أخبار سياسية
توكل كرمان في "منتدى أثينا": الصراع في اليمن مواجهة بين الديمقراطية الاستبداد وليس صراعاً طائفياً
رفضت الناشطة الحائزة على جائزة نوبل للسلام، توكل كرمان، توصيف الصراع في اليمن باعتباره صراعاً سنياً شيعياً، قائلة إن جوهره، يتمثل في مواجهة بين المعسكر الديمقراطي ومعسكر الديكتاتورية.
جاء ذلك خلال جلسة حول التحوّلات التي تواجه الديمقراطية ومخاطر صعود الأنظمة الاستبدادية وسبل حماية الحكم الديمقراطي وتعزيز المشاركة والحقوق في "منتدى أثينا للديمقراطية" الذي نظمته صحيفة "نيويورك تايمز" خلال الفترة من 29 سبتمبر إلى 2 أكتوبر، بمشاركة شخصيات دولية من مجالات السياسة والإعلام والفكر والمجتمع المدني.
وانتقدت كرمان، كذلك السياسات الدولية التي اتجهت، إلى التفاوض مع الحوثيين والاعتراف بهم، معتبرة أن التعامل مع الجماعة من دون معالجة جذور الأزمة أدى إلى استمرار المشكلات التي تواجه اليمن والمنطقة.
وربطت كرمان التطورات الإقليمية الأوسع بما وصفته بتداعيات السياسات الدولية تجاه اليمن، مشيرة إلى أن تجاهل الأزمة اليمنية في مراحلها الأولى باعتبارها شأناً يمنياً أسهم، في وصول تداعيات الصراع إلى مستوى إقليمي أوسع.
وأكدت كرمان تمسكها بأن الثورة اليمنية لم تفشل، قائلة إن ما فشل هو الثورة المضادة، وإن اليمنيين ما زالوا مستمرين في نضالهم من أجل الحرية والديمقراطية، معربة عن ثقتها بأنهم سينتصرون في نهاية المطاف.
تعثر الانتقال الديمقراطي في اليمن
وقالت توكل كرمان، إن تجربة اليمن بعد احتجاجات عام 2011 تفرض التمييز بين إسقاط الحاكم المستبد وبين بناء نظام ديمقراطي قادر على الصمود وحماية عملية الانتقال السياسي.
ورفضت كرمان وصف الانتقال الديمقراطي في اليمن بأنه فشل، معتبرة أن المسار الانتقالي الذي أعقب الثورة الشعبية "أُفشل بفعل قوى خارجية"، وأن ما حدث لا يمثل فشلاً للثورة أو للشعب اليمني.
وقالت كرمان إن الثورة اليمنية حققت، نجاحين رئيسيين؛ أولهما إجبار الرئيس السابق علي عبدالله صالح على التنحي عبر احتجاجات سلمية، رغم أن اليمن كان مجتمعاً مسلحاً ومنقسماً، والثاني يتعلق بنجاح الفترة الانتقالية التي أعقبت الثورة.
وأشارت كرمان إلى أن إجبار صالح على التنحي تم بفعل سلمي مئة في المئة في مجتمع قالت إنه كان يمتلك عشرات الملايين من قطع السلاح، معتبرة أن ذلك شكّل نموذجاً على قدرة اليمنيين على توحيد صفوفهم حول مطالب الحرية والكرامة، بعد عقود قالت إن نظام صالح اعتمد خلالها على الانقسام والحروب والكراهية.
الحوار الوطني ومسودة الدستور
وركزت كرمان على نجاح المرحلة الانتقالية، مشيرة إلى أن الفترة التي امتدت لنحو ثلاث سنوات شهدت انعقاد مؤتمر الحوار الوطني الذي يعد من أهم المحطات السياسية في تاريخ اليمن الحديث.
وقالت كرمان إن الحوار جمع مختلف الأطراف اليمنية، وخرج بمخرجات كانت قادرة على وضع البلاد على مسار جديد، إلى جانب إعداد مسودة دستور شارك اليمنيون في صياغتها، مع تمثيل للمرأة بنسبة 30 في المئة.
وأضافت كرمان، أن مسودة الدستور شملت ضمانات تتعلق بالديمقراطية والحقوق والحريات، معتبرة أن العملية الانتقالية حققت أيضاً قدراً من الاستقرار الاقتصادي مقارنة بما سبقها وما تلاها.
وترى كرمان أن هذه المرحلة كانت قد وصلت إلى خطوات متقدمة قبل أن تتعرض للانهيار، مشيرة إلى أن اليمنيين كانوا على بعد خطوات من طرح الدستور للاستفتاء.
ثورة مضادة وتدخلات خارجية
وحمّلت كرمان الثورة المضادة مسؤولية إفشال المرحلة الانتقالية، واتهمت إيران بقيادة هذا المسار، فيما تحدثت عن تسامح من الولايات المتحدة ومباركة من السعودية والإمارات.
واعتبرت كرمان أن سيطرة مليشيا الحوثي على مؤسسات الدولة وانقلابها على العملية السياسية أديا إلى تقسيم اليمن وتدمير مسار الانتقال الديمقراطي.
كما انتقدت كرمان أداء السفراء والبعثات الدبلوماسية في اليمن خلال تلك المرحلة، قائلة إن سفراء الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي لم يؤدوا الدور المطلوب في نقل حقيقة ما كان يجري في البلاد، واتهمتهم بالتسامح مع الاحتلال الحوثي.
شبكات مدنية في مواجهة صعود الاستبداد
وحذرت توكل كرمان، من تنامي "الفوضى العالمية" وصعود الأنظمة الاستبدادية، داعية إلى تعزيز المقاومة المدنية والدفاع عن الديمقراطية وحرية التعبير، مستندة إلى تجربتها في اليمن خلال مواجهة نظام الرئيس الراحل علي عبدالله صالح.
وقالت كرمان إن تجربتها بدأت من مواجهة سياسات النظام التي اتجهت إلى تقسيم المجتمع اليمني واستخدام الانقسامات بين اليمنيين أداة لإدارة البلاد وإشعال الصراعات والكراهية، مشيرة إلى وجود انقسامات بين الطوائف والمدن والتيارات والأيديولوجيات.
وأضافت كرمان، أن النظام اتجه لاحقاً إلى التضييق على حرية الصحافة من خلال اعتقال الصحفيين وحجب المواقع الإلكترونية، إلى جانب إضعاف المجتمع المدني والتدخل في عمل المؤسسات، ولا سيما القضاء.
وأشارت كرمان إلى أن مقاومتها للنظام لم تبدأ مع ثورة عام 2011 فقط، وإنما تعود، إلى عام 2006، عندما بدأت مع آخرين في الدفاع عن حرية التعبير والصحفيين الذين تعرضوا للاعتقال أو الاتهامات.
وأكدت كرمان أن حرية التعبير كانت "الأداة الأولى" في مواجهة الاستبداد، داعية إلى الدفاع عن الصحافة وحقوق التعبير باعتبارهما من الركائز الأساسية للديمقراطية.
وحدة الصحفيين للدفاع عن الديمقراطية
وتحدثت توكل كرمان عن أهمية بناء شبكات واسعة من المدافعين عن حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية، موضحة أن التفاف هذه الجهات حولها منحها قوة أكبر خلال تحركها في اليمن، بعدما كانت في بدايات نشاطها تواجه النظام ومؤيديه بمفردها تقريباً.
وحثت كرمان الصحفيين والمنظمات المدنية على التضامن عندما يتعرض أحد أفرادها أو مؤسساتها للاستهداف، معتبرة أن وحدة الصحفيين في الدفاع عن زملائهم، ووحدة منظمات المجتمع المدني في مواجهة التضييق، تمثل عاملاً مهماً في حماية المجال الديمقراطي.
وقالت كرمان إن الديمقراطيات الغربية مطالبة بالدفاع عن نفسها وعن المؤسسات والحريات الديمقراطية، محذرة من أن قبول إجراءات تستهدف المنظمات المدنية ووسائل الإعلام يمكن أن يشكل، خطراً على الديمقراطية.
وقالت كرمان، إن الأنظمة الاستبدادية لا تخشى الصحافة فقط بسبب عملها الإعلامي، وإنما بسبب قدرتها على كشف الحقائق، وباعتبارها أحد رموز الديمقراطية.
ودعت كرمان الصحفيين إلى مواصلة العمل وعدم ممارسة الرقابة الذاتية، قائلة إن الاستمرار في الصحافة يمثل، وسيلة لمقاومة الضغوط والاستبداد.
وأكدت كرمان على أن الدفاع عن الديمقراطية، لم يعد قضية تخص بلداً بعينه، بل أصبح معركة مشتركة، قائلة إن "معركتكم هي معركتنا"، مشددة على أنها لم تتخلَّ عن هذا النضال رغم ما قالت إنه كلفها ومَن معها من "تضحيات كثيرة".
شكل جديد من الديكتاتورية
وقالت كرمان إن العالم اليوم يواجه شكلاً جديداً من أشكال الديكتاتورية. فإلى جانب الديكتاتورية السياسية التي نعرفها، برزت الآن ديكتاتورية الشركات، وعلينا أن نواجه هذا النوع الجديد من الهيمنة.
وأضافت كرمان: لقد كنا في بلداننا، وكذلك في مختلف دول العالم، سواء كانت متقدمة أم فقيرة، نرفع أصواتنا محذرين من أننا محاصرون بالأنظمة الديكتاتورية وبالشركات متعددة الجنسيات التي تدمر مجتمعاتنا، وتستنزف ثرواتنا، بل وتقيم تحالفات مع الديكتاتوريات وشبكات الفساد وغير ذلك.
وتابعت كرمان: واليوم، بدأ العالم والمجتمعات الديمقراطية، بما في ذلك الدول الديمقراطية والمنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام، يدركون حجم النفوذ الذي باتت تمارسه هذه الشركات الكبرى وكيف أصبحت تؤثر في تشكيل العالم.
وشددت كرمان على أن الضمانة الأساسية لحماية الديمقراطية هي ضمان المساءلة، مؤكدة أن المساءلة أمر بالغ الأهمية؛ إذ ينبغي أن يخضع كل من يتولى السلطة للمحاسبة، وهذا هو الأمر الذي نفتقده في الولايات المتحدة، ولا يزال غائباً أيضاً في بلداننا.
واختتمت كرمان بالتأكيد على وجوب أن تكون هناك مساءلة لمن يمارسون السلطة السياسية، وكذلك لمن يمتلكون النفوذ في القطاع الخاص، لأن هؤلاء أصبحوا اليوم طرفاً فاعلاً في تشكيل العالم.