أخبار سياسية
توكل كرمان: فبراير ليست ذكرى عابرة.. بل بوصلة للمستقبل
أعادت الناشطة اليمنية الحائزة على جائزة نوبل للسلام، توكل كرمان، تعريف الصراع في البلاد باعتباره صراعا بين استعادة الدولة الوطنية وسطوة المليشيا وتمددها على خارطة الجغرافيا.
واعتبرت في كلمة لها بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لثورة 11 فبراير أنها ليست ذكرى ثورة عابرة، بل بوصلة للمستقبل، وأن العودة إلى قيمها هي الطريق الأقرب للخلاص والسلام.
كما حذرت من شيطنة السياسة والديمقراطية باعتبار أن ذلك يقدم خدمة جليلة للمليشيات، وقدمت قراءة للمسار الذي مضت فيه الثورة وأسباب تعثرها وكيف أجهض المسار الانتقالي في البلاد.
واعتبرت كرمان أن ثورة 11 فبراير لم تكن حدثا عابرا في التاريخ، بل لحظة تأسيسية كاشفة لطبيعة الصراع في البلاد بين الدولة الحديثة ومشاريع الاستبداد والانقلاب والوصاية.
وقالت إنه "بعد 15 عاما من الثورة وأكثر من عقد من الانقلاب والحرب، تظل فبراير مرجعية وطنية وخارطة طريق لوقف الحرب وبناء سلام مستدام"، مؤكدة أن الثورة اندلعت بعدما وصلت الدولة في عهد علي عبدالله صالح إلى حالة انسداد وانهيار شاملين، إثر تحويلها إلى دولة فرد وعائلة تدار بالولاءات وصناعة الأزمات وسياسة فرق تسد.
وفي قراءة كرمان للمرحلة، عدت عقود صالح حروبا ونزاعات متواصلة، وأغلقت أبواب الإصلاح، حتى بلغ الانسداد ذروته، فتوافرت كل الشروط الموضوعية لانفجار ثورة شعبية سلمية جاءت كمشروع إنقاذ وطني عميق.
وأشارت إلى أنه بعد إسقاط رأس النظام، دخل اليمن مرحلة انتقالية شاملة دون إقصاء أو انتقام، وقدمت الثورة نموذجا سلميا نادرا في إدارة التحول السياسي.
وبجردة حساب بسيطة للفترة الزمنية القليلة التي أعقبت الثورة، توضح كرمان كيف "ترسخت الحريات، وتوقفت الاعتقالات السياسية، وتحسنت الرواتب، وألغيت صفقات فساد، وظهر قدر من الاستقرار الاقتصادي".
وتتابع القول: "كان اليمن على بعد أيام من الاستفتاء على الدستور والانتقال إلى الانتخابات، لولا تحالف صالح مع مليشيا الحوثي الذي أطاح بالمسار الانتقالي".
وعدت الانقلاب الذي تعرضت له الثورة من قبل قوى الثورة المضادة وبدعم إقليمي متقاطع هدفه منع اكتمال التجربة السلمية وعرقلة قيام دولة يمنية مستقلة ذات سيادة.
وتضيف: "يومها التقت مصالح قوى إقليمية، رغم تناقضاتها، على إبقاء اليمن هشا وضعيفا تحت نفوذ مليشيات أو ديكتاتوريات، بدل قيام دولة قوية مستقلة القرار".
وتؤكد أن معاناة اليمنيين لم تقتصر على الانقلاب الحوثي، بل امتدت إلى انحراف مسار تدخل التحالف نحو صراعات نفوذ وتقاسم مناطق السيطرة.
وبشأن الدور الإماراتي، فقد وصفته بالأخطر في تفكيك الدولة عبر السيطرة على الموانئ والجزر، وبناء مليشيات وكيانات انفصالية، والانتقال من دعم الشرعية إلى تقويضها والدفع نحو تقسيم اليمن.
ولفتت إلى أن ما حدث مؤخرا في حضرموت وغيرها من المناطق لم يكن صراعا داخليا فحسب، بل ساحة تنافس إقليمي على النفوذ والجغرافيا.
وأكدت أن إدارة الفوضى تحولت إلى سياسة مقصودة، وأن استمرار هذا المسار يهدد أمن المنطقة، خصوصا السعودية، ما لم يمكن مشروع الدولة الوطنية الجامعة.
كما عدت أن تحجيم الدور الإماراتي يفتح فرصة حقيقية لسلام مستدام واستعادة الدولة بدعم سعودي واضح.
وقالت كرمان إن "الخيارات اليوم واضحة: إما سلام شامل يقوم على نزع سلاح الحوثي ودمجهم سياسيا ضمن دولة واحدة، أو حسم يعيد صنعاء إلى سلطة الدولة".
أما أخطر السيناريوهات، في نظرها، فهو استمرار حالة اللاسلم واللاحرب أو الذهاب إلى تقسيم اليمن.
ودعت إلى طريق مسؤول يتمثل في دعم الشرعية، وتوحيد القوات، وتمكين مؤسسات الدولة اقتصاديا وسياسيا.
وفي رسائل موجهة للنخبة اليمنية، أشارت إلى أن إنقاذ البلاد مسؤولية أخلاقية وتاريخية تتطلب إعادة الاعتبار للمؤسسات والرقابة، وتقديم نموذج ناجح في المناطق المحررة يوفر الأمن والخدمات ويوقف اقتصاد الحرب.
وتقول: "لا أعذار بعد اليوم: إما الإصلاح الجاد، أو الاعتزال. لا بد من إنهاء السلاح خارج الدولة ورفض كل أشكال الوصاية".
ورغم كل ما حدث من خراب وهندسة للفوضى، تشدد كرمان على أن اليمن لم يهزم، لأن مجتمعه حافظ على أخلاقه وتماسكه وفكرة الدولة.