مقالات
هل تبحث السعودية عن قائد أم عن بديل؟
إن المشكلة لا تكمن في شخص المحرمي وحده، بل في الطريقة التي تُدار بها الأزمة اليمنية منذ سنوات؛ إذ يجري البحث عن الأشخاص قبل البحث عن المشروع، وعن الولاءات قبل الكفاءات، وعن البدائل التي تضمن استمرار النفوذ أكثر مما تضمن استعادة الدولة اليمنية. وهذه هي الحلقة المفرغة التي أوصلت الشرعية إلى ما وصلت إليه، وأتاحت للحوثي التمدد فيما تتآكل مؤسسات الدولة وتتراجع قدراتها العسكرية والسياسية.
وليس من الحكمة أن تفترض الرياض أن خروج الإمارات من المشهد، أو تراجع نفوذ أدواتها، يعني تلقائياً انتقال القرار اليمني إلى يدها. فالتجربة أثبتت أن القوى المحلية التي تنشأ في كنف الرعاية الخارجية لا تتحول بالضرورة إلى أدوات طيّعة في يد الراعي الجديد، ولا تتخلى بسهولة عن شبكات مصالحها وارتباطاتها السابقة. وإذا كانت هناك شكوك جدية بشأن قدرة المحرمي على التحرر من تأثير أبوظبي، فإن اختباره الحقيقي لن يكون في تصريحاته السياسية، وإنما في القرارات التي سيتخذها، والجهة التي سيخدم مشروعها حين تتعارض المصالح.
ثم إن قيادة قوات العمالقة كانت بيد ضباط إماراتيين يتمتعون بكفاءة مهنية عالية، بينما لم يكن أبو زرعة سوى واجهة محلية لتلك القيادة. فقد كان قبل الحرب شيخاً سلفياً مُبتداءً يبيع العسل في دكان صغير بمدينة جعار في أبين، ولم تكن له صلة بالعمل العسكري من قريب أو بعيد. وحتى لو افترضنا أنه نجح جزئياً في قيادة العمالقة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة امتلاكه مقومات القيادة السياسية؛ فإدارة التشكيلات العسكرية، مهما بلغ حجمها، تختلف عن إدارة السياسة في مجتمع تتعدد فيه المصالح والقوى والمظالم. واليمن لا يحتاج اليوم إلى قائد جديد أفرزته ظروف الحرب، بقدر ما يحتاج إلى قيادة تمتلك رؤية سياسية، وتؤمن بالدولة، وتستطيع جمع اليمنيين حول مشروع وطني يتجاوز الولاءات المناطقية والحسابات الخارجية
أما المعركة مع الحوثي، فقد كشفت أن الخلل لا يُعالج بتبديل الوجوه وحده. فحين تسقط الجبهات وتتراجع الدولة، لا يكون الحل في إعادة توزيع المناصب بين الشخصيات ذاتها، ولا في استنساخ تجارب التشكيلات المسلحة التي بقيت خارج إطار المؤسسة العسكرية الوطنية. المطلوب هو إعادة بناء القرار العسكري والسياسي، وإطلاق طاقات اليمنيين، وتوحيد المليشيات السلفية في أطار الجيش الجيش الوطني وتمكينه من أداء مهمته، بدلًا من مواصلة إنتاج مراكز قوى متنافسة تتنازع النفوذ فيما يحقق الحوثي مكاسب جديدة على الأرض.
والسؤال الذي ينبغي أن تطرحه الرياض على نفسها قبل أن تمنح المحرمي رهاناً أكبر هو: هل تريد رجلاً ينجح في إدارة مرحلة جديدة من النفوذ، أم قائداً يشارك في تأسيس دولة يمنية مستقلة القرار؟ فالأول قد يمنحها هدوءاً مؤقتاً أن أستطاع، لكنه لن يضمن أمنها على المدى البعيد؛ أما الثاني، فهو وحده القادر على بناء علاقة متوازنة بين البلدين، قوامها المصالح المشتركة واحترام السيادة، لا التبعية وتدوير الأزمات.
إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه السعودية هو أن تظن أن العليمي فشل وهذا دليل على أن الحل يكمن في استبداله بشخص آخر، من دون مراجعة النهج الذي أنتج ذلك الفشل. فالأزمة أعمق من الأشخاص، والهزائم أكبر من أن تُعالج بتغيير الأسماء، والحوثي لن يُهزم بمجرد إعادة ترتيب قائمة الثمانية في الرياض.
إن اليمن لا تنقصه الأسماء الجديدة، بل تنقصه الدولة التي تجعل من كل اسم جزءاً من مشروع وطني، لا مشروعاً قائماً بذاته. وإذا لم تدرك الرياض هذه الحقيقة، فقد تجد نفسها تنط للخروج من أزمة لتقع في أزمة جديدة أفدح، وترتيب أدوات قيادية أفشل، وخريطة نفوذ مختلفة، بينما يظل الحوثي هو المستفيد الأكبر من عجز خصومه عن بناء البديل الوطني القادر على مواجهته.
نقلا عن حساب الكاتب في اكس