستعماري بشجاعة، وأن تعمل على بناء علاقات أكثر عدلاً مع دول الجنوب العالمي، بما يحول دون إعادة إنتاج أنماط الهيمنة والاستغلال القديمة تحت مسميات جديدة.
مسؤولية الشركات والديمقراطية
وفي حديثها عن قطاع الأعمال، أكدت كرمان أن الديمقراطية ليست مجرد مسؤولية اجتماعية للشركات، بل تمثل جزءاً من البنية التحتية التي يقوم عليها الاقتصاد الحديث، موضحة أن استقلال القضاء يحمي العقود والملكية، وسيادة القانون توفر الاستقرار والقدرة على التنبؤ، والإعلام الحر يكشف الفساد، والمؤسسات الشفافة تحمي المنافسة العادلة.
وقالت إن الشركات ليست مطالبة بدعم أحزاب سياسية حتى تسهم في حماية الديمقراطية، وإنما بالدفاع عن القواعد والمؤسسات التي تضمن سلامة عمل الأسواق والمجتمعات الديمقراطية، محذرة من أن الصمت أمام تفكيك هذه المؤسسات قد يتحول من الحياد إلى التواطؤ.
وطالبت بإخضاع شركات التكنولوجيا الكبرى والشركات متعددة الجنسيات للمساءلة عندما تؤثر ممارساتها في الخصوصية والمنافسة والنقاش الديمقراطي، أو تستفيد من الفساد ونهب الموارد وتدمير البيئة والنزاعات.
أوكرانيا وفلسطين والسودان
وفي الشأن الدولي، قالت كرمان إن مصداقية أوروبا ترتبط بمدى اتساقها في تطبيق المبادئ التي تدافع عنها، مؤكدة ضرورة احترام سيادة أوكرانيا ورفض تغيير الحدود بالقوة، وضمان حق الفلسطينيين في الحرية والكرامة والحماية بموجب القانون الدولي، وإنهاء الاحتلال، إلى جانب حماية المدنيين في السودان.
دعوة إلى ميثاق ديمقراطي جديد
وقالت كرمان إن أوروبا تقف مجدداً أمام لحظة تاريخية تتطلب خيالاً سياسياً جديداً شبيهاً بذلك الذي أسهم في إعادة بناء القارة بعد الحرب العالمية الثانية، داعية إلى ألا يتحول "الميثاق الديمقراطي الجديد" إلى مجرد وثيقة أخرى، وإنما إلى مشروع يعيد الديمقراطية إلى الناس ويجعل المؤسسات أكثر قرباً من المواطنين والشباب.
وأكدت أن أوروبا تستطيع أن تقود العالم مجدداً، ليس من خلال الهيمنة، وإنما عبر المثال الذي تقدمه والاتساق في أفعالها، والدفاع عن الأمن دون التخلي عن الحرية، وعن الازدهار دون التضحية بالكرامة الإنسانية، وعن السلام دون التخلي عن العدالة.
وختمت كرمان كلمتها بالتأكيد على أن الأمل بالنسبة إليها لا يعني انتظار أن يصبح التاريخ أكثر رحمة، قائلة: "الأمل فعل من أفعال المقاومة، وعندما يحوّل الناس هذا الأمل إلى فعل، فإنهم يستطيعون تغيير التاريخ".