مقالات

مستقبل العمل الإنساني.. إلى أين؟

03/11/2025, 14:06:36

تتجه أنظار كثيرين حول العالم إلى العاصمة اليمنية صنعاء، حيث أعلنت جماعة الحوثيين الأسبوع الماضي عن تقديم 43 موظفاً في بعض وكالات الإغاثة الدولية، من أصل 59 تحتجزهم الجماعة، إلى المحاكمة بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، ما ساعد الأخيرة ــ بحسب الحوثيين ــ على استهداف مقرٍ لاجتماع حكومتها غير المعترف بها دولياً في أغسطس الماضي، ما أدى إلى مقتل أكثر من نصف أعضائها ورئيس أركان القوات التابعة لها محمد الغماري.

وقال متحدث باسم الجماعة في تصريحات لوكالة رويترز إن الإعدام هو العقوبة الحتمية لكل من يثبت تورطه في ذلك، ولكن كيف يمكن أن يتم التحقق من عدالة ونزاهة إجراءات المحاكمة؟

تراجيديا المواجهة بين جماعة الحوثيين ومنظمات الأمم المتحدة بلغت اليوم ذروتها، وتقدم نموذجاً غير مسبوق في التقييد على العمل الإنساني، وفي توتر العلاقات بين المنظمة الدولية وعدد من البلدان التي تواجه أزمات إنسانية وتكون في أمسِّ الحاجة إلى مساعداتها في مجالات الغذاء والدواء والمياه وغيرها.

التضييق على العمل الخيري


يمكن القول إن العالم لا يزال بخير برغم اعتلاله بالكثير من الأخطاء الاستراتيجية في معظم السياسات العالمية، فالخيّرون كانوا ولا يزالون كُثراً هنا وهناك، مما يدل على حالةٍ من انفصالٍ وانفصامٍ لكثيرٍ من الحكومات والأنظمة عن واقعها ومزاج مجتمعاتها الرافضة لتغليب المصالح السياسية والاقتصادية على حساب المبادئ والقيم والمثل الإنسانية التي جُبلت عليها.

خلال حروب إسرائيل على غزة رأينا كثيراً من المبادرات المجتمعية والإنسانية الجادة في الغرب لرفع الظلم الواقع على سكان هذا القطاع المحاصر البالغ عددهم نحو مليوني إنسان يقبعون في أضيق نطاقٍ جغرافي أشبه بسجنٍ كبيرٍ تحاصره إسرائيل من كل الجهات، وتمنع عنه الغذاء والمياه والدواء وكل ما يحفظ للإنسان أدنى حقوقه وما يصون آدميته.

شددت الحكومة الإسرائيلية بكل قسوةٍ وغرورٍ إغلاقها لكل المنافذ المؤدية إلى قطاع غزة بقوة الحديد والنار، ووقف العالم مذهولاً وعاجزاً عن فعل أي شيءٍ فعّالٍ وملموسٍ أمام ممارساتها التي لم تفضِ رغم كل ذلك إلى نتيجة تُشبع نهم نتنياهو وحلفائه اليمينيين والأصوليين المتطرفين إلى دفن "كابوس حل الدولتين"، أو جعل القضية الفلسطينية جزءاً من الماضي، لأن الشعوب ــ بالطبيعة ــ ولّادة، ووجودها لا ينتهي مهما كانت قوة العسف والطغيان الذي تتعرض له.

كما تصدت إسرائيل لكل المبادرات الخيرية والأخلاقية العالمية بصلفٍ ورعونة، وأعادتها على أعقابها من حيث أتت، وصادرت حمولاتها من المساعدات الإنسانية التي جُمعت لأطفال ونساء غزة.
مارست إسرائيل النهج ذاته في منع أسطول الصمود العالمي من الوصول إلى شواطئ غزة، وفق ما ذكره الفريق القانوني المساند لأسطول الصمود، الذي كشف في بيانٍ له أن "280 مشاركاً استكملوا الإجراءات أمام محكمة الهجرة الإسرائيلية، من بينهم 200 دون حضور محامين، فيما تولّى المحامون مرافقة البقية" لترحيلهم من إسرائيل.

تل أبيب، ببساطة، لم تستطع في ظل حكومة نتنياهو أن تفيق من غيِّها وتقرأ الرسائل التي يبعث بها العالم إليها كل يوم بوعيٍ سياسيٍ واستراتيجي، مقتضاه أنه لا مجال للدبابة أن تسحق حقائق التاريخ والجغرافيا، وأن أمرها لن يصلح بأقل مما فعلته جنوب أفريقيا في إلغاء نظام الفصل العنصري (الأبارتيد) والقبول بفكرة العيش المشترك، إما في إطار دولةٍ تعدديةٍ حقيقية، أو بالذهاب إلى حلّ الدولتين: فلسطينية وإسرائيلية.

كارثة غزة ليست العنوان الوحيد للمأزق الذي يعيشه الوجود الإنساني، وإن كان الأكثر إثارةً وجدلاً، فهناك العشرات من العناوين العريضة لبؤس البشرية في أكثر من مكانٍ على الأرض لا تصل إليه كاميرات الإعلام ولا يعرف عنه العالم الكثير.

مأزق الأمم المتحدة


خلال نصف القرن الماضي على الأقل، تم إهدار الكثير من الفرص للتوصل إلى تسوياتٍ لكثيرٍ من الحروب والأزمات وحتى الكوارث الطبيعية، وتعزيز الموارد اللازمة لمكافحة الفقر والأمراض والأوبئة. لكن دونالد ترمب، الرئيس الأميركي الذي يتربع على قمة أقوى دول العالم، جاء ونسف العديد من الجهود التي بُذلت لتحقيق ذلك، فقد تنصل من اتفاق باريس للمناخ المبرم عام 2015، وهو أهم التزامٍ قانونيٍ عالمي لمكافحة تغيّر المناخ والحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض، ورفض تنفيذ التزامات بلاده كواحدة من أكبر الدول الصناعية التي تعهدت في هذا الاتفاق بخفض الانبعاثات الحرارية والتعامل الجاد مع آثار التغير المناخي.

ولم يكتفِ ترمب بذلك، بل ألغى الاتفاق النووي مع إيران الموقع في العام نفسه مع طهران، الذي كان قاب قوسين أو أدنى من جعل البرنامج الذري لإيران تحت الرقابة الدولية الصارمة. ثم بلغت تراجيدية سياساته الذروة خلال الأسابيع القليلة الماضية عندما وقف على أعلى منبر للأمم المتحدة في جمعيتها العامة المنعقدة الشهر الماضي لمهاجمة المنظمة الدولية في عقر دارها، واتهامها بالإخفاق والفشل في معالجة الكثير من القضايا والنزاعات العالمية التي ما كان لها أن تستمر لو لم تستخدم واشنطن حق النقض (الفيتو) ضد كثير من القرارات التي أجمع عليها العالم، وفي مقدمتها ما يتصل بالنزاع الفلسطيني الإسرائيلي.
وقبل كل ذلك، أوقف ترمب كل أشكال الدعم المالي المقدَّم من قبل بلاده للمنظمات الإغاثية الدولية، وعلى رأسها منظمة الأونروا المعنية بمساعدة الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال الإسرائيلي في الداخل.

كيف يمكن أن نحلم بعالمٍ قادرٍ على العيش بالحد المعقول من السلام دون تطبيق القانون الدولي الذي نص عليه ميثاق الأمم المتحدة، ومعالجة إشكاليات هيكلها وأنظمتها الداخلية التي طالما وُصمت بالخلل والفساد وبالتبعية المطلقة لإرادات الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي؟

مقالات

هل تستعيد الدولة اليمنية فرصتها؟

السلام الذي يجمّد توازنات القوة المسلحة لا ينهي الحرب، وإنما يؤجلها؛ أما السلام الحقيقي فيبدأ حين تصبح الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار، وتتحول المنافسة من الجبهات إلى المؤسسات.

مقالات

‏لماذا لم تتوحد الجبهات؟

‏تتكرر الدعوات إلى إطلاق المعركة في كل الجبهات، وهي دعوات تنطلق، في كثير منها، من إحساس وطني صادق ورغبة في إنهاء الحرب واستعادة الدولة. لكن الوطنية وحدها لا تكفي لصناعة معركة قابلة للانتصار.

مقالات

بياني الصحفي في مجلس الامن

أدعو مجلس الأمن إلى الضغط على جميع الأطراف من أجل خفض التصعيد فورًا، ووقف الهجمات على المدنيين والبنية التحتية المدنية، ومنع اندلاع حرب شاملة جديدة.

مقالات

كيف تعيد الحوثية بناء سرديتها؟

ستحمّل الجماعة الحوثية، بمهارة، مطية الجوع كل رهاناتها السياسية: فتح المطار، ورغبتها في إدخال إيران جواً إلى صنعاء، والحصول على حصة من العائدات النفطية التي سبق أن دمرت المنشآت وأوقفت التصدير لسنوات، وضرب خصومها واستهداف تجهيزاتهم.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.